مبنى البنك المركزي المصري في القاهرة، 4 مارس 2024 (أمير مكار/ فرانس برس)
تسارعت تداعيات رفع الفائدة الأميركية في السوق المصري، عبر ارتفاع فوري لسعر الدولار إلى ما فوق مستوى 52 جنيهاً في ختام تعاملات الأسبوع، مسجلاً 52.14 جنيهاً للشراء و52.28 جنيهاً للبيع في البنك المركزي، وفقاً لأسعار التعاملات المعلنة أمس الخميس.
بينما تترقب الأسواق قرار المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة خلال اجتماعاته الأسبوع المقبل، خصوصاً إذا استمرت الضغوط على الجنيه، إذ يصبح الحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالعملة المحلية عاملاً أكثر أهمية في مواجهة ارتفاع الطلب على الدولار. وكان سعر الدولار أقل من 50 جنيهاً خلال يونيو الماضي، في وقت تتزايد فيه حساسية سوق الصرف لتحركات أسعار الفائدة العالمية وتدفقات استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية.
وتوقع وكيل اتحاد الصناعات المصرية ونائب رئيس المركز المصري للدراسات الاقتصادية، طارق توفيق، أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وزيادة الطلب العالمي على الدولار إلى زيادة الضغوط على الجنيه خلال الفترة المقبلة، بما قد يدفع البنك المركزي المصري إلى إعادة النظر في أسعار الفائدة المحلية.
وشرح في تصريح لـ”العربي الجديد” أن رفع الفائدة على الجنيه قد يصبح إحدى الأدوات المتاحة أمام البنك المركزي لمواجهة الضغوط الناتجة عن ارتفاع الطلب على الدولار والحفاظ على مرونة سعر الصرف، خصوصاً إذا استمرت الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة أو اتجهت إلى مزيد من الارتفاع. ويحافظ البنك المركزي المصري حالياً على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% وسعر الإقراض عند 20%، وفقاً لأحدث بياناته، بينما يبلغ سعر العملية الرئيسية 19.5%.
بحسب توفيق يعني اتساع الفارق بين أسعار الفائدة في مصر والولايات المتحدة أن الأصول المصرية لا تزال تتمتع بفارق عائد كبير، لكن استمرار جاذبيتها للمستثمر الأجنبي لا يعتمد على الفائدة وحدها، وإنما يتوقف أيضاً على توقعاته لسعر الجنيه وقدرته على تحويل العائد الذي يحصل عليه بالجنيه إلى دولار عند الخروج من السوق. ويزيد ارتفاع الدولار من هذه المخاطر بالنسبة للمستثمر الأجنبي، فكلما انخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار، تآكل جزء من العائد المحقق على أدوات الدين المصرية عند تحويله مرة أخرى إلى العملة الأميركية، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى مقابل تحمل مخاطر العملة.
وقال خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس إن رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة يزيد من الضغوط على مصر عبر الدولار وتدفقات الأموال الساخنة وتكلفة الاقتراض الخارجي، في وقت تواجه فيه القاهرة احتياجات كبيرة لتمويل الموازنة وسداد أقساط وفوائد الديون، ما يجعل الحصول على تمويل دولي منخفض التكلفة أكثر صعوبة.
وذكر في تصريح لـ”العربي الجديد” أن رفع الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75% – 4%، في أول زيادة منذ يوليو 2023، هي خطوة تعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استثماراتهم في الأسواق الناشئة.
ورأى وائل النحاس، خبير التمويل والاستثمار، أن رفع الفائدة الأميركية لا يلزم البنك المركزي المصري تلقائياً برفع الفائدة المحلية، لكنه يزيد الضغط على الجنيه من خلال زيادة جاذبية الدولار وإمكانية تباطؤ تدفقات المحافظ الأجنبية إلى أدوات الدين المصرية.
