تؤكد قراءة الصحافة الصينية للتطورات الدولية أن بكين لا تستطيع عزل اقتصادها تماما عن الصدمات الجيوسياسية، لكنها تملك أدوات تؤخر انتقال آثارها وتحدّ من شدتها، مثل احتياطيات الطاقة، وإدارة سعر الصرف، والفائض التجاري، وقوة الصادرات.
غير أن هذه المناعة تبقى محدودة إذا تزامنت الضغوط الخارجية المتمثلة في اضطراب إمدادات النفط وطرق العبور في مضيق هرمز، وارتفاع التضخم الأمريكي الذي قد يدفع الاحتياطي الفدرالي إلى التشدد، واتساع فجوة العائد بين الدولار واليوان.
قصص مقترحة
list of 4 itemsend of list
من هرمز إلى المصنع
تضع صحيفة “ذا بيبر” الصينية الصراع الأمريكي الإيراني في إطار اقتصادي يتجاوز الإنفاق العسكري المباشر.
ووفقا لما نقلته عن مكتب الموازنة في الكونغرس الأمريكي، بلغت كلفة العمليات الدفاعية الأمريكية المباشرة نحو 38 مليار دولار حتى مطلع أغسطس/آب، لكن العبء الأكبر انتقل إلى أسواق الطاقة والملاحة والتضخم.
فاضطراب المرور في مضيق هرمز، إلى جانب حوادث أمنية مرتبطة بخطوط النفط والبحر الأحمر، ساهم في ارتفاع الخام الأمريكي إلى 105.83 دولارات للبرميل وخام برنت إلى 108.75 دولارات في 15 سبتمبر/أيلول.
تطورات منطقة الخليج رفعت أسعار النفط والطاقة عالميا مضيفة مصدرا خارجيا مهما للتضخم في الولايات المتحدة (غيتي)
وبالنسبة للصين، تبدأ المشكلة قبل وصول النفط إلى المصافي، فارتفاع سعر البرميل يرفع فاتورة الواردات، بينما تزيد المخاطر الجيوسياسية كلفة التأمين البحري والشحن والتمويل التجاري.
وعندما تضطر الناقلات إلى تغيير مساراتها أو الانتظار مدة أطول، تتراجع كفاءة سلسلة الإمداد، ويتجمد رأس المال في بضائع وطاقة لا تصل في وقتها. وتتحمل الشركات هذه الأعباء أولا، لكنها سرعان ما تنتقل إلى المصانع عبر الوقود والكهرباء والمواد الأولية.
فالديزل الأغلى يرفع كلفة نقل الحاويات والمواد الخام والسلع، كما تضغط الطاقة المرتفعة على صناعات الصلب والأسمنت والكيماويات والبلاستيك والزجاج والمنسوجات والإلكترونيات، وإذا لم تستطع الشركات تعويض هذه التكلفة من هوامشها، قد ترفع الأسعار أو تخفض الإنتاج والاستثمار أو تؤجل التوظيف.
من الشركات إلى الأسر
تشير “ذا بيبر” إلى أن صدمة النفط لا تنتقل إلى المستهلك الصيني بالسرعة نفسها في كل القطاعات.
فالمنافسة الشديدة وضعف الطلب المحلي قد يدفعان المنتجين والتجار إلى تحمّل جزء من التكلفة بدلا من تمريرها فورا إلى الأسعار، كما يمكن لتنظيم أسعار بعض منتجات الطاقة محليا، ووجود مخزونات إستراتيجية، أن يحدا من القفزة المباشرة في أسعار الوقود.
لكن هذه العوامل لا تلغي الأثر تماما، بل تؤجله وتعيد توزيعه زمنيا، فقد يظهر الضغط أولا في تضخم أسعار المنتجين وانكماش أرباح الشركات، قبل أن ينتقل تدريجيا إلى أسعار الشحن وتذاكر السفر والمنتجات الغذائية المنقولة لمسافات طويلة والسلع الصناعية والاستهلاكية.
لذلك، لا تقتصر “فاتورة الحرب” بالنسبة للأسرة على البنزين، بل تشمل التنقل وتوصيل السلع والغذاء والسفر والتدفئة أو استهلاك الكهرباء بصورة غير مباشرة.
شاو يو:
الصين من الاقتصادات القليلة التي تتحرك دورتها الاقتصادية بعكس دورة الدولار فبينما تحارب واشنطن تضخما مرتفعا تسعى بكين إلى معالجة ضعف الطلب
الفدرالي وهامش بكين
يشكّل النفط المرتفع قناة ضغط أكثر تعقيدا عبر الولايات المتحدة، فكلما غذّت أسعار الطاقة التضخم الأمريكي، زادت حاجة الاحتياطي الفدرالي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة أو زيادتها.
ووفق صحيفة غلوبال تايمز، رفع الفدرالي الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75-4%، في أول زيادة منذ أكثر من 3 أعوام، بعدما بقي التضخم الأمريكي فوق المستوى المستهدف.
ونقلت الصحيفة عن شي جون يانغ، الأستاذ في جامعة شنغهاي للمالية والاقتصاد، أن تطورات منطقة الخليج رفعت أسعار النفط والطاقة عالميا، مضيفة مصدرا خارجيا مهما للتضخم في الولايات المتحدة.
الصادرات القوية تمنح الصين دعما مهما لأنها توفر تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية وتخفف الطلب على الدولار (غيتي)
شاهد ايضاً
ويرى الخبير الاقتصادي أن استمرار التضخم فوق هدف 2% قد يتطلب تشددا إضافيا. وهكذا لا يضغط الصراع الدائر على الصين عبر النفط وحده، بل عبر السياسة النقدية الأمريكية أيضا.
