لم تعد الحضانة بالنسبة للأسرة مجرد مكان يترك فيه الأبوان طفلهما لساعات، وإنما أصبحت واحدة من أهم القرارات التى تسبق دخول الطفل المدرسة، وعبئًا جديدًا على ميزانية الأسرة، بعدما وصلت مصروفات بعض الحضانات فى مناطق مختلفة إلى 25 ألف جنيه وأكثر.
فى المقابل، تتنافس الحضانات على جذب أولياء الأمور بما تقدمه من خدمات مميزة مثل «حديقة، منطقة ألعاب واسعة، كاميرات مراقبة تتيح المتابعة «أونلاين»، وجبات، أنشطة، مدرسين مؤهلين وأحيانًا أجانب»، لتتحول رحلة البحث عن حضانة إلى مقارنة بين قائمة طويلة من الخدمات والأسعار.
لكن خلف هذه الصورة يبقى السؤال الأهم: هل ارتفاع المصروفات وتعدد الخدمات المعلنة يعنى بالضرورة أن الطفل يحصل على الرعاية التى يستحقها؟
فى الوقت الذى تتزايد فيه شكاوى أولياء الأمور والعاملين بالحضانات من كثافة الفصول، مشكلات النظافة، تكرار إصابة الأطفال بالأمراض، وأحيانًا أساليب التعامل القاسية أو التخويف، بدأت الدولة خطوات لتنظيم هذا القطاع؛ ووقعت وزارتا التضامن الاجتماعى والتربية والتعليم فى 17 يونيو 2026 بروتوكول تعاون لتنظيم ترخيص وتشغيل قاعات حضانة الأطفال دون سن رياض الأطفال داخل المدارس الخاصة والدولية، مع توحيد ضوابط الترخيص والمتابعة وإنشاء قواعد بيانات للحضانات.
ومن هنا تفتح «الأخبار» موضوع الحضانات.. ماذا يجنى ولى الأمر مقابل دفعه آلاف الجنيهات؟ ومن يراقب جودة ما يحصل عليه الطفل؟ وهل كل حضانة تستقبل طفلًا فى مصر تعمل وفق معايير واضحة ومعلنة للأمان والرعاية؟
فى جولة لـ«الأخبار» لتفقد حضانات أكثر من منطقة؛ عبر عدد من أولياء الأمور والعاملين السابقين بالحضانات عن مخاوفهم بشأن مستوى الرعاية المقدمة للأطفال، وقالت إحدى الأمهات إنها جربت أكثر من حضانة، لكنها لم تجد المستوى المطلوب من النظافة والرعاية، موضحة أن طفلها، الذى يبلغ عامًا وشهرًا، يتعرض بصورة متكررة للمرض.
وتساءلت سعاد. ك؛ إحدى العاملات بالحضانات عن مدى ملاءمة وجود 25 طفلًا تتراوح أعمارهم بين عامين وثلاثة أعوام داخل فصل تشرف عليه مدرستان فقط، مؤكدة أن هذا العدد يمثل ضغطًا كبيرًا على العاملات، خاصة مع احتياج الأطفال فى هذه السن إلى متابعة مستمرة.
وأشارت نور – مدرسة بإحدى الحضانات- إلى أن تكرار إصابة الأطفال بالأمراض لا يرتبط دائمًا بنظافة الحضانة وحدها، موضحة أن بعض الحضانات تمنع دخول الطفل المريض وتعزله عند ظهور الأعراض، بينما قد يتسبب حضور الأطفال المرضى بناءً على إصرار ذويهم فى انتقال العدوى، خاصة أن الأطفال يتلامسون ويضعون أيديهم فى أفواههم باستمرار.
وأوضحت «أميرة.م» مديرة إحدى الحضانات بالتجمع، أن المصروفات تتحدد وفقًا لموقع الحضانة وتكاليف التشغيل، إلى جانب الخدمات المقدمة، مثل الوجبات والأنشطة والمساحات الخارجية والكاميرات، مشيرة إلى أن زيادة الخدمات والتجهيزات ترفع التكلفة، وأضافت أن كثافة الفصول تحدد وفقًا لأعمار الأطفال ومساحة الفصل، مع توفير عدد مناسب من المعلمات والمشرفات؛ وفى حال مرض الطفل، يتم إبعاده مؤقتًا والتواصل مع أسرته لاستلامه، بينما تخضع العاملات للتقييم والتوجيه بشأن أساليب التعامل مع الأطفال، مع التشديد على الاحتواء وتجنب الصراخ والتخويف.
شاهد ايضاً
وأكدت أن النظافة والتعقيم تتم وفق جداول يومية تشمل الألعاب ودورات المياه والمطبخ، مع الالتزام باشتراطات الجهات المختصة، وشددت على أن ارتفاع المصروفات لا يعنى بالضرورة ارتفاع مستوى الرعاية أو ضمان الأمان؛ فالمعيار الأساسى هو أمان الطفل، كفاءة العاملين، وانخفاض الكثافة.
وأكدت استشارى التربية والأخصائية النفسية نرمين جمال؛ أن اختيار الحضانة ليس قرارًا بسيطًا؛ فالطفل يقضى داخلها ساعات طويلة فى مرحلة تتشكل فيها شخصيته وشعوره بالأمان، وبينما تنشغل بعض الأسر بشكل المبنى، أو شهرة الحضانة، أو قيمة الاشتراك، تبقى طريقة التعامل مع الطفل هى المعيار الأهم، وأشارت إلى أنه من المهم زيارة الحضانة ومراقبة التفاصيل اليومية وطريقة المُعلمات مع الأطفال.
ومن الضرورى معرفة عدد الأطفال الذين تشرف عليهم كل مُعلمة؛ لأن العدد كلمت كبر كلما كان التعامل مع الاولاد أصعب.
وتابعت أن الشفافية والوضوح لا غنى عنهم؛ وأن الحضانة المطمئنة لا تتهرب من أسئلة الأسرة، وتوضح سياستها فى التعامل مع بكاء الأطفال، رفض الطعام، والإصابات؛ وترسل تقريرًا يوميًا بما مر به الطفل.
وأشارت جمال إلى أنه من الطبيعى أن يبكى الطفل فى الأيام الأولى بسبب قلق الانفصال؛ الأفضل أن يبدأ الحضور تدريجيًا، وأن يتعرف الطفل إلى المكان والمُعلمة برفقة أحد والديه قبل بداية الانتظام، كما يجب أن يكون الوداع قصيرًا وواضحًا، من دون اختفاء مفاجئ أو وعود غير حقيقية.
وحذرت من الصراخ والتخويف والسخرية وإهانة الطفل، لما قد تسببه من قلق أو عدوان أو انسحاب، مؤكدة أن الحزم يختلف عن العنف؛ فالمطلوب قواعد واضحة وتعامل هادئ يناسب عمر الطفل.







