قد تتابع تحركات أسعار برميل النفط يوميا، وتتوقع أن تدفع أكثر مقابل الوقود، لكن ما قد يفاجئك أن فاتورتك ربما ترتفع بوتيرة أسرع بكثير.

في سوريا أعادت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات هذا الفارق إلى الواجهة، فمنذ 13 سبتمبر/أيلول الجاري، ارتفع سعر لتر المازوت (الديزل) بنسبة 40%، والبنزين أوكتان 95 بنحو 28.3%، مقارنة بالتسعيرة السابقة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وعند النظر إلى فترة أطول، يتضح أن سعر البنزين أوكتان 95 ارتفع بنحو 86% منذ فبراير/شباط، وتجاوز سعر المازوت ضعف مستواه آنذاك، بينما ارتفع خام برنت بنحو 44%، وهكذا لا يكفي تتبع سعر البرميل لفهم ما يدفعه المستهلك.

ومن جانبها أرجعت وزارة الطاقة القرار إلى نقص المشتقات الجاهزة واضطرابات التكرير والإمداد، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس لإجراء أعمال الصيانة، مما زاد حاجة البلاد إلى الاستيراد.

فما الذي يحدث بين الخام والوقود؟ وكيف تتحول اضطرابات الإنتاج والتكرير والتجارة إلى فاتورة أعلى عند المضخة؟ ولماذا يبرز الديزل بوصفه إحدى أشد حلقات الأزمة؟

عندما تشتري لترا من الوقود فأنت لا تدفع ثمن المادة الخام فقط بل أيضا ثمن التكرير والتوزيع والنقل وتكاليف أخرى (غيتي)

لماذا ارتفع الوقود في سوريا؟

تربط وزارة الطاقة الزيادة بارتفاع تكلفة شراء المشتقات ونقلها، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس لإجراء أعمال صيانة وتأهيل واسعة. وبحسب الوزارة، وصلت المصفاة إلى مرحلة لم يعد استمرار تشغيلها ممكنا من دون مخاطر.

وقال مدير دائرة الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات إن مصفاة حمص تعمل بطاقة تقارب 30 ألف برميل يوميا، بينما تستورد البلاد حاليا نحو 74% من احتياجاتها من المازوت و81% من البنزين، وتوضح هذه النسب حجم ارتباط السوق السورية بتوافر الوقود في الخارج وأسعار شرائه.

وتوجد عقبة أخرى تسبق التكرير وتتعلق بنوع النفط نفسه، فالوزارة تقول إن جزءا من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب بشكل كامل مع قدرات المصافي المتاحة، لذلك قد تصدّر البلاد بعض الخام، وفي الوقت نفسه تستورد الوقود الذي تحتاجه. فامتلاك النفط لا يعني بالضرورة توفر الكمية المطلوبة من البنزين والمازوت، وقد تؤدي أعمال صيانة المصافي إلى خروج جزء من القدرة المحلية من الخدمة حاليا على أمل تحسينها لاحقا.

ما الذي ندفع ثمنه غير النفط؟

عندما تشتري لترا من الوقود، فأنت تدفع ثمن المادة الخام، وتحويلها إلى منتج صالح للاستخدام، ثم نقله وتخزينه وتوزيعه، وقد تضاف ضرائب، أو تتحمل الحكومة جزءا من التكلفة عبر الدعم، لذلك يختلف السعر النهائي باختلاف السوق والسياسة المتبعة فيها.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تكلفة الخام مثّلت نحو 51% من متوسط سعر الديزل الشهري بالتجزئة في الولايات المتحدة في الفترة من 2004 إلى 2025. وهذه نسبة تخص السوق الأمريكية، لكنها توضح لماذا لا يتحرك سعر الوقود دائما بالقدر نفسه الذي يتحرك به النفط.

ولمتابعة العلاقة بينهما، يستخدم المتعاملون ما يسمى “فارق التكرير” بين سعر الوقود وسعر الخام المرجعي. واتساع هذا الفارق يعني أن الوقود أصبح أعلى قيمة مقارنة بمادته الأساسية، لكنه لا يمثل ربحا صافيا، فالمصفاة تتحمل أيضا نفقات الطاقة والتشغيل والصيانة، وتنتج مجموعة من المشتقات تختلف أسعارها.

وفي سوريا، تقول وزارة الطاقة إن التسعير يعتمد على تكلفة تأمين المشتق حتى وصوله إلى السوق، مما يجعل تكلفة الوقود مرتبطة بسعر الشحنة الجاهزة وتكاليف إيصالها، لا بسعر النفط وحده.

