قال صندوق النقد الدولى إن الاقتصاد المصرى أظهر قدرة أكبر على امتصاص تداعيات التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، بفضل سرعة استجابة للضغوط، وتحسن الاحتياطيات والهوامش الاقتصادية، إلى جانب مرونة سعر الصرف، محذرًا فى الوقت نفسه من أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب تسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية ودعم نمو يقوده القطاع الخاص.
وأوضح الصندوق، فى أحدث تقاريره بعنوان «الصمود تحت الضغط: الاقتصاد المصرى يخالف التوقعات»، أن مصر دخلت موجة التوترات الإقليمية الأخيرة فى وضع اقتصادى أقوى مقارنة بفترات سابقة تعرضت خلالها لصدمات خارجية، بدعم من الإصلاحات المنفذة ضمن البرنامج المدعوم من صندوق النقد الدولى.
وأشار إلى أن الإصلاحات ساهمت فى دعم معدلات النمو ووضع التضخم على مسار هبوطى، إلى جانب تعزيز الاحتياطيات الدولية وتحسين صافى مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.
وأكد الصندوق أن هذه الهوامش، إلى جانب سرعة تحرك السلطات، ساعدت الاقتصاد المصرى على استيعاب واحدة من أكبر الصدمات التى شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، وذلك وفقًا لما ورد فى المراجعة السابعة ضمن اتفاق تسهيل الصندوق الممدد والمراجعة الثانية ضمن برنامج الصمود والاستدامة.
ولفت إلى أن الحكومة المصرية تحركت سريعًا لمواجهة الضغوط الخارجية، حيث لعبت مرونة سعر الصرف دورًا رئيسيًا فى امتصاص الصدمة، بالتزامن مع تعديل أسعار الطاقة عقب ارتفاع أسعار النفط عالميًا، واحتواء الإنفاق، وتوسيع نطاق الدعم الموجه، بما ساهم فى الحفاظ على قدر من الانضباط فى السياسات الاقتصادية.
وتعرضت الأسواق المالية لضغوط حادة خلال بداية الأزمة، ولكن عادت تدفقات المحافظ الاستثمارية إلى السوق المحلية، مع انحسار حدة الضغوط، وارتفعت حيازات غير المقيمين مجددًا إلى مستويات تقترب من المسجلة قبل اندلاع الصراع، بينما استعاد الجنيه جزءًا كبيرًا من خسائره الأولية.
ورغم حدة الصدمة التى تعرضت لها الأسواق المالية، لم تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد الحقيقى بصورة أدت إلى تراجع واسع فى النشاط الاقتصادى، بحسب الصندوق، الذى أشار إلى استمرار النمو عند مستويات قوية، مسجلًا 5% خلال الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026.
وأظهر قطاع السياحة قدرة ملحوظة على الصمود خلال فترة التوترات، فى الوقت الذى سجلت فيه تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية.
كما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجى بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية، وفقًا للتقرير.
ولفت أن الحكومة استطاعت احتواء الضغوط المالية من خلال زيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق، فى حين ارتفع التضخم متأثرًا بانخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، إلا أن الزيادة جاءت أقل حدة من التوقعات.
وأدى ذلك إلى تأجيل الموعد المتوقع لعودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة بنحو عام، فى الوقت الذى حافظت فيه الاحتياطيات الدولية على مستويات مريحة تتجاوز الحدود الكافية، رغم موجة خروج رؤوس الأموال التى شهدتها بداية الأزمة وهو ما يعكس أهمية مرونة سعر الصرف فى امتصاص الضغوط الخارجية، ويمثل اختلافًا جوهريًا عن أزمات سابقة.
شاهد ايضاً
وساهم انحسار الضغوط على الأسواق فى تحسن ثقة المستثمرين، مع تراجع فروق العائد على أدوات الدين السيادية إلى مستويات أدنى من المسجلة قبل الحرب، بالتزامن مع عودة مصر بنجاح إلى أسواق المال الدولية.
وشهد شهر مايو طرح سندات اجتماعية «يورو بوند» بقيمة مليار دولار، تجاوزت طلبات الاكتتاب عليها قيمة الطرح بنحو خمسة أمثال، أعقبها إصدار سندات «ساموراى» بقيمة 500 مليون دولار فى يونيو.
وبحلول أغسطس، تراجع هامش المخاطر السيادية لمصر إلى أدنى مستوى منذ عام 2014، بما عكس تحسنًا فى نظرة المستثمرين إلى قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية.
ورغم التحسن فى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، أشار صندوق النقد إلى استمرار ارتفاع بصمة الدولة فى النشاط الاقتصادى، وهو ما يزيد تعرض الاقتصاد لتغيرات أوضاع التمويل العالمية والصدمات الخارجية المتجددة.
وأكد الصندوق أن البناء على المكاسب المحققة خلال الفترة الأخيرة يتطلب الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلى، من خلال استمرار مرونة سعر الصرف، وتبنى سياسة نقدية تتناسب مع الضغوط التضخمية، والحفاظ على الانضباط المالى، بالتوازى مع تسريع الإصلاحات لمعالجة مواطن الضعف المتبقية.
وأشار التقرير إلى أن خفض الدين العام والاحتياجات التمويلية المرتفعة يمثل أحد المحاور الرئيسية لتعزيز استدامة المالية العامة، وهو ما يتطلب تطوير إدارة الدين، والتحول تدريجيًا نحو تمويل أطول أجل قائم على آليات السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعميق سوق الدين المحلية.
وأوضح أن هذه الإجراءات من شأنها تقليل مخاطر إعادة التمويل وتعزيز استدامة الدين العام.
كما أكد أهمية تسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، إلى جانب تعزيز حوكمة الشركات المملوكة للدولة ورفع مستويات المنافسة، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لنمو يقوده القطاع الخاص.
وتشير التطورات الأخيرة، بحسب التقرير، إلى تحسن قدرة الاقتصاد المصرى على امتصاص الصدمات مقارنة بفترات سابقة، إلا أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية بوتيرة أسرع، بما يدعم خفض المخاطر المالية وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسى للنمو خلال السنوات المقبلة.







