منذ زمن ليس ببعيد جداً، كان للفرجة على الدراما طقوس خاصة: موعد محدد، شاشة واحدة يلتف حولها جميع أفراد الأسرة، الكل متشوق لاستكمال “الحكاية” التي تملك زمنها الخاص، لم يكن الجمهور، وقتذاك، يستهلك الدراما بقدر ما كان “يدخل إليها”، يمنحها انتباهه، وحواسه تتشبث بالحكاية وهي تبني عالمها بالتدريج.

أما اليوم، فقد ذابت الطقوس جميعها، تحت وطأة “الهواتف الذكية والمنصات الرقمية”، صار يمكنك متابعة أي شيء في أي وقت “خاص بك”، أمام “شاشة خاصة بك”، في مكان “خاص بك”، ويمكنك أيضاً “إيقاف الحكاية مؤقتاً”، ومعاودة استكمالها في وقت لاحق، بضغطة زر.

ومنذ زمن بعيد جداً، كانت الدراما (وفق تصورات أرسطو)، تقوم على “الفعل والصراع والتصاعد نحو الذروة ثم الانفراج وصولاً للأثر الانفعالي الذي يسمى التطهير”، ويبدو أن زمن الدراما الرقمية ليس فقط “تخلى عن أرسطو”، بل أعاد صياغة كل هذه المراحل (التدريجية)، وضغطها في بضع دقائق، تحت مسمى جديد هو “ميكرو دراما”.

“الميكرو دراما” مصطلح جديد انتشر مؤخراً في زمن لاهث، لم يعد يتيح لـ”الحبكة” رفاهية التمهيد الطويل، حيث لا وقت لأي مقدمات، ولا وقت لـ”عمل كوباية شاي” أمام المسلسل، بل لم يعد “مسلسلاً بالمعنى المعتاد”، حتى الصراع يجب أن يظهر مبكراً، ربما بأول لقطة، أما الذروة فلا بد أن “تنهي الحلقة”، وليس شرطاً أن “تنهي العمل”، أما التطهير فأصبح “وجهة نظر”، يؤخذ منها، ويرد عليها!

قبل الدخول في تفاصيل التجربة الجديدة المسماة بـ”ميكرو دراما”، نأتي لما نراه “تمهيداً” للمشاهدين، عن طريق بث “ثلاث حلقات” دفعة واحدة، هي “الحكاية بأكملها”، تابعها الجمهور (منذ أيام)، وهو يحبس أنفاسه، في “حكاية صادمة قاسية”، تحت عنوان “لعبة جهنم”، زاد من قسوتها أنها مبنية على “قصة حقيقية” للاتجار بالقتل عبر “دارك ويب”.

اندلع الجدل عبر السوشيال ميديا، بسبب “لعبة جهنم”، وإبداع الأداء التمثيلي للأبطال (محمد فراج، عمر رزيق، والطفل منذر مهران)، هذا الثلاثي الذي أحكم قبضته حول “رقاب المشاهدين”، في جرعة مكثفة من العنف والتوتر، لدرجة أن البعض لم يستطع إكمال الحكاية، من فرط قسوتها.

وبعيداً عن “دراما الجريمة” التي لا نعرف ما إذا كانت “تحارب المجرمين”، أم “تلهمهم طرقاً مبتكرة للإفلات من العقاب”، وبعيداً عن “الأثر المجتمعي” للعنف المبالغ فيه، والذي يتعمق أثره مع الدراما “المأخوذة عن قصص حقيقية”، إذ يصبح الجمهور متورطاً “يفتش عن الحقيقة” بين شلالات الدم، وهو أمر يمكن لعلماء النفس أن يشخصوا معه “مرضاً جديداً” يقترب من كونه “جائحة” في الطريق!!

بعيداً عن كونها “دراما جريمة”، وسط “عالم موحش” نعيشه ونتنفسه، بدا وكأن الجرعات الدرامية المكثفة، التي يتلقاها المشاهدون “دفعة واحدة”، سوف تلتهم “الشكل الكلاسيكي” للدراما، في زمن لم يعد هناك “طاقة صبر” على الفرجة الطويلة.

يمكننا الغوص في علاقة الجمهور بثلاثية “الدراما والزمن والانتباه”، فبعد تغير “عادات المشاهدة”، لم تصبح الأزمة فقط في “عدد ساعاتها”، ولكن في طبيعة “الزمن” الذي يرتضي الجمهور أن يمنحه للحكاية، و”الانتباه” الذي يستطيع الاحتفاظ به أمام الشاشة، وتقلص مساحات “الصمت”، و”بناء الشخصيات”، و”تدرج الأحداث”، وبعد تلاشي مفهوم “مواسم الفرجة”، والتطور الطبيعي من التليفزيون للمنصات، ومن الشاشات الكبيرة للهواتف، وانتقال الدراما من “موعد مشاهدة” إلى “محتوى يمكن استعادته”، وحكاية “متاحة” يختار الجمهور متى يبدؤها ومتى ينهيها.

