لا يحتاج المستهلك العادي إلى متابعة شاشات أسعار النفط كي يشعر بأثرها. يكفي أن يذهب إلى محطة الوقود، أو يشتري غذاءه المعهود، أو يدفع فاتورة الكهرباء والماء، أو يحجز رحلة طيران، حتى يكتشف أن ما يحدث في أسواق الطاقة العالمية لا يبقى في البورصات، بل ينتقل تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية.

فأسعار النفط ليست رقما فنيا يهم الدول المنتجة وشركات الطاقة فقط، بل هي أحد مفاتيح تكلفة المعيشة عالميا. وعندما ترتفع أسعار النفط، تبدأ سلسلة طويلة من التأثيرات تمتد من النقل والمواصلات إلى الغذاء والكهرباء والإيجارات وتكاليف الإنتاج، قبل أن تصل في النهاية إلى جيب المواطن وقدرته الشرائية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

النفط.. من الأسواق إلى جيب المواطن

يرى الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله أن النفط يمثل “شريان الحياة الاقتصادية”، وليس مجرد سلعة يجري تداولها في الأسواق المالية، فهو يدخل في حركة النقل وتشغيل المصانع وسلاسل التوزيع وإنتاج الغذاء وتوليد الكهرباء في كثير من الدول، مما يجعله حاضرا في معظم ما يستهلكه الإنسان يوميا.

ويشير أحمد ذكر الله، في حديث للجزيرة نت، إلى أن المشكلة تكمن في تراجع “الأجر الحقيقي”، أي القيمة الفعلية للدخل بعد احتساب التضخم. فحتى لو بقي الراتب كما هو، فإن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغذاء يعني أن الأسرة أصبحت قادرة على شراء سلع وخدمات أقل من السابق.

ويضيف أن ارتفاع أسعار النفط يدفع الأسر إلى زيادة الإنفاق الإجباري على الوقود والطاقة، مما يقلل الأموال المتاحة للادخار أو الإنفاق الترفيهي، بينما تتأثر الأسر محدودة الدخل لأنها تخصص جزءا أكبر من دخلها للغذاء والطاقة.

ومن هنا فإن ارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط زيادة كلفة ملء خزان السيارة، بل يعني أيضا ارتفاع تكلفة نقل السلع من الموانئ إلى المخازن، ومن المصانع إلى المتاجر، ومن المزارع إلى الأسواق. وكلما زادت هذه التكلفة حولتها الشركات إلى المستهلك النهائي في شكل زيادة في الأسعار.

وتشرح خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان، في حديث للجزيرة نت، أن المستهلك يشعر بتغير أسعار النفط مباشرة في البنزين والديزل، لكنه يشعر به أيضا في أسعار الطيران والنقل والبضائع، فكل سلعة تحتاج إلى تصنيع أو شحن أو تبريد أو توزيع، تتأثر بدرجات متفاوتة بتكلفة الطاقة.

ويتفق الخبير الاقتصادي زياد عربش مع هذا الطرح، مشيرا إلى أن النفط يشكل جزءا أساسيا من تكاليف الإنتاج والنقل عالميا، خاصة أنه يدخل -بحسب تقديراته- في إنتاج أكثر من 500 ألف سلعة بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل تأثيره يمتد إلى معظم السلع والخدمات اليومية.

ويقول عربش في حديث للجزيرة نت، إن النفط يتحول عمليا إلى “ضريبة غير مباشرة” على المستهلك في الدول المستوردة للطاقة، لأن ارتفاعه يرفع تكاليف الوقود والطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع الاستهلاكية والتضخم وتراجع الدخل المتاح للأسر.

وتوضح هايتايان أن الأسر تضطر في هذه الظروف إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، إذ تقل القدرة على الادخار أو الإنفاق على الترفيه والسفر والخروج إلى المطاعم، لأن جزءا أكبر من الدخل يذهب إلى الاحتياجات الأساسية.

وتضيف أن هذا التغيير ينعكس أيضا على نمط الحياة نفسه، إذ يصبح المستهلك أكثر حذرا في الإنفاق وأكثر ميلا لتقليص المصروفات غير الأساسية.

لماذا لا يقتصر الأثر على الدول المنتجة؟

ترى لوري هايتايان أن الدول المنتجة للنفط تبدو هي المعنية الأولى بصعود الأسعار أو هبوطها، لأن إيراداتها العامة وأرباح شركاتها ترتبط مباشرة بسعر البرميل، فعندما ترتفع الأسعار، ترتفع عائدات الحكومات المنتجة سواء عبر الشركات الوطنية أو الضرائب والرسوم، وعندما تنخفض تتراجع هذه الإيرادات.

