لكل قوم لغة يتعارفون عليها فيما بينهم، فالأطباء لهم مصطلحاتهم الخاصة، والمهندسين كذلك، والمحامين أيضاً، بل وكل فئات المجتمع بما فيهم الحرفيون، لكل منهم ما يميزه في التواصل الداخلي.

ولما كان التصوف يمثل روح الإسلام، وهو بحر زاخر بالعلماء والأقطاب الذين ازدانت بهم المكتبة الإسلامية عبر العصور، فقد برز في العصر القديم أئمة وزهاد مثل حجة الإسلام الغزالي، ورابعة العدوية، وذو النون المصري، والحنيد شيخ الطائفة، والعز بن عبد السلام، والسيد أحمد البدوي، وإبراهيم الدسوقي، وأبو الحسن الشاذلي، وأحمد الرفاعي، والجيلاني، وشيبان الراعي، والشعراني وغيرهم.

أما في العصر الحديث، فقد ظهر أئمة وعلماء كالشيخ الشعراوي، وعبد الحليم محمود، وأبو العزائم، وصالح الجعفري، ومحمد زكي الدين إبراهيم، ومحمد خليل الخطيب النيدي، ومصطفى محمود، وأحمد عمر هاشم وغيرهم أيضاً.

المنهج العملي للتصوف: الجمع بين الظاهر والباطن

ولما كان للصوفية فقههم الخاص، والذي يعني التطبيق العملي لهذا الدين الحنيف، فإن هذا الفقه يجمع بين الالتزام الدقيق بظاهر الشريعة الإسلامية (الفقه) وتزكية الباطن (التصوف)، ويركز على إصلاح القلب من خلال الإخلاص والورع والتربية الأخلاقية، معتبراً الشريعة حصناً للسالك، ويتميز بالعبادات والأوراد – فمن لا ورد له لا وارد له – وآداب الصحبة، وخدمة الخلق، والوقوف عند حد الأدب عملاً بالقاعدة الصوفية الرصينة “حب بأدب وصول بلا تعب”.

فقه القوم في طريق التصوف يتلخص في الجمع بين الشريعة والحقيقة، لكونهما جناحي طائر لا يستطيع المريد أو الشيخ التحليق بغيرهما، فعلم الشريعة هو علم العبادات من صلاة وصوم وغيرهما، وعلم الحقيقة هو علم القلوب والأرواح، والعلمين لا يتناقضان بأي حال من الأحوال، ويستشهد العارفون بالله في ذلك بقصة سيدنا الخضر عليه السلام حين قتل الغلام.

وطبقاً لرسالة سيدنا موسى عليه السلام ونبوته، وفي كل الديانات والرسالات السماوية، لا يجوز قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فاعترض موسى الكليم لأنه حارس على شرع الله ولا يقبل فعل هذا الأمر بقتل نفس، وظن بظاهر الشريعة أن قتلها هنا غير جائز، ولكن في علم الحقيقة كان الخضر يعلم العلة من ذلك، فقام بحجته وأيده الله في فعله وفي قوله أيضاً من بناء الجدار في قرية أبى أصحابها أن يضيفوهما، وخرق سفينة المساكين بعد أن حملوهما بداخلها بلا أجر.

فجاءت العلة كما قصها علينا القرآن الكريم من تعليم الخضر لموسى عليهما السلام ما غاب عنه وما خفى في نسق وبيان قرآني عجيب، فلله في خلقه شؤون يبديها ولا يبتديها.

ولذلك جاءت كلمات القوم: “من تفقه ولم يتحقق فقد تفسق، ومن تحقق ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تصدق” أي أصبح في مقام الصديقية وهو مقام لا يقع إلا للصفوة من الأولياء العارفين.

يقول القشيري مبينًا كلًّا منهما: “الشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والشريعة قيام بما أمر الله، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر، والشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، والشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق وإياك نعبد حفظ للشريعة، وإياك نستعين إقرار بالحقيقة”.

مصطلحات القوم: رموز وإشارات خاصة

وللقوم مصطلحات لا يفهمها غيرهم – للقاعدة عندهم كلام الأبكم لا يفهمه غير أمه – وهذه المصطلحات تعني رموز وإشارات خاصة يستخدمها السالكون لوصف أحوالهم الروحانية، ومقاماتهم، وتجاربهم الذوقية التي تعجز اللغة العادية عن تصويرها، ومن أبرزها:

  • الفناء ويعني (سقوط الأوصاف الذميمة).
  • البقاء ويعني (الوجود بالحق).
  • الجمع وهو (شهود الحق بلا خلق).
  • الحال وهو (ما يرد على القلب من غير تعمد ولا اكتساب).