في المقابل، تواجه الصين ضعفا في الطلب الداخلي والاستهلاك والاستثمار، مما يجعلها بحاجة إلى سيولة أوفر وكلفة ائتمان أقل. لكنّ ارتفاع عوائد الأصول المقومة بالدولار يوسّع الفارق بينها وبين العوائد الصينية ويزيد جاذبية الأصول الأمريكية.
لذلك، فإن قرار بنك الشعب الصيني بخفض الفائدة بسرعة أو بقوة، قد يعرّض اليوان لمزيد من الضغط وتزداد الحوافز لتحويل الأموال نحو الدولار.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الصين قد فقدت استقلالها النقدي. فقد نقلت غلوبال تايمز عن يانغ ده لونغ، كبير الاقتصاديين في شركة “فيرست سي فرونت فاند”، قوله إن الظروف الداخلية تظل العامل الرئيسي في السياسة النقدية الصينية، وأنه من المرجّح أن يحافظ البنك المركزي على الفائدة المنخفضة والسيولة الكافية دعما للنمو بدلا من تقليد الفدرالي.
أسعار الطاقة المرتفعة تضغط على صناعات الصلب والأسمنت والكيماويات والبلاستيك والزجاج والمنسوجات والإلكترونيات (رويترز)
وتدعم صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست هذا التقدير بحذر، فقد نقلت عن شاو يو، كبير الاقتصاديين في مركز الابتكار العلمي والتقني بجامعة فودان، قوله إن رفع الفدرالي لم يضيّق بصورة كبيرة مجال التيسير النقدي في الصين، وإن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي والفائدة يظل ممكنا خلال العام.
ويرى شاو أن الصين من الاقتصادات القليلة التي تتحرك دورتها الاقتصادية بعكس دورة الدولار، فبينما تحارب واشنطن تضخما مرتفعا، تسعى بكين إلى معالجة ضعف الطلب.
اليوان واحتياطيات الطاقة
يبقى هذا الاستقلال النقدي مشروطا بقدرة الصين على إدارة سعر الصرف، وكبح توقعات انخفاض اليوان، والحفاظ على تدفقات خارجية كافية من التجارة والاستثمار.
فارتفاع الفائدة الأمريكية لا يفرض تلقائيا هبوط اليوان، لكنه يزيد جاذبية الدولار ويختبر ثقة الأسواق في الأصول الصينية. وكلما اتسعت فجوة العائد، أصبح قرار خفض الفائدة في بكين أكثر حساسية.
ومع ذلك، نقلت ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن لين سونغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى في بنك “آي إن جي” ، قوله إنه بالنظر إلى قوة اليوان هذا العام، فمن غير المرجح أن يكون رفع الفائدة الأمريكية عاملا رئيسيا في قرار بنك الشعب الصيني بشأن أسعار الفائدة.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن اتساع الفارق في العوائد لم يحل دون ارتفاع قيمة اليوان حتى الآن، وقد يصبح عاملا يستحق المراقبة بشكل متزايد في المرحلة المقبلة.
قدرة البنك المركزي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف تقلل احتمال حدوث صدمة حادة لليوان (غيتي)
المناعة في إدارة التكلفة
وتمنح الصادرات القوية الصين دعما مهما لأنها توفر تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية وتخفف الطلب على الدولار.
وقد أشار شي جوِن يانغ لصحيفة غلوبال تايمز إلى أن احتياطيات الطاقة، والتضخم المحلي المنخفض نسبيا، ومرونة الصادرات، وقدرة البنك المركزي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف، تقلل احتمال حدوث صدمة حادة لليوان.
لكن احتياطيات الطاقة وحدها ليست حلا كاملا، فهي تمنح بكين وقتا وتحد من الحاجة إلى الشراء الفوري عند ذروة الأسعار، لكنها لا تجعل النفط أرخص ولا تضمن سلامة الممرات البحرية. فإذا طال اضطراب الإمدادات، ترتفع فاتورة الواردات وتتراجع أرباح الصناعات كثيفة الطاقة، ومع استمرار التشدد الأمريكي تقوى جاذبية الدولار.
لذلك، ترجّح أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في بنك الاستثمار الفرنسي “ناتيكسيس”، وفق ساوث تشاينا مورنينغ بوست، أن تعتمد بكين دعما ماليا محليا موجها، مثل إصدار سندات خاصة وتمويل البنية التحتية والشبكات ومراكز البيانات، بدلا من تيسير نقدي واسع في ظل فارق الفائدة مع الولايات المتحدة.
وتخلص القراءة المقارنة لتقارير الصحافة الصينية أن مناعة الصين ليست قدرة على منع الصدمة، بل على إدارتها وتأخير آثارها.
فتعطل هرمز يرفع أسعار النفط والشحن، والنفط يرفع تكلفة الإنتاج والنقل، والتضخم الأمريكي يدفع الفدرالي إلى التشدد، فيما يضيّق التشدد هامش التيسير النقدي الصيني عبر الضغط على اليوان وتدفقات رأس المال.
بالمقابل، تستطيع بكين التخفيف عبر احتياطيات الطاقة والصادرات وإدارة سعر الصرف والسياسة النقدية والمالية، لكن فاعلية هذه الأدوات تتراجع كلما طال اضطراب سوق الطاقة وارتفعت تكلفة الشحن واستمر التشدد الأمريكي.







