قد لا يشير التحرك في أسعار العقارات حالياً إلى أنها تتراجع بقوة، أو أنها على وشك أزمة عقارية تهوي بأسعار البيوت، وعلى رغم التذبذب في أسعار العقارات في الأعوام ما بعد أزمة وباء كورونا فإن المنحى السائد هو أن السوق العقارية في دول الاقتصادات المتقدمة يظل مرناً وقادراً على تجاوز الصدمات.

لكن كثيراً من المسلمات التقليدية في عالم المال والأعمال لم تعد كذلك في الأعوام الأخيرة، مع اضطراب دورات الصعود والهبوط في مختلف القطاعات، لذا، قد تشهد سوق العقارات اضطراباً مختلفاً في الفترة المقبلة، بحسب ما خلص تحليل لمجلة “إيكونيميست” في عددها الأخير. يفصل تقرير المجلة أن العوامل التي دعمت أسعار البيوت في الموجة السابقة من ارتفاع أسعار الفائدة لم تعد موجودة، لذا يمكن ألا تتحمل أسعار العقارات الموجة الجديدة من ارتفاع أسعار الفائدة، أو حتى الإبقاء عليها عند مستوياتها الحالية.

ولعل التحليل يأتي بعد رفع “الاحتياط الفيدرالي” (البنك المركزي الأميركي) سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بربع نقطة مئوية (0.25 في المئة) للمرة الأولى منذ عام 2023.

إذا كانت غالبية المحللين والمعلقين تركز في تأثير ارتفاع العائد على السندات بالنسبة إلى الوضع المالي للحكومات من حيث زيادة خدمة الدين واتساع فجوة العجز وغير ذلك، فإن لذلك تأثيراً مباشراً في سوق قروض الرهن العقاري التي في الغالب تكون مدعومة بسندات أيضاً.

التشديد الائتماني

تقتفي غالبية قروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة أثر العائد على سندات الخزانة المتوسطة الأجل لمدة 10 أعوام القياسية في سوق السندات، الذي يصل الآن إلى نسبة خمسة في المئة هي الأعلى في غضون 20 عاماً. كذلك تتبع الفائدة على قروض الرهن العقاري في ألمانيا معدل العائد على السندات، وهكذا هي الحال في الاقتصادات المتقدمة كلها.

لذا، في حال استمرار أسعار الفائدة مرتفعة أو ارتفاعها أكثر، وارتفاع العائد على السندات ستشهد أسعار العقارات فترة طويلة من التراجع، على رغم أن السوق العقارية وأسعار العقارات صمدتا أمام الموجة السابقة من رفع أسعار الفائدة التي بدأت عام 2022 واستمرت إلى عام 2023.

حين ارتفعت كلفة الاقتراض مع بداية زيادة أسعار الفائدة عام 2022 لم يتأثر قطاع العقار العالمي كثيراً بتلك الموجة، بل إنه في حال مراجعتها استناداً إلى معدل التضخم لم تنخفض أسعار البيوت عن أعلى مستوى وصلت إليه سوى بنسبة أربعة في المئة. صحيح أن بعض الأسواق شهدت تدهوراً واضحاً مثل نيوزيلندا إذ انخفضت أسعار البيوت بعد أزمة وباء كورونا بنسبة 25 في المئة، إلا أن كثيراً من الدول الأخرى شهدت رواجاً عقارياً واضحاً، فعلى سبيل المثال تعد أسعار العقارات في أستراليا حالياً أعلى من ذروتها قبل وباء كورونا، وفي بعض أحياء سان فرانسيسكو الفخمة ارتفعت أسعار البيوت العام الماضي بنسبة 20 في المئة.

بل إن بعض الأسواق العقارية أصبحت مربحة جداً للملاك وبعيدة عن منال المشترين، فمن اشترى عقاراً في البرتغال في وقت أزمة الديون الأوروبية عام 2013 أصبح عقاره يساوي الآن أكثر من 200 في المئة من قيمة شرائه.

ومع أنه يصعب توقع مسار أسعار الفائدة والعائد على السندات مستقبلاً، فإن المستثمرين بدأوا بالفعل يقلقون من وضع القطاع العقاري، ففي الولايات المتحدة تراجعت أسهم الشركات المرتبطة بالقطاع، مثل شركات البناء، منذ يونيو (حزيران) إلى الآن بنسبة 16 في المئة عن الأداء العام للسوق. ويتوقع بنك “يو بي أس” الاستثماري أن شركات البناء في بريطانيا ستعاني العام المقبل انخفاض الربحية إلى أدنى مستوى لها منذ الأزمة المالية العالمية في 2007 – 2009.

