خلال 4 سنوات وبالتحديد عقب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قلبت السياسة النقدية المصرية التوقعات السلبية الناجمة عن تداعيات التقلبات الجيوسياسية، لتمتص الصدمات الخارجية وآخرها تداعيات الحرب الإيرانية المتواصلة منذ 7 أشهر.
ورغم المخاوف الدولية من تضرر الأسواق الناشئة، والتي تعد مصر من بينها، أعلن البنك المركزي المصري قفزة تاريخية في صافي احتياطيات النقد الأجنبي، ليتجاوز حاجز 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس (آب) الماضي، في خطوة عكسَت تحولاً إستراتيجياً من مرحلة امتصاص الصدمات إلى بناء المصدات الصلبة.
وقفز صافي الاحتياطيات بنحو 73% مقارنة بقاع سجله في 2022 عند 33.1 مليار دولار، وجاء هذا المستوى التاريخي مدفوعاً أساساً بزيادة رصيد الذهب بنحو 1.92 مليار دولار خلال أغسطس (آب) إلى 19.06 مليار دولار، مع ارتفاع حيازات البنك المركزي بنحو 8 آلاف أونصة إلى 4.18 مليون أونصة، بحسب بيان البنك المركزي المصري.
الذهب يمنح الاحتياطي مفتاح الأمان
لم تكن إجراءات المركزي المصري وليدة الصدفة، بل جاء مدفوعاً برؤية استباقية ركزت على الملاذات الآمنة، ومع اتجاه البنك المركزي لشراء الذهب طيلة السنوات الماضية ساهم في دعم الاحتياطي النقدي الأجنبي، وبعد اشتعال فتيل الحرب في المنطقة، اندفعت أسعار الذهب عالمياً إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفعت حيازة البنك المركزي المصري من الذهب خلال أغسطس (آب) الماضي بنحو 7978.1 أوقية لتسجل 4.18 مليون أوقية ذهب.
وهذا التنويع للأصول لم يحمِ الاحتياطي من تقلبات العملات فحسب، بل أسهم بشكل مباشر في رفع القيمة الإجمالية لصافي الاحتياطيات الدولية إلى مستويات آمنة.
وخلال شهر أغسطس 2026، ارتفعت أسعار الذهب عالمياً بنحو 10% نتيجة الإقبال عليه كملاذ آمن بسبب تداعيات حرب إيران والتخوف من التضخم وضغوط الديون الأمريكية، وهذا الارتفاع السعري انعكس فورياً على القيمة الدفترية لاحتياطيات مصر، حيث قفزت قيمة رصيد الذهب لدى البنك المركزي بمقدار 1.92 مليار دولار لتصل إلى 19.06 مليار دولار، بحسب البنك المركزي.
وأشارت الخبير الاقتصادية الدكتورة يمنى الحماقي إلى أن هذا الارتفاع عوض السحب من رصيد النقد الاجنبي لتلبية احتياجات الاستيراد المتزايدة وسداد الالتزامات “مما يعني أن الذهب وحده من قاد الاحتياطي لتسجيل رقم قياسي جديد”.
قال البنك المركزي المصري يوم الاثنين إن صافي الاحتياطيات الأجنبية ارتفع من 56.294 مليار دولار في يوليو تموز إلى 57.215 مليار في أغسطس آب.https://t.co/OgqyeXrpUM
— Reuters | رويترز العربية (@araReuters) September 7, 2026
سيولة مسبقة حَمَت الأسواق
وعلى العكس من الأزمات السابقة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية التي فاجأت الأسواق بخروج الأموال الساخنة، دخلت مصر صراع 2026 وهي تتكئ على تدفقات استثمارية ضخمة ومستدامة، والتي شكلت فائضاً دولارياً مريحاً.
شاهد ايضاً
وأوضحت الدكتورة يمنى الحماقي لـ24 أن “هذه السيولة المسبقة، مكنت البنك المركزي من حماية الجنيه المصري، وامتصاص صدمات التخارج الجزئي للمستثمرين الأجانب، دون الحاجة إلى المساس بالاحتياطي الاستراتيجي للدولة، وذلك عبر آلية سعر الصرف المرن، وارتفاع الدولار أمام الجنيه حسب العرض والطلب، ما يساهم في عدم الهلع والخروج الجنوني من الأموال الساخنة بمكاسب في حالة تثبيت سعر الدولار مثلما حدث في 2022”.
ارتفعت حيازة البنك المركزي المصري من الذهب خلال أغسطس الماضي بنحو 7978.1 أوقية لتسجل 4.18 مليون أوقية ذهب.
فيما بلغت قيمة رصيد الذهب المدرج في احتياطي النقد الأجنبي لمصر بنهاية أغسطس الماضي نحو 19.06 مليار دولار ارتفاعا من 17.14 مليار دولار بنهاية يوليو 2026. pic.twitter.com/biIu1uZpZz
— Economy Plus (@EconomyPlusAR) September 7, 2026
خطوط الدفاع التجارية
وداخل القطاع المصرفي، تحولت البنوك التجارية المصرية إلى خط دفاع أول، إذ سجلت أصولها الأجنبية تحسناً ملحوظاً لتصل 42.6 مليار دولار، وتقول الدكتورة يمنى الحماقي: “هذا الانتعاش منح المصارف القدرة الذاتية على تلبية طلبات المستوردين والشركات، وخفف من الضغط الذي كان يقع على عاتق البنك المركزي لتوفير السلع الأساسية”.
وأضافت “أن هذه الإجراءات جاءت مع فرض حزمة إجراءات حكومية صارمة، لترشيد الإنفاق الدولاري، وإرجاء المشروعات غير العاجلة ذات المكون الأجنبي، ما قلص الفاتورة الاستيرادية”.
وأشارت الخبيرة الاقتصادية الدكتورة يمنى الحماقي إلى أن “استدامة هذا الأمر لدى البنك المركزي المصري، يستدعي تشجيع القطاع الخاص وزيادة الصادرات بأكبر قدر ممكن حتى لا يفقد الجنيه قيمته مع الوقت خلال السنوات المقبلة”.







