قبل عامين، تابع ملايين المصريين بحالة من التوتر والقلق مسلسل يُبرز معاناة امرأة تحمل اسم حنان عبد الحميد/منى زكي، وهي تكافح من أجل حماية طفليها من جشع أسرة زوجها الراحل، وتواجه صعوبة في نقلهم من مدرسة إلى أخرى، أو التصرف في الميراث، بسبب القيود القانونية المفروضة. هذا العمل ألهم نقاشات واسعة حول قوانين الولاية والحضانة، ودعا إلى ضرورة تعديلها لتعزيز حقوق الأم في إدارة شؤون أطفالها عند وفاة الأب أو غيابه.

قضايا الأم بعد الطلاق في الدراما المصرية

خلال السنوات العشر الأخيرة، ظهرت العديد من المسلسلات التي تصوّر معاناة الأمهات بعد الطلاق، إذ تتناول بشكل كامل أو ضمن خطوط درامية رئيسية، قصص الأمهات اللاتي يُواجهن طلاقًا من أزواج متسلطين يستخدمون الأبناء للضغط عليهن، أو المهملين لأبنائهم لأسباب مادية أو شخصية، وسط قيام الأم بدور مزدوج. وتُسلط هذه المسلسلات الضوء على تحديات الأم في تلبية احتياجات أبنائها، في ظل قوانين الحضانة التي تقيد حقوقها، وتُبرز كيف يمكن أن تتعرض للأعطال القانونية أو التدخلات التي تحول دون استقرار حياة الأطفال.

دراما رمضان 2026 تُبرز وجهًا جديدًا من المعاناة الأسرية

وفي ظاهرة غير معتادة، شهد موسم رمضان 2026، ظهور ثلاثة مسلسلات دفعة واحدة: “كان ياما كان”، “المتر سمير”، و”أب ولكن”، والتي تتناول جانبًا مختلفًا من القضية، يوضح معاناة الأب الذي يحرم من حق رؤية أبنائه بعد الطلاق، وزوجة متعنتة تلعب على القانون، وتهتم أكثر بالمصالح المالية على حساب سعادة الأطفال وسلامتهم. ويعبر هذا التوجه عن نضج درامي يعكس حالات اجتماعية واقعية قد ترتبط بمشاكل حقيقية في المجتمع المصري، ويُؤكد على تضرر الأطفال من الصراعات بين الوالدين، خاصة حين تُستغل القوانين لخدمة مواقف فردية.

موقف كتابة المسلسلات النسائي من قضية حقوق الأب في المشهد الفني

وعلى الرغم من أن مواسم الدراما السابقة كانت تركز غالبًا على معاناة المرأة، إلا أن الدراما الرمضانية لعام 2026، شهدت حضورًا قويًا للجانب الأبوي أيضًا، خاصة أن مسلسلين مهمين هما “كان ياما كان” و”أب ولكن”، من تأليف نساء، وهما “شيرين دياب” و”ياسمين كامل” على التوالي، مع سيناريو وحوار “ماريان هاني”، مما يشير إلى أن قضية حقوق الأب ليست قضية مناهضة للنساء أو ضدهن، ولكنها موضوع يتطلب إعادة نظر وتوازن بين الحقوق والواجبات، ويُعكس تنامي الوعي المجتمعي بأهمية مشاركة الأب في حياة أبنائه.

إشكالات قوانين الحضانة والولاية في مصر

القوانين المصرية الحالية لا تضمن للأب حضورًا فعالًا في حياة أبنائه بعد الطلاق، حيث تُحتَفظ بالحضانة للأم حتى سن الخامسة عشرة، مع حق الولاية التعليمية، وتُقيد حقوق الأب في الرؤية بشكل كبير، حيث يُسمح له فقط برؤية أبنائه لمدة ثلاث ساعات أسبوعيًا في أماكن عامة، مع وجود ثغرات ومعوقات عديدة تضعف من دوره في حياة الأطفال، وتُساهم في تحويل علاقته بهم إلى علاقة سطحية أو شكلية، خاصة مع صغر سن الأطفال وعدم قدرتهم على الحفاظ على الروابط طويلة الأمد مع شخص لا يراونه إلا على فترات متباعدة.