لكن في المقابل تشير إلى أن المستهلك في الدول المستوردة للطاقة يدفع الجانب الآخر من المعادلة. فالدول التي تعتمد على استيراد النفط والغاز تواجه فاتورة أعلى في الطاقة، وقد يضغط ذلك على موازناتها العامة، وعلى سعر صرف عملاتها، وعلى تكاليف النقل والإنتاج داخلها.

زياد عربش: النفط يدخل في إنتاج أكثر من 500 ألف سلعة بشكل مباشر أو غير مباشر (الجزيرة)

ولهذا يكون الأثر أشد في الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصا إذا كانت عملتها ضعيفة أو تعتمد بكثافة على استيراد الغذاء والوقود. ففي هذه الحالة لا ينتقل ارتفاع النفط إلى الوقود فقط، بل يتحول إلى تضخم أوسع يمس الغذاء والخدمات والسلع الأساسية.

ويضيف زياد عربش أن الاقتصادات المستوردة للطاقة تكون أكثر هشاشة أمام صدمات النفط، لأن ارتفاع الأسعار ينعكس بسرعة على تكاليف المعيشة وسعر السلع الأساسية.

ويشير إلى أن التضخم الناتج عن الطاقة قد يشكل نحو 7.3% من سلة المستهلك في بعض الاقتصادات، مما يجعل أثر النفط أوسع من مجرد ارتفاع سعر الوقود.

كيف يصبح النفط قضية معيشية؟

يتحول النفط إلى قضية تمس جيب المستهلك عبر ثلاث قنوات رئيسية: الوقود وتكاليف الإنتاج والتضخم العام.

  • القناة الأولى هي النقل والمواصلات: فارتفاع البنزين والديزل يعني زيادة تكلفة انتقال الأفراد وتشغيل الشاحنات وحركة البضائع. وهذا يرفع أسعار النقل العام أو الخاص، ويزيد تكلفة توصيل السلع إلى الأسواق.
  • القناة الثانية هي الإنتاج: فالمصانع تحتاج إلى طاقة لتشغيل المعدات، وإلى مواد أولية قد تكون مشتقة من النفط أو مرتبطة بأسعاره، وعندما ترتفع هذه التكاليف، تزيد كلفة إنتاج السلع، من الأغذية المعبأة إلى الملابس والأجهزة والمواد البلاستيكية.
  • أما القناة الثالثة فهي التضخم: فعندما ترتفع أسعار الطاقة ترتفع معها مجموعة واسعة من الأسعار، فيجد المواطن أن دخله الشهري لم يعد يكفي لشراء ما كان معتادا عليه، وأصبح يؤمن له كمية من السلع والخدمات أقل من المعتاد، وهو ما يصطلح عليه بـ”تآكل القوة الشرائية”.

ويؤكد أحمد ذكر الله أن التضخم الناتج عن الطاقة يضغط بصورة خاصة على الفئات محدودة الدخل، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب أساسا إلى الغذاء والطاقة والنقل.

النفط يدخل في سلسلة الغذاء عبر وسائل عدة بينها الوقود والأسمدة وغيرها (الجزيرة)

لماذا يؤثر النفط في الغذاء؟

رغم أن النفط ليس سلعة غذائية، فإنه يدخل في سلسلة الغذاء من بدايتها إلى نهايتها. فالزراعة تحتاج إلى وقود لتشغيل الجرارات والمعدات، كما تعتمد على أسمدة ومبيدات يرتبط جزء من إنتاجها بالطاقة والمنتجات البترولية. وبعد الإنتاج تحتاج الأغذية إلى النقل والتخزين والتبريد والتعبئة، وكل هذه المراحل تستهلك طاقة.

وهو ما يوضحه أحمد ذكر الله مشيرا إلى أن الغذاء يتأثر بالنفط عبر “سلسلة الإمداد الغذائي” كلها، من الوقود الزراعي والأسمدة إلى النقل المبرد وغير المبرد، ثم التصنيع والتعبئة والوصول إلى المستهلك النهائي، ولذلك فإن ارتفاع النفط يؤدي غالبا إلى زيادة تكلفة الغذاء، حتى لو لم يكن النفط نفسه مكونا في الطعام.

وتتفق هايتايان مع هذا الطرح، مؤكدة أن ارتفاع النفط يرفع كلفة تصنيع الغذاء ونقله، ومن ثم تظهر آثاره في أسعار السلع الغذائية اليومية التي يشتريها المستهلك.