غياب عوامل دعم القطاع

المشكلة حالياً أن هناك ثلاثة عوامل كانت تدعم القطاع العقاري في موجة رفع أسعار الفائدة السابقة قبل أربعة أعوام لكنها غابت الآن، هي وضع الرهن العقاري ومالية الأسر وتوفر المعروض من البيوت.

بالنسبة إلى قروض الرهن العقاري، فقبل صدمة الائتمان السابقة كانت الأسر في وضع مالي جيد خلال أزمة وباء كورونا وإغلاق الاقتصاد لمنع انتشار العدوى. في تلك الفترة مثلاً أعاد كثير من الأميركيين تمويل قروضهم العقارية بنسبة حسم ثابتة عند ثلاثة في المئة لمدة 30 عاماً. وفي أستراليا سارعت الأسر للحصول على قروض رهن عقاري بفائدة ثابتة دعمتها الحكومة وقتها خلال أزمة كورونا. أما في بريطانيا فبحلول عام 2022 كان قدر ضئيل من الأسر لديه قروض رهن عقارية بفائدة حسم ثابتة.

أما الآن، فإن من لديهم قروض رهن عقاري أكثر عرضة للأخطار، فبعد أزمة وباء كورونا لجأت الأسر إلى قروض بفائدة متغيرة على أمل أن أسعار الفائدة ستنخفض أكثر.

وانخفضت نسبة من لديهم قروض رهن عقاري بفائدة حسم ثابتة في أميركا من 40 في المئة عام 2022 إلى نسبة خمسة في المئة فقط حالياً، وفي كندا تضاعفت نسبة القروض العقارية بفائدة متغيرة عما كانت عليه عام 2020.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا إضافة إلى أن من يحصلون على قروض رهن عقاري بفائدة مخفضة ثابتة انخفضت مدة الحسم، ففي بريطانيا أصبحت مدة الفائدة الثابتة المخفضة على قرض الرهن العقاري في المتوسط عند 2.4 عام مقارنة بمتوسط 2.7 عام من قبل.

العامل الثاني الذي دعم القطاع العقاري في صدمة أسعار الفائدة السابقة عامي 2022 و2023 هو توفر الأموال لدى الأسر، فنتيجة الدعم الحكومي خلال أزمة وباء كورونا وعدم وجود منافذ إنفاق مع إغلاق الاقتصاد ادخرت الأسر في الدول الغنية ما يصل إلى 5 تريليونات دولار، أو نسبة 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول وقتها، مع مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة بعد ذلك، سحبت الأسر من مدخراتها تلك.

أما الآن فإن غالبية تلك المدخرات أنفقت، وحسب دراسة حديثة “للاحتياط الفيدرالي” بسان فرانسيسكو أنفق الأميركيون تريليوني دولار من تلك المدخرات بحلول عام 2024، وفي الاتحاد الأوروبي انخفضت ودائع الأسر إلى نسبة 67 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بعدما كانت عند نسبة 77 في المئة.

معادلة العرض والطلب

دائماً ما كانت أسعار العقارات ترتفع بسبب نقص المعروض من الوحدات مقابل الطلب المرتفع على شراء العقار، وجاءت صدمة أسعار الفائدة السابقة في 2022 بعد فترة طويلة من بطء وتيرة البناء، ولم يكن أمام الأجيال الجديدة التي تريد الانتقال من الإيجار إلى تملك السكن إلا أن تدفع أكثر بسبب نقص المعروض.

ومع ارتفاع معدلات الفائدة في الأعوام الأخيرة زادت وتيرة بناء المساكن في معظم بلدان الاقتصادات المتقدمة التي يتناولها تحليل “إيكونيميست” عما كانت عليه قبل 10 أعوام، وكذلك توجهت الحكومات نحو تخفيف قيود البناء والتخطيط المحلي.

هكذا، أضافت الولايات المتحدة خلال الخمسة أعوام الأخيرة ما يصل إلى 7.3 مليون وحدة سكنية، مقارنة مع 6.1 مليون وحدة في الخمسة أعوام السابقة على تلك الفترة. وفي أوكلاند، أكبر مدن نيوزيلندا، دفع السياسيون نحو الموافقة على 16 ألف تصريح بناء العام الماضي.

أصبحت معادلة العرض والطلب إذاً غير داعمة لارتفاع الأسعار مع زيادة وحدات المساكن المعروضة مما يعطي المشترين خيارات للتفضيل في الأسعار. ومع ارتفاع المعروض تنخفض الأسعار بالفعل، إضافة إلى الضغط على الطلب نتيجة تشديد الائتمان، بمعنى زيادة كلفة القروض العقارية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والعائد على السندات.