أين تتعطل رحلة الوقود؟

قد تتوقف مصفاة لأن معداتها تحتاج إلى إصلاح، كما في الحالة السورية، وقد تكون سليمة، لكن الخام لا يصل إليها. وفي حالة ثالثة، يُنتج الوقود بالفعل ثم يتعثر تصديره أو نقله. والنتيجة في الحالات الثلاث واحدة للمشتري: كميات أقل متاحة للتسليم.

وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم التراجع، ففي أغسطس/آب 2026، عالجت المصافي عالميا نحو 81.4 مليون برميل يوميا، بانخفاض يقارب 4.2 ملايين عن الشهر نفسه من العام السابق، وشمل التراجع الشرق الأوسط وروسيا ودولا آسيوية تستورد الخام.

وفي الشهر نفسه انخفضت صادرات المشتقات وغاز البترول المسال من الخليج بنحو 60% مقارنة بفبراير/شباط، لذلك امتدت المشكلة من تشغيل المصافي إلى قدرة الأسواق الأخرى على الحصول على منتجاتها.

احتجاجات في محافظة إدلب على رفع أسعار المحروقات (رويترز)

وفي تصريحات نقلتها رويترز في سبتمبر/أيلول، حذر مسؤولون (في شركتي فيتول لتجارة الطاقة وفيليبس 66 لتكرير النفط) من ضيق القدرة المتاحة لتعويض النقص، مع تأثر المصافي بالحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الأمريكية الإسرائيلة على إيران. فالمصافي التي تعمل بالفعل قرب حدود طاقتها لا تستطيع زيادة الإنتاج بلا حدود.

ولهذا فإن العثور على مصدر إضافي للخام لا يحل المشكلة وحده، إذ ثمة حاجة إلى مصفاة قادرة على معالجته، وطريق يسمح بوصول الوقود إلى السوق التي تحتاجه.

لماذا يتأثر الديزل أكثر؟

يتجاوز دور الديزل السيارات الخاصة، فهو يشغّل الشاحنات والآلات الزراعية، ويرتبط بوقود التدفئة لتقارب خصائصهما. ومع اشتداد البرد، قد يزداد الطلب على وقود التدفئة في الوقت الذي يستمر فيه احتياج الشاحنات والآلات الزراعية إلى الديزل، مما يزيد الضغط على المعروض ويرفع الأسعار.

وجاءت ضغوط الإمدادات الحالية من مصادر رئيسية للتصدير، فبحسب وكالة الطاقة الدولية، تراجع صافي صادرات الديزل وزيت الغاز من الخليج وروسيا مجتمعين بنحو 1.6 مليون برميل يوميا في أغسطس/آب مقارنة بفبراير/شباط، حين كانا يمثلان قرابة 45% من التجارة البحرية العالمية لهذه المنتجات.

وتجاوزت أسعار الديزل وزيت الغاز بالسوق الأمريكية 200 دولار للبرميل مطلع سبتمبر/أيلول، بارتفاع 94% عن مستويات ما قبل الحرب مع إيران، أي قبل نهاية فبراير/شباط الماضي.

لكن لماذا لا تنتج المصافي مزيدا من الديزل؟ لأن البرميل ينتج مشتقات متعددة، وزيادة نصيب أحدها تعتمد على وحدات المعالجة المتاحة.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة أن تحويل المكونات الثقيلة إلى منتجات أخف يتطلب عمليات إضافية ومعدات متخصصة، فالمصفاة ليست خط إنتاج يمكن تحويله كله إلى منتج واحد بمجرد قرار من إدارتها.

كما أن السحب من المخزون لا يعوض النقص إلى ما لا نهاية. ففي توقعات سبتمبر/أيلول، رجحت الإدارة انخفاض مخزون المقطرات الأمريكية، التي تشمل الديزل ووقود التدفئة، إلى أقل من 100 مليون برميل في الشهر نفسه، وبقاءه دون أدنى مستويات السنوات الخمس السابقة في معظم عام 2027.

من يتحمل الزيادة؟

في سوريا يرتبط هذا السؤال بقدرة الخزانة العامة على تمويل الدعم. فقد بلغت الإيرادات نحو 2.7 مليار دولار في النصف الأول من 2026، مقابل إنفاق بلغ 3.7 مليارات، بعجز يقارب مليار دولار، بحسب بيانات وزارة المالية.

وبلغ الإنفاق على الدعم والضمان الاجتماعي 315 مليون دولار، لكن البيانات المنشورة لا تفصل حصة البنزين والمازوت منه، لذلك لا يمكن اعتبار المبلغ كله دعما للوقود.

أما وزارة الطاقة، فتقول إن رفع الأسعار يعالج الفجوة بين تكلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها، حتى تتوافر الأموال اللازمة للشحنات التالية. ويوضح ذلك المبرر الرسمي للقرار، لكنه لا يقدم تفصيلا يسمح بتحديد حصة كل عامل محلي أو عالمي من الزيادة.