كيف يمكن لارتفاع النفط أن يرفع أسعار الإيجارات والكهرباء والماء؟

لا يتوقف أثر النفط عند الوقود والغذاء،فارتفاع أسعار الطاقة قد ينعكس أيضا على الإيجارات والكهرباء والماء، وإن بدرجات مختلفة من بلد إلى آخر.

ويوضح أحمد ذكر الله أن العلاقة بين النفط والإيجارات تمر عبر تكلفة البناء والتشغيل، لأن تصنيع الأسمنت والحديد وتشغيل المعدات ونقل مواد البناء كلها تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة.

وعند ارتفاع تكلفة البناء والصيانة والتشغيل ترتفع أسعار العقارات تدريجيا، مما قد ينعكس لاحقا على الإيجارات.

أما بالنسبة للكهرباء فيوضح أن العديد من محطات التوليد تعتمد على الغاز أو المشتقات النفطية، ومن ثم فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف إنتاج الكهرباء.

وتشير هايتايان إلى أن الأثر يكون أوضح في الدول التي تربط أسعار الكهرباء مباشرة بتكلفة الإنتاج، أو لا تقدم دعما حكوميا كبيرا للطاقة، بينما قد تمتص الحكومات جزءا من الصدمة في بعض الدول عبر الدعم.

كما تؤكد أن تحلية المياه وضخها ونقلها تحتاج إلى طاقة كثيفة، ولذلك فإن ارتفاع النفط قد يرفع أيضا تكلفة المياه، خصوصا في الدول المعتمدة على التحلية.

هل يعني ارتفاع النفط دائما ارتفاع الأسعار المحلية؟

يؤكد أحمد ذكر الله أن العلاقة ليست مباشرة دائما، فهناك عوامل قد تخفف أثر ارتفاع النفط على الأسعار المحلية، مثل الدعم الحكومي واستقرار سعر الصرف، ووجود بدائل محلية للطاقة مثل الطاقة الشمسية أو الرياح.

لكن في المقابل، يشير إلى وجود عوامل تجعل الأثر أكثر حدة، مثل الاعتماد الكبير على استيراد النفط والغذاء، أو ضعف العملة المحلية، أو غياب سياسات الحماية الاجتماعية للفئات الهشة.

أما هايتايان، فتشير إلى أن التقلبات اليومية البسيطة في أسعار النفط لا تنتقل عادة مباشرة إلى المستهلك، لكن القفزات الكبيرة والمستمرة، مثل الانتقال من 70 إلى 100 دولار للبرميل، تبدأ في الظهور تدريجيا في أسعار الوقود والكهرباء والنقل والسلع.

ويضيف زياد عربش أن بعض الدول المنتجة قد تتمكن من تخفيف الأثر عبر الدعم أو زيادة الإنفاق العام أو استخدام الإيرادات النفطية لامتصاص الصدمة، بينما تواجه الاقتصادات الضعيفة أو المستوردة للطاقة صعوبة أكبر في احتواء موجات التضخم.

ماذا يحدث إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة؟

يحذر الخبراء من أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد ينقل الأزمة من مجرد موجة تضخم مؤقتة إلى تباطؤ اقتصادي أوسع.

وتقول هايتايان إن استمرار الأسعار المرتفعة قد يضغط على الطلب العالمي، لأن المستهلكين يقلصون إنفاقهم والشركات تخفض استثماراتها، مما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ اقتصادي وربما تراجع الطلب على النفط نفسه لاحقا.

أما أحمد ذكر الله، فيرى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة فترة طويلة يخلق ضغوطا ممتدة على الأسر والشركات والحكومات، خصوصا في الدول المستوردة للطاقة، لأن النفط يدخل في معظم الأنشطة الاقتصادية وسلاسل الإنتاج.

ويضيف أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع الحكومات إلى البحث عن سياسات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، مثل توسيع الدعم الاجتماعي أو تعزيز بدائل الطاقة المحلية أو تحسين كفاءة الإنفاق والطاقة.

بدوره يحذر زياد عربش من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط فترة طويلة قد يقود إلى ما يعرف بـ”الركود التضخمي”، أي اجتماع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو الاقتصادي في الوقت نفسه، وهو من أكثر السيناريوهات تعقيدا بالنسبة للحكومات والبنوك المركزية.

ويشير إلى أن حجم الضرر يختلف من دولة إلى أخرى بحسب قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، ومستوى التنافسية، وحجم الاعتماد على استيراد الطاقة والغذاء.