انتهى شهر رمضان، وأصبح من حقّ المشاهد تقييم ما حدث، فقبل شهر أو أكثر، وجد نفسه محاطًا بإعلانات تشويقية لمجموعة من المسلسلات، حيث بدأت الفضائيات بالترويج لأعمالها، كأنها تجار في السوق يستعرضون سلعهم. يعلنون بأن هذا المسلسل سيكون الحدث الأهم، وسيتفوق على باقي الأعمال، وفي البداية نميل إلى تصديقهم، إذ تتحدث حماستهم إلى قلوبنا، كما أنهم يستخدمون تقنية متقدمة، تُظهر مشاهد منتقاة من العمل، حيث يتواجد ممثلون من السوشيال ميديا، ومجموعة قليلة من خريجي المسرح، بينما يتقلص ظهور ممثلين من الأجيال السابقة. وهذا التسويق يرفع مستوى حماسة المتفرج، الذي لا يملك سوى الانتظار، وفي مرحلة الارتفاع بمستوى الإثارة عندما تبدأ حلقات المسلسلات، فإن المتفرج بعد الحلقة العاشرة قد يجد نفسه قد انتقل إلى فضائيات أجنبية، لتجاوز الصدمة التي سببتها الأعمال المحلية، عازفًا على البحث عن أعمال أكثر نضجًا، فطالما تُعتبر الإعلانات الترويجية الأعمال المثيرة والوحدات الأكثر تشويقًا، ولكنها بدورها سرعان ما تتكرر، والسبب ليس نقصًا في المخرجين أو الممثلين، بل في الحلقة الأهم: السيناريو. منذ سنوات، تتشابه بدايات المسلسلات الجزائرية، حيث تنطلق من النهاية ثم تعود للبداية، وعادة ما يتضمن المشهد الافتتاحي صدمة، سواء عبر جريمة قتل، أو سرقة، أو فراق بين شخصين، ثم تتوالى الأحداث، لكن التنفيذ بهذا الشكل يواجه صعوبات، إذ يجد المتفرج نفسه غارقًا في أحداث متوترة، دون أن يتمكن من الربط بينها أو فهم المقصد من تلك الأحداث، وليس الفشل ناتجًا عن أدائهم، بل بسبب عدم قدرة السيناريو على الانتقال من الفكرة إلى نص مكتوب، حيث نجد الكثير من المسلسلات لا تمتلك نصًا واضحًا، بل تعتمد على حرية التلقّي من الممثلين لتحقيق الفكرة، مما ينتج دراما مليئة بالأفكار لكن بدون معاني حقيقية، حيث تكتظ المشاهد بأحداث ولكن بدون مضمون.
أين هم كتّاب السيناريو؟
من هم كتّاب السيناريو في الدراما الجزائرية؟ هم فئة تظهر في رمضان ثم تختفي بقية العام، إذ لا نسمع لهم صوتًا في عالم الكتابة، ولا يوجد من بينهم من أطلق كتابًا، أو شارك في نقاش أدبي. الجزائر تعد من البلدان التي لم يظهر فيها كاتب سيناريو معروف في المجال الدرامي، إذ هي أسماء غامضة غالبًا، تظهر على الشاشة ولكنها لا تحظى بوجود في الواقع، مما يوحي بأنها قد تكون أسماء مستعارة. ومع ذلك، من المهم دعمهم، على أمل أن يتداركوا أخطاءهم في المستقبل، لأنهم معرضون للانقراض في ضوء ظاهرة جديدة، حيث نجد في السنوات الأخيرة أن المخرج غالبًا هو نفسه كاتب السيناريو، مما ينطوي على احتكار للإنتاج والإخراج والكتابة في شخصية واحدة، دون أي حرج، ليزعم أن فكرة المسلسل من ابتكاره. يؤكد دائمًا أن الفكرة تنوب عن السيناريو، لذلك لا يسأل عن النص أو “سكريبت”، لأنه ليس من اهتمامه، المهم أن الفكرة موجودة وملقى على عاتق الممثلين ما ينفذونه. لذا، يتم تنفيذ السيناريوهات عندما تجري الفكرة للمخرج أو المنتج، دون أن يدخل النص في المعادلة، وكثيرًا ما تنتهي هذه المسلسلات بنهايات سعيدة، كأنها رسوم متحركة مخصصة للمراهقين. المخرج لا يتحرج من تلقي انتقادات عن الممثلين، لكنه يعتبر انتقاد السيناريو غير مقبول بحجة أن “الفكرة جيدة”، كما يؤكد باستمرار. إن العشوائية السائدة في إنتاج الدراما الجزائرية تُفقد الحوار بين الشخصيات جوهره، لذا لا نتفاجأ عندما نجد شخصيتين تتحدثان في نفس المشهد ولكن كل منهما تتحدث في عالم منفصل، إذ يعتمد الممثلون كثيرًا على الارتجال بدلًا من نص مكتوب. ولإخفاء تلك الثغرات، تستمر الفضائيات في محاولة إبهار المشاهدين بمشاهد تصوير مذهلة، عبر كاميرات طائرات مسيرة أو مشاهد خارجية، على أمل أن ينسى المشاهد ضعف السيناريو وركاكة الحوارات.
شاهد ايضاً
كاتب من الجزائر








