أداء الذهب المخالف للقواعد

شهد الذهب أكبر تراجع شهري له منذ أكتوبر 2008، حيث انخفض بأكثر من 14% خلال شهر مارس وحده، وذلك رغم التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المعدن النفيس قد تخلى عن وظيفته التقليدية كملاذ آمن، أم أن تحولات أعمق في سلوك المستثمرين والسياسات النقدية هي التي تعيد رسم خريطة الأصول الآمنة.

الدولار وعوائد السندات

تقاطع هذا المشهد مع ارتفاع لافت للدولار الأميركي بنحو 2% منذ تصاعد التوترات الإقليمية في أواخر فبراير الماضي، ويرى رئيس قسم خدمات الاستثمار في بنك «يونيون بانكير بريفيه» فهد إقبال أن الضغوط على الذهب تعود إلى عاملين رئيسيين، يتمثل أولهما في توجه المستثمرين لتسييل الأصول القوية لتعويض الخسائر أو تلبية متطلبات الهامش، وهو نمط تكرر في أزمات سابقة مثل 2008 و2020.

أما العامل الثاني فيتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة الذي عزز توقعات التضخم، ودفع الأسواق لتسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، ما شكل ضغطاً مباشراً على الذهب بوصفه أصلاً لا يدر عائداً.

توقعات السياسة النقدية وتصحيح السوق

من جهته، أرجع الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية» محمد الفراج التراجع إلى تضافر عوامل اقتصادية، أبرزها الارتفاع القوي في عوائد السندات الأميركية التي باتت توفر بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية، كما عززت توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» من قوة الدولار، ما جعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى.

وأوضح الفراج أن هذا الهبوط يمكن اعتباره تصحيحاً صحياً وطبيعياً ضمن دورة السوق، خصوصاً بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب في الأعوام الماضية، حيث تسهم التراجعات التي تتراوح بين 10 و20% غالباً في إعادة التوازن بين العرض والطلب.

التحول في توقعات أسعار الفائدة

بدوره، أشار رئيس تداول المبيعات العالمية في شركة «إي دي إس إس» نيل كين إلى أن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في التحول المفاجئ في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة، حيث انتقلت من ترقب خفض الفائدة إلى تسعير سلسلة من الزيادات المحتملة، ما غيَّر بشكل جذري من جاذبية الذهب، وشكل هذا العامل إلى جانب قوة الدولار ضغطاً مزدوجاً على المعدن النفيس.

ولفت كين إلى أن المستثمرين يلجأون في أوقات تراجع الأصول عالية المخاطر إلى تسييل مراكزهم الرابحة، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم في استثمارات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط.

يأتي هذا التراجع الحاد في وقت بدت فيه الأسواق أقل تفاعلاً مع التوترات الجيوسياسية مقارنة بالأنماط التاريخية المعتادة، مما يشير إلى حساسية متغيرة قد تكون مدفوعة بالأولويات النقدية الحالية للمستثمرين على حساب العوامل الجيوسياسية التقليدية.

الأسئلة الشائعة

ما هي الأسباب الرئيسية لتراجع سعر الذهب مؤخراً؟
يعود التراجع إلى عاملين رئيسيين: توجه المستثمرين لتسييل الأصول القوية لتعويض الخسائر، وارتفاع توقعات التضخم الذي عزز احتمالات رفع أسعار الفائدة من البنوك المركزية، مما يقلل جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً.
كيف أثرت السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي على الذهب؟
أدت توقعات تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية وقوة الدولار. هذا يجعل السندات بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية ويجعل الذهب أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما يضعف الطلب عليه.
هل يعتبر هبوط الذهب مؤشراً على تخليه عن كونه ملاذاً آمناً؟
لا يشير الهبوط بالضرورة إلى تخلي الذهب عن وظيفته كملاذ آمن. الخبراء يرون أن التراجع الحالي هو تصحيح صحي وطبيعي في دورة السوق بعد الارتفاعات القياسية السابقة، ويتأثر بعوامل اقتصادية ونقدية مؤقتة.