في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، تتكشف في الخلفية أزمة اقتصادية صامتة تدفع ثمنها دول بعيدة جغرافيًا عن ساحة القتال، لكنها شديدة الارتباط بشرايين التجارة العالمية، فالقارة الأفريقية التي تعتمد بشكل كبير على حركة الملاحة عبر البحر الأحمر والخليج، وجدت نفسها فجأة في قلب العاصفة الاقتصادية نتيجة تعطّل طرق الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخر الصادرات.

تأثير الاضطرابات على الممرات البحرية الحيوية

تاريخيًا، تمر نسبة كبيرة من تجارة العالم عبر الممرات البحرية القريبة من الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهما مساران حيويان للطاقة والتجارة الدولية، وتشير التقديرات إلى أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه صدمة مباشرة لأسواق الطاقة والتجارة الدولية، لكن مع تصاعد التوترات العسكرية والهجمات المتبادلة، تعطلت حركة السفن وتوقفت عشرات الناقلات، فيما علّقت شركات الشحن عملياتها أو غيّرت مساراتها، وهو ما أدى إلى اختناقات لوجستية غير مسبوقة.

تداعيات الأزمة على قناة السويس والمسارات البديلة

هذا الاضطراب لم يبقَ محصورًا في الخليج فقط، بل امتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن حجم التجارة المارة عبر قناة السويس تراجع بنحو 50% خلال فترات من الأزمة نتيجة تحويل السفن مسارها بعيدًا عن البحر الأحمر، ومع تزايد المخاطر الأمنية، اضطرت آلاف السفن إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، وهو مسار أطول يضيف ما بين 7 إلى 13 يومًا إضافيًا إلى الرحلة البحرية ويرفع تكلفة الوقود والشحن بشكل كبير.

الصادرات الأفريقية في مرمى الخسائر

بالنسبة للدول الأفريقية، فإن هذا التحول في مسارات التجارة يعني ببساطة تأخيرًا كبيرًا في الصادرات وخسائر مباشرة في العائدات، دول مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا تعتمد بشكل كبير على تصدير الشاي والبن والزهور إلى أوروبا وآسيا، وهي منتجات شديدة الحساسية للوقت، ومع زيادة مدة الشحن وارتفاع تكلفة النقل، تراجعت القدرة التنافسية لهذه الصادرات، بينما تحمل المصدرون خسائر نتيجة تلف جزء من البضائع أو تأخر وصولها إلى الأسواق.

ارتفاع التكاليف في غرب أفريقيا

أما في غرب أفريقيا، فقد واجهت دول مثل نيجيريا وغانا مشكلة مختلفة لكنها لا تقل خطورة، فمع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري نتيجة المخاطر العسكرية، ارتفعت تكلفة تصدير النفط والكاكاو والمعادن، وتشير تقديرات شركات الشحن إلى أن تكلفة الرحلة الواحدة قد تزيد بما يقارب مليون دولار إضافي عند تحويل المسار بعيدًا عن البحر الأحمر.

خسائر مصر وعائدات قناة السويس

ولعل المثال الأكثر وضوحًا على حجم الخسائر هو ما حدث في مصر، التي تعتمد بشكل كبير على عائدات قناة السويس، فمع تحويل السفن مسارها بعيدًا عن القناة، تراجعت حركة الملاحة بشكل كبير، ما أدى إلى خسائر قُدّرت بنحو 7 مليارات دولار من الإيرادات خلال عام واحد، وهذه الخسارة لا تؤثر فقط على الاقتصاد المصري، بل تمتد إلى سلاسل التوريد في شرق أفريقيا وشمالها التي تعتمد على القناة كممر رئيسي للتجارة.

تداعيات أوسع على الطاقة والتضخم

كما أن الأزمة لا تتوقف عند حدود التجارة فقط، بل تمتد إلى تكلفة الطاقة التي تُعد عنصرًا حاسمًا لاقتصادات القارة، فقد أدت التوترات العسكرية إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما يرفع تكلفة النقل والإنتاج داخل الدول الأفريقية، ويزيد معدلات التضخم ويضغط على الموازنات العامة، ويخشى اقتصاديون أن يؤدي استمرار الأزمة إلى موجة تضخم جديدة في القارة، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.