آل روتشيلد..  زقاق فرانكفورت إلى عالم المال والسياسة وقناة السويس ووعد بلفور

هناك أسماء لا تحتاج إلى تعريف طويل. يكفي أن يقال «روتشيلد» حتى تحضر إلى الذهن صورة المال والبنوك والنفوذ السياسي والثروة التي امتدت عبر القارة الأوروبية.

لكن وراء الاسم حكاية تاريخية أكثر تعقيدًا من الروايات التي أحاطت به على مدى قرنين. فالعائلة التي خرجت من حي اليهود في مدينة فرانكفورت الألمانية لم تبدأ من قصور الحكم، وإنما من نشاط تجاري محدود، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أشهر العائلات المصرفية في أوروبا.

والسؤال هنا ليس ما إذا كان آل روتشيلد يحكمون العالم، كما تردد بعض الروايات، وإنما كيف استطاعت هذه العائلة أن تصل إلى هذا القدر من النفوذ المالي، وأن تصبح طرفًا في عدد من الأحداث الكبرى التي غيرت خريطة أوروبا والشرق الأوسط؟

البداية من فرانكفورت

ولد ماير أمشيل روتشيلد في فرانكفورت عام 1744، في مجتمع يهودي كان يعيش داخل حي مغلق عُرف باسم «زقاق اليهود».

بدأ نشاطه في التجارة والعملات والتحف، ثم ارتبط بعلاقات مالية مع أمير هِسّن كاسل، وهو ما فتح أمامه الطريق إلى التعامل مع الثروات الكبيرة والحكومات.

لكن التحول الأكبر جاء عندما قرر توزيع أبناءه على المراكز المالية والسياسية الرئيسية في أوروبا.

ذهب أحدهم إلى لندن، وآخر إلى باريس، وثالث إلى فيينا، ورابع إلى نابولي، بينما بقي فرع في فرانكفورت.

كان ذلك أكثر من مجرد توزيع لأفراد الأسرة. فقد نشأت شبكة مالية تربط أهم العواصم الأوروبية في وقت كانت فيه حركة الأموال والمعلومات أبطأ بكثير مما هي عليه اليوم.

وأصبح انتقال رأس المال بين هذه المدن إحدى أهم أدوات قوة العائلة.

المال في زمن الحروب

شهدت أوروبا خلال تلك الفترة سلسلة طويلة من الحروب، وكانت الحروب تحتاج إلى الأموال بقدر حاجتها إلى الجيوش.

برز آل روتشيلد في تمويل الحكومات وتقديم القروض وعمليات نقل الأموال والمعادن النفيسة بين الدول والأسواق، خصوصًا خلال الحروب النابليونية وما أعقبها.

ومع انتهاء الحروب، اتسع نشاط العائلة في إصدار القروض الحكومية وتمويل مشروعات البنية الأساسية والسكك الحديدية والمشروعات الصناعية.

وهنا بدأ نفوذها يتجاوز مفهوم الثروة الشخصية.

فالمصرفي الذي يستطيع توفير قرض لحكومة، أو ترتيب عملية مالية بين دولتين، يصبح جزءًا من حركة السياسة الدولية، حتى لو لم يكن صاحب قرار سياسي مباشر.

وهذا هو المفتاح لفهم صعود آل روتشيلد.

أسطورة معركة واترلو

من أكثر القصص شهرة أن ناثان روتشيلد، الموجود في لندن، عرف بنتيجة معركة واترلو قبل الأسواق البريطانية، واستغل الخبر لتحقيق أرباح هائلة من شراء وبيع السندات.

تحولت الرواية إلى واحدة من أشهر الأساطير المرتبطة بالعائلة، لكن المؤرخين لم يثبتوا القصة بالصورة التي انتشرت بها.

وهنا تظهر المشكلة التي أحاطت بتاريخ روتشيلد: الوقائع الحقيقية كانت كبيرة بما يكفي، فلم تكن هناك حاجة إلى إضافة أساطير إليها.

لقد كان نفوذ العائلة المالي حقيقيًا، وشبكتها الأوروبية حقيقية، وعلاقاتها بالحكومات والأسواق موثقة، ولذلك فإن تحويلها إلى قوة سرية تتحكم في كل حدث عالمي يخرج من التاريخ إلى عالم الأسطورة.

روتشيلد وقناة السويس

تأتي مصر في واحدة من أهم محطات تاريخ العائلة.

في سبعينيات القرن التاسع عشر كان الخديوي إسماعيل يواجه أزمة مالية كبيرة، بينما كانت بريطانيا تنظر إلى قناة السويس باعتبارها طريقًا استراتيجيًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى إمبراطوريتها، خصوصًا في الوصول إلى الهند.

كان الخديوي يمتلك عددًا كبيرًا من أسهم شركة قناة السويس، وقررت الحكومة البريطانية شراء هذه الأسهم.

