Published On 1/5/20261/5/2026

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المتداول عالميا بسبب تعطل الصادرات من منطقة الخليج، لكن الغاز وفير جدا في غرب تكساس في الولايات المتحدة لدرجة أن بعض المنتجين يضطرون إلى دفع أموال مقابل تصريفه.

وكشفت الأزمة عن انقسام واسع في سوق الغاز العالمية، فالبلدان المعتمدة على الاستيراد في أوروبا وآسيا تتنافس على إمدادات شحيحة، بينما تعاني الولايات المتحدة، أكبر منتج ومستهلك للغاز في العالم، من تخمة معروض في بعض المناطق دفعت الأسعار إلى الاقتراب من أدنى مستوياتها في 17 شهرا.

وقالت وكالة الطاقة الدولية إن أزمة الشرق الأوسط غيرت توقعات سوق الغاز العالمية بصورة كبيرة، بعد أن تسبب تعطل الشحن عبر مضيق هرمز منذ بداية مارس/آذار في صدمة معروض كبيرة زادت تقلبات الأسعار وأخرت موجة الإمدادات الجديدة من الغاز الطبيعي المسال.

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا عبرت مضيق هرمز في 2024، ومعظمها من قطر، كما أن 83% من الغاز الطبيعي المسال المار عبر المضيق اتجه إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية.

ناقلة غاز مسال في مضيق ملقا بماليزيا (الأوروبية)

ضغط الإمدادات

قالت وكالة الطاقة الدولية إن إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميا تراجع 8% على أساس سنوي في مارس/آذار، أو بنحو 4 مليارات متر مكعب، كما هبطت شحنات قطر والإمارات 9.5 مليارات متر مكعب مقارنة بالعام السابق، ولم يعوض هذا التراجع إلا جزئيا ارتفاع إنتاج مشروعات جديدة في أمريكا الشمالية وأفريقيا.

ومنذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير/شباط، انخفضت العقود الآجلة للغاز في مركز هنري بولاية لويزيانا بما يصل إلى 12%، مسجلة أدنى مستوى في 17 شهرا عند 2.52 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما ارتفعت الأسعار في أوروبا وآسيا بقوة لتتراوح بين 21 و22 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفق رويترز.

وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هذا الانفصال بين الأسواق، إذ قالت إن أسعار الغاز في أوروبا وآسيا ابتعدت عن الأسعار الأمريكية منذ إغلاق مضيق هرمز في 28 فبراير/شباط، وإن عقود الغاز الطبيعي المسال في مركز تي تي إف الأوروبي وصلت إلى 14.80 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الأسبوع المنتهي في 24 أبريل/نيسان، بزيادة 35% عن مستويات ما قبل الإغلاق.

تخمة أمريكية

تمتلك الولايات المتحدة إمدادات كافية لتلبية الطلب المحلي وتغذية محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال التي تبرد الغاز لتسييله، لكن هذه المحطات تعمل بالفعل قرب طاقتها القصوى، ولذلك لا تستطيع واشنطن تحويل كميات كبيرة إضافية إلى غاز مسال للتصدير، مهما ارتفعت الأسعار العالمية.

وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية تعمل عند مستويات استخدام مرتفعة، وإن المرونة المتاحة لزيادة الصادرات محدودة للغاية، وتعتمد على تأجيل أعمال الصيانة أو تسريع تشغيل مشروعات جديدة أو اتفاقيات تصدير حديثة.

وسجل إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة مستوى قياسيا في 2025 عند متوسط 118.5 مليار قدم مكعبة يوميا، بزيادة 5.3 مليارات قدم مكعبة يوميا، واستحوذت مناطق أبالاتشيا وبيرميان وهاينزفيل على 67% من إجمالي الإنتاج و81% من نمو الإنتاج خلال العام.

وفي حوض بيرميان، ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسوق 11% في 2025 إلى متوسط 27.7 مليار قدم مكعبة يوميا، ويرتبط جزء كبير من هذا الإنتاج بالغاز المصاحب لاستخراج النفط، ما يعني أن استمرار ضخ النفط يضيف كميات كبيرة من الغاز حتى عندما تكون الأسعار المحلية ضعيفة.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يرتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة 2% إلى 120.8 مليار قدم مكعبة يوميا في 2026، ثم إلى 122.3 مليار قدم مكعبة يوميا في 2027، مدفوعا خصوصا بإنتاج أبالاتشيا وهاينزفيل وبيرميان.

