تحل اليوم ذكرى معركة التل الكبير، التي انتهت بهزيمة الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي أمام القوات البريطانية في سبتمبر 1882، لتضع الثورة العرابية أمام واحدة من أصعب لحظاتها، وتنتهي بعدها مرحلة من المقاومة الوطنية للاحتلال البريطاني الذي فرض نفوذه على مصر.
ويقدم محمود الخفيف في كتابه «أحمد عرابي.. الزعيم المفترى عليه» قراءة مختلفة لأسباب الهزيمة، رافضًا اختزالها في أخطاء عرابي وحده، أو في الرواية الشائعة التي تصور الزعيم بأنه كان ساذجًا خدعه فرديناند دي لسبس بشأن حياد قناة السويس.
التل الكبير.. ميدان الثورة في الشرق
يرى الخفيف أن التل الكبير كان مركز الميدان الشرقي في الثورة العرابية، مقابل كفر الدوار في الميدان الغربي، إلا أن المعارك في الجبهة الشرقية كانت أوسع نطاقًا وأكبر من حيث أعداد القوات، وجمعت بين صور من البطولة والإخلاص للوطن، وبين الخيانة والتخاذل.
ويصف المؤلف معركة التل الكبير بأنها اللحظة التي «استشهدت» فيها الحركة القومية، ووضعت القيود على الحرية، وانتهى فيها جهاد عرابي بعد أن أحاطت به ظروف من الخيانة لم ير الخفيف مثيلًا لها في تاريخ الحركات الوطنية. وفي المقابل، يؤكد أن ما قدمه أنصار الثورة من تضحيات ودماء جعل الحركة العرابية، رغم هزيمتها العسكرية، جزءًا من تاريخ النضال الوطني.
لماذا أهمل عرابي الجبهة الشرقية؟
يرى محمود الخفيف أن من أكبر أخطاء عرابي وأركان حربه إهمال المدخل الشرقي لمصر، مع تركيز الجهد العسكري على كفر الدوار، ويربط ذلك بموقفهم من قناة السويس واطمئنانهم إلى استمرار حيادها.
وبحسب روايته، لم تكن بريطانيا تنظر إلى القناة باعتبارها مجرد ممر محايد، بل بدأت منذ أواخر يونيو 1882 في إثارة المخاوف بشأن تعرضها للخطر، واستخدمت تلك المخاوف أمام الدول الأوروبية لتبرير تحركاتها العسكرية في المنطقة الشرقية من مصر.
وبعد ضرب الإسكندرية، صعّدت الحكومة البريطانية من حديثها عن الخطر الذي يهدد القناة، وأجرت اتصالات مع فرنسا وإيطاليا، قبل أن تمضي منفردة في تنفيذ خطتها. وفي 22 يوليو، أصدرت أوامر باحتلال بورسعيد والإسماعيلية، ثم دخلت القوات البريطانية قناة السويس في 26 يوليو، ووصلت سفنها إلى بحيرة التمساح بالقرب من الإسماعيلية.
وفي 2 أغسطس، أنزل البريطانيون قواتهم في السويس واحتلوا ثكناتها بعدما أخلاها الجيش المصري دون مقاومة، وهو ما يراه الخفيف واحدًا من أكبر عيوب الجبهة الشرقية، وجزءًا من مشكلة أوسع تمثلت في عدم تحصين المدخل الشرقي لمصر.
هل خدع دي لسبس عرابي؟
واحدة من أبرز النقاط التي يناقشها الكتاب هي الرواية التي حملت عرابي مسؤولية عدم ردم قناة السويس، بدعوى أنه صدق تطمينات دي لسبس بشأن حياد القناة.
الخفيف يرفض هذه الرواية بصورة واضحة. فهو يقر بأن عدم ردم القناة كان خطأ عسكريًا مهمًا، لكنه يرفض القول إن عرابي لم يدرك أهميتها الدفاعية، أو أن دي لسبس خدعه، أو أن هذا الخطأ وحده كان السبب الأساسي في الهزيمة. كما يرفض تفسير موقف عرابي بالجبن أو السذاجة.
