تراجع معدل التضخم السنوي في تركيا خلال أغسطس/آب إلى 31.51%، مقارنة بـ31.75% في يوليو/تموز، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 1.84% على أساس شهري، في تباطؤ محدود يعكس استمرار الضغوط على الاقتصاد التركي رغم مسار التراجع التدريجي للتضخم.

ورغم انخفاض التضخم السنوي، لا يزال معدل ارتفاع الأسعار مرتفعًا، مع استمرار تأثير تكاليف الطاقة والنقل والسكن والغذاء على القدرة الشرائية للأتراك. وأظهرت البيانات الرسمية ارتفاع أسعار النقل بنسبة 4.82% خلال أغسطس، فيما ارتفعت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 2.26% على أساس شهري.

وبلغ التضخم السنوي في الغذاء والمشروبات غير الكحولية 33.79%، بينما سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعًا سنويًا قدره 39.77%، في حين ارتفعت أسعار النقل بنسبة 35.08%.

الطاقة تضغط على الاقتصاد التركي

وتشكل أسعار الطاقة أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى أنقرة، خصوصًا في ظل اعتماد تركيا الكبير على استيراد الطاقة. ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، تزداد تكلفة الواردات المقومة بالدولار، ما يضغط على الميزان التجاري ويزيد الطلب على العملات الأجنبية.

وينعكس ارتفاع تكلفة الطاقة تدريجيًا على أسعار الوقود والنقل والكهرباء والزراعة والسلع الاستهلاكية، ما قد يعرقل جهود البنك المركزي التركي للسيطرة على التضخم.

ويحافظ البنك المركزي على سعر الفائدة الرئيسي عند 37%، مؤكدًا أن السياسة النقدية ستظل متشددة إلى حين تحقيق استقرار الأسعار، مع استعداد البنك لتشديدها مجددًا إذا حدث تدهور واضح ومستمر في توقعات التضخم.

البنك المركزي يرفع توقعاته للتضخم

وفي أغسطس، رفع البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم في نهاية عام 2026 من 26% إلى 28%، مع الإبقاء على الهدف المؤقت عند 24%، بينما يظل هدف التضخم على المدى المتوسط عند 5%. وعزا البنك تعديل توقعاته بصورة رئيسية إلى ارتفاع أسعار الديزل والغاز الطبيعي وبعض السلع الأساسية.

ويعني ذلك أن السلطات التركية لا تزال تواجه تحديًا مزدوجًا: مواصلة خفض التضخم من جهة، وتجنب إضعاف النشاط الاقتصادي نتيجة استمرار أسعار الفائدة المرتفعة من جهة أخرى.

تباطؤ النمو يضيف ضغطًا جديدًا

ويتزامن ارتفاع الأسعار مع تباطؤ نسبي في النشاط الاقتصادي، إذ تعمل أسعار الفائدة المرتفعة على زيادة تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الشركات والأسر، ما يحد من الاستهلاك والاستثمار.

ويعتبر ضعف الطلب المحلي أحد العوامل التي تساعد البنك المركزي على كبح التضخم، إذ يؤدي تراجع الطلب إلى تقليص قدرة الشركات على تمرير زيادات إضافية في الأسعار. لكن استمرار التباطؤ لفترة طويلة قد يتحول إلى مصدر قلق اقتصادي وسياسي، خصوصًا مع استمرار تآكل القدرة الشرائية للأسر.

وفي المقابل، قد تتيح عودة التضخم إلى مسار هبوطي أكثر وضوحًا المجال أمام البنك المركزي لاستئناف خفض الفائدة، إلا أن السلطات النقدية تؤكد أن قراراتها ستتخذ اجتماعًا بعد آخر وفق تطورات التضخم وتوقعاته.

الليرة في قلب المعادلة

وتظل الليرة التركية عنصرًا أساسيًا في معركة التضخم، إذ يؤدي أي تراجع حاد في قيمتها إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، وفي مقدمتها الطاقة والآلات والمواد الخام، ما ينعكس سريعًا على الأسعار المحلية.

ولهذا السبب، لا يقتصر دور الفائدة المرتفعة على محاربة التضخم عبر تقليص الطلب، بل يهدف أيضًا إلى دعم استقرار الليرة وجذب الاستثمارات إلى الأصول المقومة بالعملة التركية.

ومنذ التحول في السياسة الاقتصادية بعد انتخابات عام 2023، اتجهت السلطات التركية إلى تشديد السياسة النقدية بعد سنوات من خفض الفائدة رغم ارتفاع التضخم، في محاولة لاستعادة ثقة المستثمرين وتحقيق استقرار أكبر في الأسواق.

النفط.. الخطر الأكبر على مسار خفض التضخم

وتبقى أسعار النفط العالمية أحد أبرز المخاطر التي تواجه الخطة الاقتصادية التركية. فإذا استمرت تكاليف الطاقة في الارتفاع، فقد تجد أنقرة نفسها أمام خيار صعب بين إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم، أو تخفيف السياسة النقدية لدعم النمو رغم مخاطر عودة الضغوط السعرية.

كما تشكل إيرادات السياحة مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية التي تحتاج إليها تركيا لتمويل وارداتها، لكن أي تراجع في أعداد السياح أو تدهور في الأوضاع الأمنية الإقليمية قد يضغط على تدفقات النقد الأجنبي.

وبالتالي، فإن تراجع التضخم إلى 31.51% يمثل خطوة إيجابية في مسار الحكومة والبنك المركزي، لكنه لا يعني انتهاء الأزمة. فمع استمرار التضخم فوق 30% وارتفاع تكاليف الطاقة والسكن والنقل، تبقى مهمة إعادة استقرار الأسعار والحفاظ على النمو واحدة من أصعب التحديات أمام الاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة.