لا تزال أصداء الفشل الذي خلّفه هجوم السابع من
أكتوبر 2023، تتردد بين الأوساط الإسرائيلية والصحف والمواقع العبرية، التي تناولت
مؤخرا نظرية “الخيانة من الداخل”، ودورها في مساعدة حركة حماس على تنفيذ
الهجوم، أو عرقلة عمل الجيش لمنعه.
وذكر الكاتب الإسرائيلي يوري تال تينا أن
“القصة بدأت كخطاب هامشي على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتشرت وتضخمت عبر
متحدثين حكوميين ووسائل إعلام مؤيدة لها، وساهم سياسيون من الائتلاف الحاكم،
ونشطاء من اليمين المتطرف على الشبكات التلفزيونية، ومذيعون في القناة 14، وبشكل
ضمني، زوجة رئيس الوزراء سارة نتنياهو، في ترسيخ نظرية المؤامرة العامة حول الخيانة
من الداخل”.
وأضاف تينا في مقال نشره موقع “زمان إسرائيل”،
وترجمته “عربي21” أن “نظرية الخيانة من الداخل تمثلت باتهامات
كاذبة ومغرضة ضد عناصر محددة في المعارضة، بهدف صرف الأنظار عن الكارثة، وإبعاد
مسؤولية الفشل عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو”.
وأشار إلى أن “هذه النظرية وُلدت على خلفية حجم
الفشل والفجوة بين قوة هجوم حماس، وغياب الرد الإسرائيلي في الساعات الأولى، وفي
غضون ساعات قليلة، بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي مزاعم بأن الأمر لم يكن
مجرد فشل استخباراتي وعملياتي، بل إن مسؤولين إسرائيليين تعمدوا مساعدة حماس، أو
السماح لها بتنفيذ الهجوم”.
وأوضح أنه “من بين أولى هذه المزاعم، تصريحاتٌ
عن وجود “خائن” أو “جاسوس” في أعلى هرم الجيش الإسرائيلي أو
جهاز الأمن العام (الشاباك)، وأنه من المستحيل أن يفشل النظام بأكمله دون تورطٍ
مُتعمّد من الداخل، وانتقلت الشائعات من مجموعات واتساب إلى شبكة X وقنوات تيليغرام، ومن هناك تسربت
لوسائل الإعلام الرسمية، واستندت هذه النظرية لافتراض أن نجاح حماس الكبير لا يمكن
أن يكون نتيجةً للفشل وحده”.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أنه “وفقا لروايات مختلفة، تعمّد سلاح الجو
تجنب إيقاف الهجوم، وساعدت عناصر داخل الجيش أو المؤسسة الأمنية، حماس، أو أن
مسؤولين كبارا كانوا على علمٍ مُسبق بالهجوم، واختاروا عدم منعه، وتبين في النهاية
أنها مجرد أفكارٍ تخمينية لا تستند لأي معلوماتٍ موثوقة أو حتى معلوماتٍ مجزأة،
هذا لا يعني أن حماس لم تستعن بجواسيس إسرائيليين؛ لكن منذ بدء انتشار نظرية
المؤامرة وحتى اليوم، لم يُنشر أو يُعثر على أي معلومات تدعمها”.
التواطؤ من الداخل
وأوضح أن “هذه النظرية توسعت بسرعة، وبدلا من
الادعاء الضيق بأن أحدهم خان، ظهر ادعاء أوسع بالتواطؤ بين كبار المسؤولين، وفي
الوقت نفسه، بدأت نسخة سياسية من المؤامرة بالانتشار، وبحسب ما انتشر على الإنترنت
ووسائل الإعلام الرسمية المؤيدة للحكومة، يُفترض أن كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية
والقضاء والاحتجاجات والمعارضة كانوا “مشاركين في مؤامرة تهدف لإحداث الكارثة،
واستغلالها ضد نتنياهو”.
وأكد أنه “لا يوجد أي دليل يدعم هذه المؤامرة،
فقد اختُلقت ونُشرت وفقًا للاحتياجات السياسية لمن نشروها، وتماشيًا مع الأخبار
المتداولة، ولم تقتصر على منشورات مجهولة المصدر على الإنترنت، ففي 16 نوفمبر
2023، بعد خمسة أسابيع من الهجوم، طُرح على القناة 14 ادعاء بوجود “خونة من
الداخل” كـ”تفسير” لكيفية تنفيذ الهجوم”.
وأشار إلى أنه “في البث نفسه، زعمت سمادار
شمويلي، الناشطة السياسية، أنه ليس من قبيل الصدفة وجود ملصقات منذ مارس تُشير
لكارثة وشيكة على غرار يوم الغفران، وعندما يحين ذلك اليوم، سيُضطرون لتفسير كيف
علموا بالأمر، وهناك كم هائل من الأدلة التي تراكمت، وكأنها روّجت لمؤامرة تتعلق
بالناشطين المحتجين على الانقلاب القانوني، وكأنهم “كانوا على علم بالهجوم
المتوقع، دون توفر دليل يدعم هذا الاتهام”.
وأكد أنه “منذ ذلك الحين، تكررت مصطلحات
المؤامرة مرارا وتكرارا، أحيانا تظهر على شكل سؤال، وأحيانا كتلميح، وأحيانا كجزء
من مؤامرة أوسع نطاقا حول عناصر داخل المؤسسة الأمنية، أو القضاء، أو الإعلام، أو
النظام السياسي الذين يُزعم أنهم تصرفوا ضد الدولة”.
وأضاف أن “مجرد طرح أسئلة حول أحداث السابع من
أكتوبر ليس مؤامرة، فمن المشروع التساؤل عما إذا كانت هناك أدلة تدعم تفسيراً
معيناً، لكن ثمة فرق بين طرح احتمال للدراسة وبين تكرار طرحه بطريقة توحي بأنه ذو
أساس متين، كما أن هناك فرقاً شاسعاً بين طرح تساؤلات عامة حول احتمال مساعدة
إسرائيليين لحماس وبين توجيه اتهامات لا أساس لها ضد أفراد محددين يخدمون غرضاً
سياسياً”.
ولفت إلى أن “هذا الخطاب يعتمد على آلية
مألوفة، فليس ضروريا التصريح صراحةً بصحة المؤامرة، بل يكفي “طرح
الأسئلة”، فإذا تكررت الأسئلة نفسها مراراً وتكراراً: من كان يعلم، من أخفى،
من منع، من استفاد، من كان متورطاً، يتولد لدى المشاهد تدريجياً شعور بأنه إذا
كثرت الأسئلة، فلا بد من وجود إجابة مخفية وراءها”.
وأوضح أنه “مع مرور الوقت تحولت الاحتمالية
النظرية التي لا أساس لها لوجود بعض الخونة، والمؤامرات الخبيثة ضد أفراد في
النظام الأمني والقضائي والسياسي والاحتجاجات، إلى قصة بدت منطقية، رغم انعدام
دليل يثبتها”.
وأضاف أنه “في الأيام الأولى التي أعقبت
الهجوم، أُضيفت أسماء أشخاص وعوامل محددة إلى مؤامرة “الخيانة من
الداخل”، مع أن أياً منهم لم يكن متورطاً أو مشتبهاً به أو متهماً بأي خيانة،
ولا يوجد أي دليل ضدهم، لذا فإن هذه الاتهامات ملفقة تماماً وغير صحيحة وكاذبة”.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أنه “في سبتمبر 2024، بثّت القناة 14
اتهاما من اللواء المتقاعد بيريتز راتزون ضد اللواء احتياط يسرائيل زيف كان على
علم بالهجوم بين الساعة الرابعة والرابعة والنصف صباحا، مستندا لمقطع فيديو مُحرّف
اقتطع كلام زيف من سياقه، وفي اليوم التالي، بُثّ اعتذار على البرنامج، وبهذه
الطريقة، منحت القناة منصةً لمروّجي نظرية الخيانة من الداخل، مستخدمةً معلوماتٍ
كاذبة أصبحت “دليلًا” على المؤامرة”.
شاهد ايضاً
جنرالات متهمون
وأكد أن “ذات القناة 14 بثت أكاذيب ضد نائب
رئيس الأركان السابق، ورئيس الحزب الديمقراطي، يائير غولان، الذي تطوّع يوم
الهجوم، وأنقذ أشخاصا من حفلة “نوفا”، وادعى عضو الكنيست نسيم فاتوري،
من حزب الليكود، أنه لن يتفاجأ إذا خان غولان في السابع من أكتوبر”، وفي عدة
برامج على القناة، زُعم أن “غولان لم ينقذ أي شخص على الإطلاق”، مع أن
كلا الادعاءين يتناقضان مع الوثائق التي تثبت أن غولان وصل مواقع المسلحين، وأنقذ
الإسرائيليين من الهجوم، وبالتالي فهما ادعاءان كاذبان”.
وأوضح أن “زوجة رئيس الوزراء، سارة نتنياهو،
رددت ضمنيًا الاتهام ضد غولان، لأنه كان يرتدي ملابسه، ومستعدًا في وقت مبكر جدًا
من صباح السابع من أكتوبر، لأنه “علم بالهجوم بينما لم يكن رئيس الوزراء على
علم به بعد”، وبذلك، لمحت أنه “تلقى معلومات مسبقًا”، دون أن تصرح
بذلك صراحةً، ما دفعه لوصف كلامه بكذب شنيع، ورفع دعوى تشهير ضدها، مطالبًا
بتعويضات قدرها 2.55 مليون شيكل، كما انضمت قيادة المعارضة بأكملها للهجوم عليها”.
وبين أنه “بعد نشر المعلومات التي تراكمت في
المؤسسة العسكرية بشأن مؤشرات تُنذر بهجوم مفاجئ محتمل من حماس، وردت ليلة السابع
من أكتوبر، انتشرت نظريات مؤامرة على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات إعلامية
موالية، تزعم أن قادة المؤسسة العسكرية تعمّدوا عدم إيقاظ نتنياهو تلك الليلة بهدف
الإيقاع به”.
وأكد أنه “في حزيران/ يونيو 2025، نشر موقع
القناة 14 مقالًا للبروفيسور موشيه كوهين بعنوان “التستر وخيانة جهاز الأمن
العام”، صحيح أنه لم يذكر وجود “دليل على الخيانة”، بل عرض قائمة
طويلة من “الأسئلة”، وخلط كثيرا من الحقائق، واختلق رواية تفوح منها
رائحة هذه “الخيانة”.
التسلسل الزمني
وأشار إلى أنه “هكذا تعمل دعاية المؤامرة، ففي
غياب أساس واقعي، لا يستطيع المروج تأكيد الادعاء مباشرة، لأنه سيُقاضى حينها، لكن
بإمكانه طرح السؤال وتركه مفتوحًا، وبالتالي، تعزز هذه المعلومات الاعتقاد بوجود
أساس لتلك المؤامرة، وينفي التسلسل الزمني المعروف تمامًا الادعاء بأن قادة الجيش
والمخابرات أخفوا المعلومات عن نتنياهو، بل على العكس، فقد تم تمرير المعلومات
لعناصر في مكتبه ومجلس الأمن القومي خلال الليل”.
وأضاف أنه “عندما بدأت تتراكم المؤشرات التي
تدل على احتمال نية حماس شن غارة على الأراضي الإسرائيلية، قام كبار مسؤولي الجيش
والمخابرات بتمرير المعلومات لمكتب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء آنذاك، اللواء
آفي جيل، ومجلس الأمن القومي، وبعد الساعة الثانية صباحًا بقليل، أطلع رئيس أركان
قسم الأبحاث في مديرية الاستخبارات العسكرية ضابط المخابرات في مكتب رئيس الوزراء،
العقيد “س”، على المؤشرات المتوفرة في ذلك الوقت، وأكد الضابط في مكتب
رئيس الوزراء استلامه المعلومات”.
وأشار إلى أنه “في الساعة 2:57 صباحًا، تم
تمرير الجزء الأكبر من المعلومات لمجلس الأمن القومي، وفي الرابعة صباحًا، تم
إرسال معلومات محدّثة إضافية إلى العقيد “س”، ضابط المخابرات في مكتب
نتنياهو، وفي الساعة السادسة وتسع عشرة دقيقة، اتصل رئيس مكتب الشاباك مباشرةً
باللواء آفي جيل، وأطلعه على آخر المستجدات، ورفع رئيس الأركان تقاريره مباشرةً
إلى نتنياهو، كما عمل سكرتيره العسكري تحت إشرافه في جميع الأمور المتعلقة بمنصبه
في مكتبه”.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه “تم نقل المعلومات بهدف إيصالها
للمقربين من رئيس الوزراء، خلافًا للادعاء بأن كبار ضباط الجيش تعمّدوا إخفاءها،
ويعتمد قرار إيقاظه على طبيعة علاقته بسكرتيره العسكري، وعلى التعليمات الصادرة من
نتنياهو نفسه، وعليه، فإن التسلسل الزمني الموثق لا يدعم الادعاء بأن قادة الجيش
والمخابرات تعمّدوا إخفاء المعلومات عنه في تلك الليلة، وهذا ادعاء كاذب ومُشين”.
وأكد أن “مسؤولين كبارًا في الجيش والشاباك،
بجانب شخصيات بارزة في الدول العربية، حذروا نتنياهو مرارًا وتكرارًا في الأشهر
التي سبقت الهجوم من أن حماس في غزة تعتزم شن هجوم كبير، بل إن مسؤولين كبارًا
فيها وجهوا تهديدات صريحة بالهجوم، لكن نتنياهو تجاهلها، وبحسب رواية الخيانة من
الداخل التي يروج لها اليمين، فإن احتجاج النشطاء على معارضة الحكومة لم يقتصر قبل
وبعد الهجوم، بل كانوا متورطين أيضاً في أنشطة أضرت بأمن الدولة”.
وأوضح أن “جميع التحقيقات التي أُجريت بعد
الهجوم أشارت إلى خلل بنيوي عميق، وليس دليلا على تواطؤ بين المسؤولين
الإسرائيليين وحماس التي تبيّن أنها استثمرت على مر السنين في جمع معلومات عن
الجيش، وتمكنت من معرفة تفاصيل كثيرة حول المواقع الأمامية، والتدابير الدفاعية،
والكاميرات، وفرق الإنذار، وانتشار القوات، وتُقدّم هذه الحقائق تفسيرًا حقيقيًا
لجزء من قدرتها على تنفيذ الهجوم، دون الحاجة لافتراض تعاون مسؤولين إسرائيليين
معها”.
تحقيقات حرجة
وأضاف أن “تحقيقات الجيش والاختبارات العديدة
التي أجراها مع مئات الضباط كشفت عن إخفاقات خطيرة، استمر بعضها لسنوات، بما فيها
سوء فهم لحماس، وإخفاقات في جمع المعلومات الاستخباراتية، وتقييمها، وعدم كفاية
الاستعداد العملياتي، والفشل في الاستجابة خلال الساعات الأولى، لذلك، لم يتلقَّ
الادعاء بأن مسؤولين إسرائيليين “خانوا من الداخل”، أو تعاونوا مع حماس
أي تأكيد واقعي، ولم يُعثر على أي دليل يدعم نظرية الخيانة من الداخل”.
واستدرك إن “كل هذا لا يعني بالضرورة أن حماس
لم تستخدم جواسيس إسرائيليين، بل أنه لم يُعثر على أي دليل على ذلك، لا بشكل عام،
وبالتأكيد ليس ضد أفراد محددين نُسجت ضدهم مؤامرات بهذا الشأن، كما تم رصد العديد
من الإخفاقات الجسيمة في أنظمة الدولة، ولن يُجرى تحقيق معمق في هذا الإخفاق إلا
بعد تشكيل لجنة تحقيق حكومية”.
وأكد أن “المشكلة ليست في مجرد طرح الأسئلة، بل
على العكس، فبعد أكبر كارثة في تاريخ الدولة، بات ضروريا طرح أسئلة صعبة، وتبدأ
المشكلة عندما يتحول السؤال إلى فرضية أساسية، وتتحول هذه الفرضية إلى تفسير شامل،
فبدلاً من السؤال عن سبب عدم استعداد الجيش بالشكل الكافي، يُسأل “من أراد
عدم استعداد الجيش”، وبدلاً من دراسة سبب خطأ المعلومات الاستخباراتية، يُبحث
عمن ضمن أن تستخدم المعلومات الاستخباراتية خطأً”.
وأشار إلى أنه “بدلاً من دراسة مسؤولية صناع
القرار، يُبحث عن “خونة”، وإذا كان الهجوم نتيجة خلل بنيوي، فإن النقاش
يدور حول مسؤولية صناع القرار وكفاءة المؤسسات، أما إذا تم تقديمه بأنه نتيجة
مؤامرة داخلية، فإن محور الاهتمام يتحول من سؤال “من فشل” إلى سؤال
“من خان”، وهذا ليس مجرد فرق لفظي، بل يُغير توزيع المسؤولية”.
وختم بالقول إنه “بدلا من أن يركز الرأي العام
على أسباب تراكم الانطباع على مر السنين بأن حماس تم ردعها، ولماذا لم يتم نشر
قوات كافية على الحدود، ولماذا لم يتم الاستجابة للتحذيرات، ولماذا انهار النظام
برمته في صباح أحد الأيام، فإنه قد يركز على البحث عن أعداء داخليين، وهكذا، يصبح
الخلل البنيوي قصة تخريب، وقد تصبح مسؤولية الفشل منوطة بـ”الآخرين”.