وشهد مطلع العام، تجربة جديدة “أكثر اختصاراً”، ابتدعتها منصة رقمية، بتقديم مسلسلات تصل إلى “30” حلقة، “ميكرو دراما”، أو “شورت دراما”، مدة الحلقة لا تتجاوز “3 دقائق”، وهنا لم يعد السؤال عن “عدد حلقات المسلسل”، بل عن “عدد الدقائق” التي يستطيع انتزاعها من “إصبع المشاهد” قبل قرار “عمل سكرول” وتمرير الشاشة!!

في زمن الفرجة الجماعية، كان أحد أفراد الأسرة يصاب أحياناً بالملل، لكنه لم يكن يستطيع “سحب” الشاشة من أمام الجميع، بقرار “سكرول”، أما في زمن الفرجة الفردية، فيكفيه ثانية واحدة لتنفيذ قرار الانسحاب، وتغيير الحكاية بـ”إصبع واحد” يملك سلطة الانتقال من مسلسل إلى فيديو ساخر إلى مباراة وهكذا، ولم تعد المنافسة بين المسلسلات وبعضها، بل أصبحت الدراما تنافس كل “محتوى مرئي” سواء كان فيديو واقعياً أو حتى مقطع تلخيص مباراة، كل تلك التنافسات تقع داخل “نفس الثانية”، لإرضاء نوعية جديدة من المشاهدين، سريعة الملل، سريعة اتخاذ قرار المغادرة، وسريعة التشتت الذهني، جمهور فاقد “الصبر الدرامي”، يريد أن “يقتنع” بالاستمرار في الحكاية من أول وهلة، يريد أن يعرف بسرعة ما المشكلة، وماذا سيحدث، ولماذا سيكمل الحكاية، وهل تستحق أن يمنحها انتباهه؟

ومع قدوم “الميكرو والشورت”، تبحث الدراما عن لغة جديدة، بتكثيف التوتر من أول لحظة، لإقناع المشاهد بالاستمرار، حيث تؤدي كل ثانية “وظيفة درامية”، أما الجديد “التقني”، فهو تصويرها بشكل “عمودي”، وتصميمها بصرياً لتناسب شاشات الهواتف، حيث يتغير شكل الكادر، ليصبح “رأسياً” يجعل الوجوه والتفاصيل القريبة أكثر حضوراً و”التصاقاً” بالمشاهد الذي يمسك الشاشة بيده.

وتظل الأسئلة تتقافز حول مستقبل الدراما في عصر التجريب، وكيفية ارتباط المشاهدين بشخصيات “دون أبعاد درامية”، تظهر في حلقات لا تتجاوز دقائق، وكيفية بناء رحلة نفسية عميقة في زمن سطحي الاستهلاك؟ ومدى إمكانية تقديم الممثل أداء مركبا في مساحة زمنية قصيرة؟ وقدرة الكاتب على صناعة نهاية “مؤثرة” بدلاً من مجرد نهاية “صادمة”؟

تضعنا الأشكال الجديدة للدراما أمام معادلة مختلفة، فها نحن أمام أجيال جديدة للكتابة، والتصوير والتمثيل، وأشكال مبتكرة للسرد، وأفكار تجد طريقها بسهولة للعرض، بتكلفة منخفضة، ولكن تبقى خطورة أن يصبح الإنسان نفسه في نظر الدراما “شخصية قصيرة سطحية”، بلا ماضٍ، ولا مساحات رمادية، يأتي فقط بأفعال سريعة مثيرة للجدل!

ربما لا تكون المعركة القادمة بين المسلسل الطويل و”الشورت دراما”، ولكنها معركة أكبر: هل تستطيع الدراما أن تحتفظ بإنسانيتها في عصر أصبح كل شيء فيه قابلاً للاختصار؟ هل تستطيع حلقة مدتها “3” دقائق، أن تترك في نفوس المشاهدين شعوراً يستمر لساعات؟ هل يمكن للدراما أن تستفيد من السرعة، دون أن تقتل الدهشة والتأمل في التفاصيل؟ هل يمكن أن تكون “الصورة الرأسية” تجسيداً لحكاية ذات أفق “واسع” يصدقها الجمهور، ويعيش معها.

اقرأ أيضاًبعد تصدره التريند.. محمد فراج يكشف تفاصيل شخصية الشيخ علاء في «لعبة جهنم»

مسلسل المدينة البعيدة 3 الحلقة 1.. موعد العرض والقناة الناقلة وكيفية المشاهدة مجانًا

محمد فراج عن انتقادات «لعبة جهنم»: «مش معنى إن الشخصية شيخ أننا نُسيء للدين»