لم يعد الشهر الفضيل موعدا وحيدا تنتظره الدراما لتثبت أنها قادرة على اعتلاء عرش الفرجة، وخطف انتباه الجمهور، فبعيداً عن الزحام السنوي الذي اعتادت الشاشة أن تضع فيه عشرات المسلسلات في طابور واحد طويل، على مدار 24 ساعة، بدأت تتشكل، بهدوء، خريطة أخرى للفرجة، لا تحتمي بعادات رمضان، ولا تستعين بموائد الإفطار ولمة العيلة، ولا تحتاج أن يتنافس “20” نجما، على “عين واحدة” في نفس الوقت.
منذ سنوات قلائل، ظهر مصطلح «دراما أوف سيزون»، للتعبير عن الأعمال الدرامية التي لم يحالفها الحظ بالعرض في الشهر الكريم، تقبع في قوائم الانتظار، باحثة عن موعد عرض آخر، قبل أو بعد، ويسميها البعض «رديف رمضان».
وبمرور الوقت، اكتشف صناع الدراما، أن انتظار الهدوء ليس عيباً، وأن التزاحم يهدر الفن أحياناً، وأن الخروج من موسم رمضان ربما يمنح فرصة أفضل للفرجة، بعيداً عن الصخب، حيث تغيرت عادات المشاهدين، فلم يعد أحد ينتظر الفانوس، ولم تعد غالبية البيوت المصرية تفتح أبوابها للعائلة للالتفاف حول شاشات التليفزيون، بعد أن أصبح لكل امرئ شاشة تغنيه، يمكنه فتح المنصة الرقمية، وقتما شاء، لمتابعة حلقات مسلسله الجديد، المعروض في أي يوم من أيام السنة، إذا وجد حكاية تستحق الانتظار.
وبمرور السنوات أيضاً، تشكلت ملامح دراما أوف سيزون، وأصبح موسماً ذا هوية مضادة لرمضان: حلقات أقل، إثارة أكبر، حكايات أكثر تكثيفاً، مساحة أوسع للنجوم والتجارب الجديدة، الجريئة في بعض الأحيان.
وقبل حلول هلال رمضان، مطلع فبراير المقبل، تستعد أشهر كاملة لأن تقول كلمتها في عالم الدراما، ومن أكتوبر 2026، حتى يناير 2027، يستعد الجمهور لاستقبال عدد من المسلسلات، حيث حدد صناع مسلسل محمود الطيار، الشهر المقبل موعداً للعرض، بكوميديا اجتماعية تشويقية، من 15 حلقة، بطولة دياب، الذي انتهى عرض مسلسله الأخير بنج كلي، منذ أسابيع، محققاً نجاحاً كبيراً.
وبعد مرور أقل من 10 شهور على عرض الجزء الأول من مسلسل بيت بابا، يناير الماضي، بطولة محمد أنور، انتصار، محمد محمود، مريم الجندي، يُعرض الجزء الثاني، أكتوبر المقبل، والمفارقة أن صناع العمل لن ينتظروا عرض الجزء الثاني، وبدأوا بالفعل في تصوير الجزء الثالث، والمفارقة هنا: هل نحن أمام استثمار ذكي للشخصيات الناجحة؟ أم مرحلة انتقالية إلى منطق السلاسل الذي اكتسح المنصات مؤخراً؟
وبعد سلسلة تأجيلات، استأنف صناع مسلسل إعلام وراثة التصوير، للعرض قبل رمضان، بطولة سهر الصايغ وعمرو عبد الجليل، وربما يكون الاسم الأكثر إثارة، الفنانة يسرا، التي يرجح عرض مسلسلها الجديد “قلب شمس” قبل رمضان، وهي صاحبة الصولات والجولات في دراما رمضان، ها هي الآن اختارت (أو اختيرت)، للعرض على المنصات الرقمية، في ميقات غير مزدحم، كـ رهان على عنصر الهدوء كعامل جذب للجمهور، والأهم، أنه ليس عملاً قائماً على عنصر التشويق، بل دراما اجتماعية إنسانية، فهل تعد مغامرة، أم ضرورة من ضرورات عصر مختلف؟
وربما كان مسلسل القصة الكاملة، هو النموذج المثالي الذي يلخص مستقبل موسم دراما أوف سيزون، حيث لا يشترط على الجمهور الملول أن يسكن في المسلسل شهراً بأكمله كي يفهم الحكاية، بل أصبحت ثلاث حلقات فقط، كافية لخلق عالم كامل من صراع، يدخل مباشرة في “نقطة الذروة”، ويصل سريعاً إلى النهاية، يحاول صناع المسلسل، السيطرة على كافة أشهر موسم “أوف سيزون” ما قبل رمضان، فبعد نجاح كبير للقصة الأولى “لعبة جهنم”، في “3” حلقات عرضت بالكامل في ليلة واحدة، أواخر أغسطس، تتكرر التجربة بعرض حلقات جريمة مختلفة في كل شهر، والمثير للجدل، أن القصة المقبلة، المقرر عرضها أواخر الشهر الجاري، مأخوذة عن “مذبحة بني مزار” التي وقعت في 2005، والأغرب أن الملف ما زال مفتوحاً، ولم يتم (حتى الآن)، القبض على الجاني الذي أزهق، حينذاك، “10” أرواح!