الدفع للتصريف

وصلت الأسعار في الولايات المتحدة في حوض بيرميان، أكبر حقل صخري، إلى مستويات أدنى من العقود الآجلة، وجرى تداول الغاز في المعاملات الفورية بمركز واها في غرب تكساس دون الصفر تقريبا كل يوم هذا العام، لأن خطوط أنابيب الغاز الخارجة من الحوض ممتلئة، وفق رويترز.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن أسعار الغاز في مركز واها قرب إنتاج حوض بيرميان هبطت دون الصفر في 42% من أيام التداول خلال 2024، لأن إنتاج الغاز في الحوض تجاوز قدرة خطوط الأنابيب على نقله إلى الأسواق، قبل أن يساعد تشغيل خط ماترهورن إكسبريس في أكتوبر/تشرين الأول 2024 على تخفيف جانب من الاختناق.

وفي تحليل آخر، قالت الإدارة إن أسعار مركز واها تكون عادة أقل من مراكز التسعير الأخرى، وقد تتحول إلى السالب، لأن إنتاج الغاز في بيرميان نما بوتيرة أسرع من طاقة خطوط الأنابيب المخصصة لنقله إلى مناطق الطلب.

وتعني الأسعار السالبة أن بعض المنتجين لا يحصلون على مقابل لبيع الغاز، بل يدفعون أموالا لتصريفه، لأن إيقاف الإنتاج أو حرق الغاز أو تخزينه ليس خيارا سهلا دائما، خصوصا عندما يكون الغاز ناتجا مصاحبا لآبار النفط.

ويتوقع محللون في بنك أوف أمريكا، وفق رويترز، ألا يظهر تحسن ملموس في النقل قبل أواخر هذا العام أو أوائل 2027، وهو الموعد المتوقع لبدء تشغيل مشروعات خطوط أنابيب أكبر.

الرابحون والخاسرون

على المدى القريب، تبدو الشركات التي لديها شحنات غاز طبيعي مسال جاهزة للبيع في وضع أفضل للاستفادة من الارتفاع الاستثنائي للأسعار العالمية.

ولتعويض شحنات الغاز التي ألغتها قطر، اشترت شركات طاقة في أنحاء العالم شحنات إضافية من منتجي غاز طبيعي مسال أمريكيين مثل فينتشر غلوبال، ثاني أكبر شركة للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة بعد شينير إنرغي، وفق رويترز.

وقال مدير قسم عقود الطاقة الآجلة في ميزوهو بوب ياجر لرويترز إن فينتشر غلوبال شركة جديدة نسبيا في مجال الغاز الطبيعي المسال، ولديها شحنات متاحة للبيع الفوري لمن يدفع أعلى سعر، مضيفا أن الجميع أصبح بحاجة مفاجئة إلى الغاز الطبيعي المسال بعد خروج جزء من إمدادات قطر من الصورة.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تنمو صافي صادرات الغاز الطبيعي الأمريكية 18% إلى 18.7 مليار قدم مكعبة يوميا في 2026، ثم تزيد 10% أخرى إلى 20.5 مليار قدم مكعبة يوميا في 2027، مع بدء تشغيل مشروعات تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال وزيادة صادرات خطوط الأنابيب.

لكن الحظ لم يحالف منتجي الغاز الأمريكيين الذين يبيعون لشركات الغاز الطبيعي المسال، لأن معظم إنتاجهم يباع بالسعر المحلي، الذي ظل منخفضا بسبب ضعف الطلب في الربيع ووفرة الإمدادات في المخزونات واقتراب الإنتاج من مستويات قياسية.

ودفع انخفاض الأسعار بعض شركات الطاقة الأمريكية إلى خفض الإنتاج في انتظار ارتفاع الطلب والأسعار في وقت لاحق من العام.

ونقلت رويترز عن المدير المالي لشركة إي كيو تي جيريمي نوب، قوله إن إجراءات التخفيض الاستراتيجية التي تتخذها الشركة تعد شكلا من أشكال التخزين، لأنها تحتفظ بالغاز في باطن الأرض خلال مواسم انخفاض الطلب.

ورغم تخمة الغاز في بعض المناطق الأمريكية، تتأثر مناطق أخرى داخل الولايات المتحدة بارتفاع الأسعار الدولية، ومنها نيو إنغلاند التي تضطر في الشتاء إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال مرتفع السعر وحرق النفط لتوليد الكهرباء، بسبب افتقارها إلى وصلات كافية بشبكة الأنابيب الوطنية لتلبية الطلب على التدفئة.