ويستند المؤلف إلى مراسلات ووثائق بريطانية وفرنسية ليؤكد أن دي لسبس كان بالفعل يحاول الحفاظ على حياد القناة، وأن موقفه من التدخل البريطاني لم يكن مجرد خدعة موجهة إلى عرابي.
شاهد ايضاً
ففي 4 أغسطس، كانت بريطانيا نفسها تشير في اتصالاتها إلى معارضة دي لسبس لتحركاتها العسكرية، بينما كان مجلس إدارة شركة قناة السويس قد أعلن تمسكه بحياد القناة. ويخلص الخفيف إلى أن دي لسبس كان جادًا في موقفه، وأنه كان يخشى أن تؤدي التحركات البريطانية إلى إغلاق القناة أو الإضرار بها.
عرابي بين الحساب العسكري والضغط السياسي
ويطرح الخفيف تفسيرًا آخر لتردد عرابي في ردم القناة، يتعلق بالظروف السياسية المحيطة بالثورة. فقد كانت بريطانيا تعمل على تصوير عرابي وأنصاره أمام أوروبا باعتبارهم عصاة ومخربين، وكان عرابي حريصًا على أن تظهر حركته باعتبارها حركة وطنية عادلة لا تبدأ بالعدوان.
ومن هذا المنطلق، كان اتخاذ قرار بردم القناة في الوقت الذي كان فيه المؤتمر الدولي منعقدًا في الآستانة يمكن أن يمنح خصوم الثورة فرصة لتصويرها باعتبارها تهديدًا للتجارة الدولية والمصالح الأوروبية.
ويشير الكتاب إلى أن عرابي لم يكن يتحرك في فراغ، وإنما كان محاصرًا عسكريًا وسياسيًا، بينما كانت بريطانيا تملك الأسطول والقوة والنفوذ السياسي، وتعمل في الوقت نفسه على كسب الرأي العام الأوروبي ضد الحركة الوطنية المصرية.
شهادة محمد عبده
ويستشهد الخفيف كذلك برواية الشيخ محمد عبده، الذي رأى أن عرابي اعتمد على دي لسبس في حماية القناة، وكان يعتقد أن المساس بها سيجلب عليه عداء الدول، ولذلك ترك هذه الجبهة دون تحصين كافٍ.
لكن الرواية نفسها تشير إلى أن تطورات الموقف جاءت متسارعة؛ فعندما ظهرت مؤشرات على تحرك القوات البريطانية نحو القناة، جاءت تطمينات من دي لسبس، ثم تقرر إرسال جيش مصري، غير أن تأخر نقل البرقية 15 ساعة حال دون تحرك القوات المصرية قبل أن يتمكن الجيش البريطاني من احتلال المنطقة. ويشير محمد عبده إلى احتمال وجود خونة أسهموا في نقل الأخبار بصورة خاطئة أو تأخيرها.
وهنا يرى الخفيف أن هذه التفاصيل تساعد في فهم موقف عرابي بعيدًا عن التفسير السهل الذي يرده إلى السذاجة أو الخديعة؛ فالمسألة، في نظره، كانت ترددًا له أسبابه السياسية والعسكرية، لا مجرد وقوع في خدعة دي لسبس.
الهزيمة العسكرية ونهاية الثورة
وبانكشاف الجبهة الشرقية وتمكن القوات البريطانية من السيطرة على قناة السويس، أصبحت الطريق ممهدة أمام تقدمها نحو مواقع الجيش المصري، وصولًا إلى معركة التل الكبير التي انتهت بهزيمة قوات عرابي.
لكن قراءة الخفيف للمعركة لا تتوقف عند النتيجة العسكرية؛ فهو يرى أن الهزيمة لا تمحو قيمة التجربة الوطنية التي خاضها عرابي وأنصاره، ولا التضحيات التي قدمها الجنود والوطنيون خلال الثورة.