وتختلف طريقة تحمل العبء بين الدول، ففي اليابان لجأت الحكومة إلى 800 مليار ين من الاحتياطيات، أي نحو 5 مليارات دولار، لتمويل دعم يحد من ارتفاع أسعار البنزين.

واختارت المجر مساعدة فئات محددة، إذ أعلنت في 11 سبتمبر/أيلول تعويضا بقيمة 20 ألف فورنت (نحو 64 دولارا) للأسر المؤهلة التي تستخدم سيارات تعمل بالديزل، إلى جانب استرداد ضرائب للمزارعين. وتجنبت فرض سقف لأسعار الوقود خشية نقص الإمدادات.

ويكمن الفرق هنا في موضع دفع التكلفة: عند المضخة أو عبر الموازنة أو بتوزيعها بينهما. وتحذر وكالة الطاقة الدولية من أن الدعم الواسع قد يصبح مكلفا ويصعب إنهاؤه، بينما يركز الدعم الموجه الموارد على الفئات الأشد احتياجا.

كيف يصل الغلاء إلى بقية السلع؟

حتى من لا يشتري الديزل قد يدفع ثمن ارتفاعه، فالمحاصيل والمواد الخام والمنتجات النهائية تحتاج إلى النقل، وارتفاع تكلفة الرحلة يضع الناقل أمام خيارين: تحمل الزيادة من أرباحه، أو مطالبة عملائه بدفع المزيد.

وفي سوريا، نقلت رويترز عن سائق سيارة أجرة اعتراض الركاب على ارتفاع الأجور بعد زيادة أسعار الوقود، وخشيته من امتداد الغلاء إلى سلع أخرى. وتوضح الشهادة الضغط المباشر على التنقل، أما المخاوف بشأن بقية الأسعار فتحتاج إلى بيانات أوسع لقياس تحققها.

وفي الولايات المتحدة، تظهر أرقام شحن الحبوب كيف يتوزع العبء. فقد بلغت رسوم الوقود الإضافية للنقل بالقطارات 48 سنتا لكل ميل تقطعه العربة الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول، بزيادة 153% على أساس سنوي، بحسب بيانات وزارة الزراعة.

وأصبحت تلك الرسوم تمثل 11% من تكلفة نقل الذرة وفول الصويا بالسكك الحديدية، مقابل 5% قبل عام. وقد يتحمل المزارع جزءا من الزيادة عبر انخفاض السعر الذي يحصل عليه مقابل محصوله.

لكن الغلاء لا ينتقل كاملا أو فوريا. ففي رصد أجراه في يونيو/حزيران الماضي، أشار الاتحاد الدولي للنقل الطرقي إلى ارتفاع تكلفة الديزل بنحو 14% في الاتحاد الأوروبي و40% في الولايات المتحدة، مع انتقال نسب أقل إلى أسعار النقل، مما يعني أن جزءا من الصدمة بقي على شركات النقل نفسها.

متى تنخفض الفاتورة؟

تتطلب عودة الإمدادات معالجة المواضع التي تعيق تدفقها. وفي سوريا تربط وزارة الطاقة تحسن الوضع باستعادة قدرات التكرير، وتأهيل الحقول وخطوط النقل وتعزيز التخزين وتنويع مصادر التوريد. فعودة مصفاة مهمة، لكن استقرار إمدادات الوقود يحتاج أيضا إلى خام مناسب وتمويل وشحنات منتظمة.

وعالميا، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تحسن إنتاج الشرق الأوسط مع زيادة التدفقات عبر مضيق هرمز واستخدام طرق بديلة. لكنها تفترض استمرار بعض قيود التصدير حتى نهاية العام، وبقاء الإنتاج دون متوسطات ما قبل النزاع حتى الربع الثاني من 2027، مما يعني أن ارتفاع أسعار الوقود قد يستمر فترة في ظل تهديد الإمدادات.

وخلال فترة الانتظار، يمكن تخفيف الإنفاق بتقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، إلى جانب تقديم مساعدة مؤقتة للأكثر تضررا، بوصفها وسائل لتخفيف الفواتير من دون انتظار انخفاض الأسعار.

وحين تنخفض تكلفة شراء الوقود ونقله، سيواجه التسعير اختبارا جديدا. ففي سوريا، تقول وزارة الطاقة إن الأسعار تراجع صعودا وهبوطا تبعا للتكلفة. ومع بدء تراجعها، سينتقل سؤال المستهلك من أسباب الزيادة إلى موعد انخفاض سعر شرائه، بعدما أصبح توفير الوقود أقل تكلفة.