لكن الصفقة احتاجت إلى تمويل سريع.

وهنا لجأت حكومة بنيامين دزرائيلي إلى بيت روتشيلد.

وفرت العائلة التمويل اللازم لشراء الأسهم المصرية في نوفمبر 1875، وبلغت قيمة الصفقة نحو أربعة ملايين جنيه إسترليني، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك العصر.

وهذه ليست رواية متداولة بلا مصدر، وإنما واقعة ناقشها البرلمان البريطاني وسجلتها وثائقه.

والأهم أن الصفقة كشفت حجم القوة التي أصبحت تتمتع بها المؤسسات المالية الكبرى في التعامل مع الحكومات والإمبراطوريات.

لم يكن روتشيلد يحكم مصر، ولم يكن هو صاحب قرار بيع الأسهم، لكن مؤسسة مالية خاصة استطاعت توفير التمويل الذي احتاجت إليه الحكومة البريطانية لإتمام صفقة ذات أهمية استراتيجية للإمبراطورية.

وهذه وحدها واقعة تستحق التوقف أمامها.

عندما يتداخل المال مع السياسة

في القرن التاسع عشر لم يكن دور المصارف الكبرى يقتصر على استقبال الأموال وإقراض الأفراد.

كانت المؤسسات المالية تمول الحكومات، وتصدر السندات، وتشارك في تمويل السكك الحديدية والموانئ والقنوات والمشروعات الكبرى.

ومن هنا نشأ نفوذ جديد.

لم يعد النفوذ مرتبطًا فقط بمن يمتلك الأرض أو الجيش، بل بمن يستطيع توفير رأس المال للدولة عندما تحتاج إليه.

وفي هذا المجال أصبح آل روتشيلد من أبرز البيوت المصرفية في أوروبا.

لكن ذلك لا يعني أنهم كانوا القوة الوحيدة في النظام المالي العالمي، ولا يعني أنهم كانوا يتحكمون في جميع الحكومات أو الحروب.

كان هناك منافسون ومصارف أخرى ومؤسسات مالية وحكومات تمتلك مصالح مستقلة.

من المال إلى وعد بلفور

ربما تكون أكثر حلقات قصة روتشيلد حساسية هي علاقته بوعد بلفور.

في الثاني من نوفمبر عام 1917، وجه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد والتر روتشيلد، أعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع الإشارة إلى عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية لغير اليهود الموجودين فيها.

وهذه الوثيقة أصبحت لاحقًا واحدة من أهم الوثائق المؤسسة للتحولات السياسية التي شهدتها فلسطين والمنطقة.

وجود اسم والتر روتشيلد في الرسالة حقيقة تاريخية.

كما أن والتر روتشيلد كان من الشخصيات اليهودية البريطانية المرتبطة بالحركة الصهيونية.

لكن هنا يجب أن يكون التحليل دقيقًا.

فليس صحيحًا تاريخيًا القول إن عائلة روتشيلد وحدها صنعت وعد بلفور أو أسست إسرائيل.

الوعد كان إعلانًا صادرًا عن الحكومة البريطانية، وجاء نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والاستراتيجية والفكرية التي كانت موجودة قبل عام 1917.

وكانت الحركة الصهيونية قد نشأت قبل ذلك بسنوات، وكان حاييم وايزمان وغيره من قادتها يعملون على كسب التأييد السياسي البريطاني والدولي للمشروع الصهيوني.

هل أسس روتشيلد دولة إسرائيل؟

السؤال يتكرر كثيرًا، والإجابة تحتاج إلى فصل الحقيقة عن المبالغة.

لم تؤسس عائلة روتشيلد دولة إسرائيل بمفردها.

قيام إسرائيل عام 1948 كان نتيجة مسار تاريخي طويل شاركت فيه الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين والدعم البريطاني ووعد بلفور ونظام الانتداب، ثم التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وقرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين، والحرب التي اندلعت عام 1948.

لكن ذلك لا يلغي أن أفرادًا من عائلة روتشيلد ارتبطوا بالمشروع الصهيوني، وأن اسم العائلة ظهر في واحدة من أهم الوثائق السياسية التي مهدت للتحولات اللاحقة في فلسطين.

وهنا تكمن أهمية الموضوع.

ليس المطلوب أن ننسب كل شيء إلى روتشيلد، كما لا يصح تجاهل دوره التاريخي.

لماذا تحولت العائلة إلى أسطورة؟

السبب واضح إلى حد كبير.

عائلة واحدة.

أبناء موزعون بين العواصم الأوروبية.

مصارف تعمل عبر الحدود.

علاقات مع الحكومات.

تمويل للحروب.

قروض للدول.

صفقة قناة السويس.

ثم ظهور اسم أحد أفراد العائلة في وثيقة بلفور.

