غالبًا ما تتحرك الأسواق المالية عكس التوقعات البديهية عقب الصدمات الجيوسياسية الكبرى، حيث يسرع المستثمرون لجمع السيولة النقدية أولاً قبل تقييم الموقف، وهو ما يخلق فرصًا استثمارية لمن يفهم هذه الآلية.
خلال الأيام الأربعة التالية للضربات الأولى على إيران، انخفضت أسعار الذهب بنحو 4%، كما تراجعت أسهم كبرى شركات الدفاع الأوروبية، وذلك على عكس المنطق السائد الذي يرى في الذهب ملاذًا آمنًا وفي قطاع الدفاع مستفيدًا رئيسيًا من التصعيد.
يكمن التفسير في ظاهرة “التموضع المكتظ” أو الصفقات المفرطة في بعض الأصول، فعند وقوع حدث مفاجئ، يلجأ مديرو الصناديق إلى عمليات بيع آلية وسريعة لتقليل المخاطر وضمان السيولة، حيث يقومون بتخفيض نسبة ثابتة من محافظهم الاستثمارية دون انتقائية، مما يؤدي إلى بيع الأصول الأكثر ارتفاعًا بشكل أكبر.
عندما يتكرر هذا السلوك على نطاق السوق بأكمله، فإنه يفسر سبب انهيار الأصول التي يُفترض نظريًا أنها ستستفيد من الأزمة.
الذهب وقطاع الدفاع: أوضح أمثلة التكدس
شكل الذهب النموذج الأبرز خلال الأسابيع الماضية، حيث شهد تدفقًا قياسيًا للأموال إلى المنتجات المتداولة المرتبطة به، فقد استقبلت صناديق السلع المتداولة ما يقارب 100 مليار دولار عام 2025، ذهب 83 مليار منها إلى منتجات الذهب، كما سجل الشهر الماضي أكبر تدفق شهري منذ سبتمبر.
كان الذهب يتداول أعلى بنحو 30% من متوسطه المتحرك لـ200 يوم قبل التصعيد مباشرة، مما يجعله أحد أكثر الأصول الرئيسية تداولاً بأعلى مستوياتها، وهذا التكدس هو السبب وراء تراجعه رغم سمعته كملاذ آمن.
شاهد ايضاً
ينطبق الأمر ذاته على قطاع الدفاع الأوروبي، الذي تفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف على السوق الأوروبية خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، وقفزت أسهم بعض شركاته مثل “راينميتال” الألمانية بنحو 1700% منذ عام 2022، ووصلت التدفقات إلى صندوق iShares الأوروبي للدفاع لمستوى قياسي في يناير، لذا كان تراجعه المباشر بعد التصعيد ناتجًا عن تصحيح للمراكز المكتظة وليس ضعفًا في الجوهر.
المرحلة التالية: إعادة التقييم
بعد مرحلة البيع الآلي الأولي، يبرز السؤال الأهم حول الخطوة التالية، ويحتاج المستثمرون لتقييم ما إذا كانت الأزمة قد غيرت المعادلات الأساسية أم أن العالم لا يزال على نفس المنوال مما يسمح بإعادة المراكز السابقة.
في حالة قطاع الدفاع الأوروبي، تبدو حجج الاستثمار قوية بل وأقوى مما كانت عليه، في ظل استمرار التجزئة الجيوسياسية العالمية، أما بالنسبة للذهب، فإن التحليلات تشير إلى…
شهدت الأسواق تحركات مماثلة في أحداث سابقة، حيث انخفض الذهب مؤقتًا بعد بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 قبل أن يبدأ مسيرة صعود تاريخية، كما أن مؤشر S&P 500 ارتفع بنسبة 5% في الأشهر الستة التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2001، مما يؤكد أن رد الفعل الأولي غالبًا ما يكون عاطفيًا وتقنيًا قبل أن تستقر الأسواق وفقًا للمتغيرات الجديدة.