شاهد ايضاً
وقال إن ارتفاع العائد على الأصول الأميركية يرفع تكلفة الفرصة البديلة أمام المستثمر الأجنبي الذي يضع أمواله في أذون وسندات مصرية، ما قد يدفعه إلى طلب علاوة مخاطر أعلى، أو تقليص استثماراته إذا رأى أن العائد الإضافي الذي يحصل عليه في مصر لم يعد كافياً لتعويض مخاطر سعر الصرف؛ ويزيد ذلك صعوبة خفض أسعار الفائدة المصرية بوتيرة سريعة، إذ يحتاج البنك المركزي إلى الحفاظ على فارق عائد مناسب بين الجنيه والدولار للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية. ويرفع ذلك في الوقت نفسه تكلفة التمويل الخارجي لمصر؛ لأن ارتفاع العوائد الأميركية يزيد من تكلفة الاقتراض في الأسواق الدولية ويزيد العائد الذي قد يطلبه المستثمرون عند شراء السندات المصرية الجديدة، حتى إذا لم تتغير أسعار الفائدة على الديون القائمة ذات السعر الثابت.
ونوه النحاس إلى أن أهمية هذه التطورات تبرز مع ارتفاع احتياجات مصر من خدمة الدين الخارجي، إذ تشير تقديرات البنك المركزي إلى وصول المستحقات الخارجية خلال عام 2026 إلى نحو 29.18 مليار دولار، تشمل نحو 23.79 مليار دولار أقساط أصل الدين و5.4 مليارات دولار فوائد وأعباء خدمة الدين.
وفقاً للنحاس، يضيف تراجع الجنيه أمام الدولار ضغطاً آخر على المالية العامة، لأن ارتفاع قيمة الدولار بالجنيه يرفع التكلفة المحلية للأقساط والفوائد المقومة بالعملة الأميركية، حتى إذا ظلت قيمة الدين بالدولار دون تغيير، بينما تحتاج الحكومة في الوقت نفسه إلى مواصلة الوصول إلى أسواق الدين الدولية لتمويل احتياجاتها، إذ وافق مجلس الوزراء في سبتمبر على خطة لوزارة المالية لإصدار نحو 3 مليارات دولار من السندات الدولية خلال السنة المالية 2026/2027، ضمن خطة لتنويع مصادر وأدوات وعملات التمويل وتقليل مخاطر إعادة التمويل.
وتزداد أهمية هذه الإصدارات في ظل استمرار احتياجات الموازنة التمويلية، إذ تستهدف الحكومة استخدام أدوات الدين الدولية ضمن مزيج من السندات التقليدية والمبتكرة وسندات الباندا المضمونة، على أن يتحدد توقيت وحجم الطروحات وفقاً لطلب المستثمرين وظروف الأسواق العالمية.
يؤكد اقتصاديون أن القاهرة تواجه بذلك معادلة صعبة؛ فرفع الفائدة الأميركية قد يدفعها إلى الإبقاء على عائد مرتفع بالجنيه للحفاظ على جاذبية أدوات الدين ودعم العملة، لكن استمرار الفائدة المحلية المرتفعة يَعني في المقابل ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي المحلي وصعوبة خفض فاتورة خدمة الدين بسرعة. وتزداد حساسية هذه المعادلة مع صعوبة الحصول على تمويل خارجي رخيص في بيئة ترتفع فيها تكلفة الاقتراض العالمية، خصوصاً أن مصر لا تحتاج فقط إلى تمويل العجز، وإنما إلى تدبير موارد دولارية لسداد الاستحقاقات الخارجية وإعادة تمويل جزء من الديون القائمة.
ويعني ذلك أن رفع الفيدرالي الأميركي للفائدة لا يمثل صدمة مباشرة لديون مصر القائمة، لكنه يجعل عملية إعادة تمويل الدين الجديد أكثر تكلفة، ويضغط على الجنيه، ويزيد أهمية الحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي. ويظل ارتفاع التحويلات عاملاً داعماً، فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستوى قياسياً بلغ 47.3 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6%، وفقاً للبنك المركزي.
كما ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 56.29 مليار دولار بنهاية يوليو، بعد 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو، لكن استمرار قوة هذه المصادر -بحسب اقتصاديون- لا يلغي أثر ارتفاع تكلفة التمويل العالمي، إذ تحتاج مصر إلى الجمع بين زيادة مواردها الدولارية المستدامة، والحفاظ على ثقة المستثمرين في أدوات الدين، وإدارة استحقاقات الدين المرتفعة، في وقت أصبحت فيه الأموال العالمية أكثر حساسية للفائدة الأميركية ومخاطر الأسواق الناشئة، وتختفي فيه فرص الحصول على القروض الرخيصة.