شاهد ايضاً
وذكرت خريطة “أوف سيزون” اسماً لافتاً للانتباه، يحتمل الكثير من “التأويلات”، في كوميديا اجتماعية عنوانها “عُمرة رمضان”، بطولة صبري فواز، رانيا فريد شوقي، ومحسن محيي الدين، أما هنا الزاهد، فأعلن صناع مسلسلها الجديد “بنت وداد”، عرضه على إحدى المنصات خلال الأيام المقبلة، وهو “10” حلقات، بمشاركة محمد علاء وسوسن بدر، وكانت أول بطولة مطلقة لـ”هنا”، في موسم “أوف سيزون 2023″، مسلسل “إقامة جبرية”، وفاجأت المشاهدين، وقتذاك، بتجسيد دور “قاتلة” بدم بارد، أما “القتل الجديد” الذي ينتظر جمهور “أوف سيزون”، في مسلسل “قتل اختياري”، بطولة ركين سعد، وأحمد خالد صالح، ورجح صناع العمل عرضه مطلع العام الجديد، ويتناول صراع زوجين حول “إجهاض جنين مشوه”، مما يطرح “سؤالاً أخلاقياً”، ينبئ بإثارة الجدل، وربما يحتاج “مزيدا من الهدوء” للنقاش، بعيدا عن “صخب رمضان”.
قائمة طويلة من النجوم، اختارت “اللعب في المنطقة الهادئة”، ففي رمضان لا ينافس الفنان مسلسلاً واحداً، بل ينافس خريطة كاملة، كما ينافس الإعلانات، والتريند، واللجان الإلكترونية، والمنصات، والسهر، والمنصات، وانقسام الجمهور بين الشاشات، أما في دراما “أوف سيزون”، فتستطيع حكاية واحدة، أن تجذب انتباه الجميع، في نفس الوقت، دون منافس.
وبنظرة واسعة على الخريطة، يمكن تغيير السؤال الكلاسيكي: هل ينجح موسم أوف سيزون في خطف الجمهور؟، لتصبح دراما رمضان هي المضطرة للدفاع عن جمهورها، لأن هذا الجمهور هو الذي اكتشف في مسلسل “سابع جار” أنه يستطيع انتظار أكثر من “60” حلقة خارج رمضان، وهو الذي اكتشف في “إلا أنا”، و”القصة الكاملة”، أن خمس حلقات، أو حتى ثلاثا، قد تكون أصدق وأقرب من ثلاثين، وعرف مع “سفاح الجيزة”، كيف يصل “التوتر الدرامي” ذروته، وأدرك مع “بالطو”، و”حالة خاصة”، و”كارثة طبيعية”، أن الحكايات القصيرة يمكن أن تكون كاملة وممتعة.
ولعل أكبر تحديات “موسم أوف سيزون” هو ألا يتحول إلى “ظل” أو “نسخة مصغرة” من رمضان، بين الجريمة والانتقام والإثارة، وإلا فقد بريقه، أما إذا حافظ على تنوع وجرأة موضوعاته، ومساحاته الإنسانية، والتكثيف الدرامي، فسوف يتحول من “موسم بديل”، إلى “موسم جماهيري”، ولن يكون “أكبر رابح” هو النجم الذي اختار “أكبر موسم”، ولكنه من كان لديه “حكاية” تستحق أن تُروى، فإذا نجح الأوف سيزون خلال الأشهر المقبلة، ستبرز قاعدة جديدة تقول: “إن الجمهور لم يكن ينتظر دراما رمضان.. ولكنه كان ينتظر الحكاية أياً كان وقتها”.
اقرأ أيضاًمنة شلبي وهنا الزاهد تبدآن تصوير فيلم «سلايف النينجا».. تفاصيل جديدة
قبل عرضها بالعاصمة الإدارية.. صناع «خيال مريض» يشوقون الجمهور
«جوزوني أحمد سعد».. وئام مجدي تثير الجدل برسالة جديدة عبر «فيسبوك»