التمييز بين حقوق الأب والأم في قوانين الحضانة المصرية

جانب القانونالشرح
مكانة الأبيحتل المركز السادس عشر في جدول ترتيب الحضانة، بعد أقارب من نوعية الخالات وبنات الأخت غير الشقيقة، وهو وضع فريد يتسم بالتفرد في الدول العربية والإسلامية، حيث تعطي عدة بلدان، كالخليج والمغرب، للأب صلاحيات أكبر في الولاية، فضلاً عن نظام الحضانة المشتركة في الإمارات.
حقوق الأب بعد الطلاقيُحاصر في دور الزائر، بدون دور فعال في التربية أو اتخاذ القرارات، مع احتمال تلاشي علاقته مع الأطفال مع مرور الوقت، خاصة إذا لم تكن هناك بنية قانونية تشجعه على المشاركة الفعالة، وتؤدي هذه الحالة إلى ضعف الروابط الأسرية وإضعاف العلاقة بين الأب والأبناء.

الآثار الاجتماعية والنفسية لغياب الأب عن حياة الأطفال

غياب الأب أو ضعفه في المشاركة في حياة أبنائه، لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد ليؤثر على نفسية الأطفال، إذ تشير دراسات عالمية عدة، بما في ذلك أكثر من 50 دراسة من جامعات مرموقة، إلى أن حضور الأب الإيجابي يقلل من معدلات الاكتئاب والسلوك العدواني، ويعزز الأداء الدراسي. وعكس ذلك، فإن الغياب أو الإقصاء يفاقم من المشاكل النفسية والاجتماعية للأبناء، ويؤدي إلى اضطرابات عميقة في شخصيتهم ومستقبلهم.

ضرورة إعادة التفكير في دور المجتمع والثقافة

ليست المشكلة فقط في نصوص القانون، بل تتعداها لتشمل البنية الثقافية التي، غالبًا، تجعل من الطلاق بداية لحروب طويلة بين الزوجين، يُستَخدم فيها الأبناء كأدوات للانتقام أو وسيلة ضغط، وهو أمر يهدد مصلحة الأطفال، ويُشوه صورة الأسرة، ويُعرقل قدرتهم على التكيف مع الواقع الجديد. لذلك، من الضروري التركيز على دعم وتوجيهِ المجتمع ليصبح أكثر وعيًا بأهمية الحفاظ على استقرار الأطفال، وإبعادهم عن صراعات الكبار.

مستقبل قوانين الأحوال الشخصية في مصر

الجدل المستمر في وسائل الإعلام يعود ليذكّر بأن تطوير قوانين الأحوال الشخصية يجب أن يكون مبنيًا على مبدأ التوازن، ويبتعد عن لغة الاتهام والتجريح، لأن محاولة إقصاء أحد الوالدين من حياة الأطفال لا تولد إلا فراغًا نفسيًا وعاطفيًا، ويجب أن تتجه السياسات نحو تعزيز دور كل من الوالدين بشكل متوازن، بما يخدم مصالح الطفل الفضلى. ومن الأهمية بمكان أن تعكس الدراما واقع المجتمع، وتُزيد من الوعي الجماهيري حول حقوق الطرفين، وتحفز على إصلاح منظومة قوانين الحضانة والرؤية، بما يتوافق مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

وفي النهاية، تبرز الدراما هذا العام، بتصويرها لوجهات نظر مختلفة، أن المجتمع بدأ يعيد التفكير في شكل العلاقة بين الوالدين بعد الطلاق، مع التركيز على حماية حقوق الأطفال، وعدم جعلهم ضحايا لصراعات الكبار، وهو نقاش ضروري لإنهاء دوامة الصراعات، وتعزيز استقرار الأسرة المصرية.