فشل الذهب في الارتفاع رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، مخالفاً التوقعات التقليدية التي تربطه بالحروب، ما يسلط الضوء على تحول جوهري في محركات السوق حيث تطغى السياسة النقدية على المخاوف السياسية.
يكشف التراجع الأخير عن معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها قوة الدولار وارتفاع أسعار الفائدة مع سلوك المستثمرين، مما يقلل مؤقتاً من جاذبية المعدن النفيس كملاذ آمن تقليدي.
الدولار والفائدة.. العامل الحاسم
يظل العامل الأكثر تأثيراً في أداء الذهب حالياً هو قوة الدولار الأميركي، المدعوم بسياسات نقدية مشددة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حيث يجعل ارتفاع الدولار الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، كما يقلل ارتفاع العوائد على السندات جاذبية المعدن الذي لا يدر عائداً.
تشير تحليلات مؤسسات مثل جولدمان ساكس وجيه بي مورغان إلى أن هذه العلاقة التاريخية العكسية بين الذهب وأسعار الفائدة هي المحرك الأساسي في الوقت الراهن.
سلوك المستثمرين والتصحيح الفني
دخل الذهب في مناطق تشبع شرائي قبل التراجع، مما دفع المستثمرين إلى عمليات جني أرباح سريعة وتحويل السيولة نحو أصول مثل الدولار أو السندات، وفقاً لمحللين في يو بي إس و آي إن جي.
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد شهد السوق حدثاً مماثلاً خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين تراجع الذهب مؤقتاً قبل أن يعاود الصعود بقوة في مرحلة لاحقة.
شاهد ايضاً
البنوك المركزية من الشراء إلى التريث
بدأت بعض البنوك المركزية في إبطاء وتيرة شراء الذهب بعد موجة طلب قوية في السنوات الأخيرة، حيث تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن بعض الدول تدرس استخدام احتياطياتها لتمويل الإنفاق أو دعم العملة المحلية، كما في حالة تركيا.
يقلل هذا التحول من أحد أهم مصادر الطلب الداعم لأسعار الذهب على المدى المتوسط.
المفارقة.. لماذا لا ترتفع الأسعار مع الحروب؟
لا يتحرك السوق بعامل واحد، ويوضح محللون مثل أولي هانسن من ساكسو بنك أن “تأثير السياسة النقدية أصبح أقوى من العوامل الجيوسياسية في المدى القصير”، فالفائدة والدولار باتا أقوى من الحرب في تحديد الاتجاه الفوري للذهب.
رغم الضغوط الحالية، يدعم الاتجاه طويل الأجل للذهب عدة عوامل، أبرزها احتمالات خفض الفائدة مستقبلاً، وارتفاع مستويات الدين العالمي، واستمرار المخاطر الجيوسياسية الهيكلية.
تؤكد مؤسسات مثل بلاك روك أن الذهب سيظل جزءاً أساسياً من استراتيجيات التحوط على المدى الطويل، حيث يعكس التراجع الحالي تغير قواعد اللعبة في الأسواق وليس فقدان المعدن لدوره التاريخي.
شهد الذهب فترات مماثلة من التراجع المؤقت خلال أزمات كبرى، مثل انخفاضه بنسبة تقارب 30% في الأشهر التي تلت اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008، قبل أن يدخل في سوق صاعدة استمرت لسنوات ودفعت الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.