هذه الوقائع صنعت صورة استثنائية، ومع مرور الوقت أضيفت إليها روايات أخرى تقول إن آل روتشيلد يسيطرون على البنوك المركزية، أو يتحكمون في الحروب والثورات، أو يديرون الاقتصاد العالمي من خلف الستار.

لكن هذه الادعاءات العامة تحتاج إلى أدلة مستقلة لكل واقعة، ولا يمكن تحويل النفوذ التاريخي الحقيقي إلى دليل على وجود سيطرة شاملة وسرية على العالم.

كما أن بعض هذه الروايات اختلط تاريخيًا بنظريات مؤامرة معادية لليهود، وهو أمر يجب الحذر منه عند تناول الموضوع، حتى لا يتحول البحث في تاريخ عائلة مصرفية إلى تعميم على جماعة دينية أو عرقية بأكملها.

القوة الحقيقية لروتشيلد

القوة الحقيقية للعائلة كانت في نموذجها المالي.

لقد أدركت مبكرًا أن المال لا يجب أن يبقى داخل حدود دولة واحدة.

فروع العائلة في فرانكفورت ولندن وباريس وفيينا ونابولي شكلت شبكة مالية عابرة للحدود، قادرة على نقل الأموال والمعلومات والتعامل مع أسواق مختلفة.

وفي زمن لم تكن فيه الاتصالات الحديثة موجودة، كانت سرعة الحصول على المعلومات والوصول إلى الأسواق ميزة اقتصادية هائلة.

وهنا يمكن فهم الدور الذي لعبته العائلة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر بعيدًا عن الأساطير.

لم تكن المسألة مجرد ثروة.

كانت المسألة شبكة مالية دولية في عصر لم يكن العالم قد عرف بعد معنى العولمة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

من قناة السويس إلى فلسطين

عندما ننظر إلى قصة آل روتشيلد من زاوية التاريخ لا من زاوية الأسطورة، تظهر أمامنا ثلاث محطات مهمة.

الأولى: صعود العائلة داخل النظام المالي الأوروبي.

الثانية: مشاركتها في عمليات تمويل حكومية كبرى، ومنها تمويل شراء بريطانيا لأسهم قناة السويس عام 1875.

الثالثة: ارتباط اسم والتر روتشيلد بوعد بلفور عام 1917.

هذه المحطات لا تعني أن العائلة كانت تدير العالم.

لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية:

كيف أصبح رأس المال الخاص قادرًا على الوصول إلى مستوى من التأثير جعل الحكومات نفسها تعتمد عليه في لحظات حاسمة.

وهنا تتغير زاوية النظر.

فالقصة ليست قصة عائلة امتلكت العالم، وإنما قصة عائلة استطاعت أن تصبح جزءًا من الطبقة المالية التي صاحبت صعود الإمبراطوريات الأوروبية، ثم شهدت انتقال العالم من عصر الإمبراطوريات إلى عصر الدول والمصارف والأسواق الدولية.

الاسم الذي سبق شهرته

ربما لهذا السبب ظل اسم روتشيلد حاضرًا حتى اليوم.

فالأسماء الكبيرة لا تعيش فقط بسبب ما امتلكته من ثروة، وإنما بسبب اللحظات التاريخية التي تقاطعت فيها مصالحها مع مصالح الدول.

من حي اليهود في فرانكفورت إلى المراكز المالية في أوروبا.

من تمويل الحكومات إلى شراء أسهم قناة السويس.

ومن عالم المصارف إلى رسالة بلفور.

رحلة طويلة جعلت اسم روتشيلد واحدًا من أكثر الأسماء شهرة وإثارة للجدل في التاريخ المالي والسياسي الحديث.

لكن الحقيقة التاريخية تظل أكثر تعقيدًا من شعار «العائلة التي تحكم العالم».

لقد كان آل روتشيلد أصحاب نفوذ مالي استثنائي، وكان لبعض أفراد العائلة حضور في ملفات سياسية مهمة، لكن تحويل هذا النفوذ إلى قصة عن سيطرة مطلقة على العالم يخلط بين التاريخ والخيال السياسي.

والدرس الأهم في هذه الحكاية أن السياسة والاقتصاد لم يكونا يومًا عالمين منفصلين.

ففي اللحظة التي تحتاج فيها دولة إلى المال، يصبح المصرف جزءًا من السياسة.

وفي اللحظة التي تصبح فيها قناة بحرية مثل قناة السويس قضية إمبراطورية، يصبح التمويل قرارًا استراتيجيًا.

وعندما تتحول قضية سياسية مثل فلسطين إلى مشروع دولي، تتداخل الدبلوماسية مع المال والحركة السياسية مع مصالح القوى الكبرى.

وهنا تكمن الحكاية الحقيقية لاسم يتردد كثيرًا…

اسم روتشيلد.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!