طهران ـ مع مرور أكثر من شهر على الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية، ما تزال واجهات المتاجر في العاصمة طهران مكتظة بالسلع، لكن الزبائن يروون قصصا عن تقلبات متسارعة في الأسعار، فيما تحولت البضائع المستوردة إلى سلع فاخرة بات تسعيرها مرتبطا بسعر صرف الدولار في السوق السوداء.
وفي شارع “فردوس” الصاخب غربي العاصمة الإيرانية، تقف مينا (34 عاما)، وهي أم لطفلين، أمام واجهة معرض للأثاث المنزلي تتأمل لافتة الأسعار، بعدما مُسحت أرقام الماركات المستوردة. وعندما سألت عن السبب، أجاب صاحب المحل يوسف (50 عاما) قائلا “كل قطع الأثاث باتت تُسعّر على أساس سعر الدولار الأمريكي في السوق الحرة”.
وبينما بدت المحال التجارية المجاورة شبه خالية من الزبائن، تابع يوسف حديثه قائلا “قبل نحو شهرين كانت السوق راكدة والأسعار تراجعت قليلا بسبب الحرب، لكن بعد الحصار البحري تضاعفت الأسعار. لا توجد حركة شرائية، فالزبون لم يعد يأتي حتى للاستفسار، لأن الجميع يدرك أن شراء السلع المستوردة أصبح حلما بعيد المنال”.
أما مينا، فأعربت عن ندمها لأنها كانت تخطط لشراء مكيف مطلع العام الجاري لكنها أجّلت الأمر بسبب الاحتجاجات الشعبية آنذاك، ثم اعتبرت إنفاق أموالها مخاطرة بعد اندلاع الحرب التي دمرت منازل عدد من جيرانها.
وأضافت للجزيرة نت أن قدرتها الشرائية انقلبت رأسا على عقب مقارنة بما كانت عليه قبل أشهر قليلة، مشيرة إلى أن الأسواق ما تزال مليئة بالسلع من مختلف الماركات المحلية والأجنبية، لكن الأسعار لم تعد كما كانت سابقا.
ولم يعد هذا المشهد مقتصرا على سوق البضائع المستوردة. فعلى بُعد خطوات، يروي سلمان (32 عاما)، وهو عامل يومي في أحد المطاعم الشعبية، القصة ذاتها لكن بنبرة أكثر تشاؤما، قائلا “تفاجأت بمضاعفة سعر الخبز التقليدي (سنكك) منذ مطلع الأسبوع الجاري”.
وأضاف للجزيرة نت أن مخابز القطاع العام، التي لم تسمح لها الحكومة برفع الأسعار، بدأت تتذرع بإضافة السمسم أو ألياف الخضار المجففة وما شابه ذلك لبيع منتجاتها بأسعار أعلى.
أسعار الدواجن تضاعفت خلال الفترة الأخيرة بطهران (الجزيرة)
رفوف البقالة
من جانبه، أوضح أحد العاملين في أحد المخابز أن المحل الذي يعمل فيه يتبع للقطاع الخاص، وأنه يشتري الدقيق بأسعار حرة تختلف عن سعر الدقيق المدعوم حكوميا، والذي يبدو أنه ما يزال ثابتا نظريا، رغم ارتفاع أسعار البلاستيك والنقل والطاقة وغيرها من النفقات التي تضاعفت مؤخرا بفعل التضخم أولا، ثم الحصار البحري ثانيا.
وأضاف للجزيرة نت “أُجبرنا على رفع سعر الخبز لتعويض الخسائر ليس إلا”.
وخلال جولة أجراها مراسل الجزيرة نت على عدد من متاجر السلع الأساسية، وتحدث خلالها إلى زبائن في مناطق مختلفة من طهران، تبيّن أن أسعار الأرز من الدرجة الأولى ارتفعت بأكثر من 208%، كما ارتفعت أسعار الزيوت بنحو 308%، فيما تضاعفت أسعار لحوم الدواجن، بينما لم تتأثر أسعار الأسماك بتطورات الحرب الأخيرة حتى الآن.
بدوره، قال برديا (51 عاما)، صاحب بقالة في حي حمزه آباد جنوبي طهران، إن العديد من السلع مثل المعكرونة والألبان والبقوليات والمعلبات ما تزال أسعارها مناسبة ولم تشهد زيادات ملحوظة حتى الآن، مستدركا أن أسعار هذه السلع ارتفعت بما يتناسب مع مؤشر التضخم السنوي ورفع أجور العمال والموظفين في السنة الإيرانية الجديدة.
حراك رسمي
في خضم هذه الأرقام الصادمة، وجد البرلمان الإيراني نفسه مضطرا إلى كسر صمته، فعقد يوم الإثنين جلسة عبر الفضاء الافتراضي بحضور وزير الجهاد الزراعي غلام نوري قزلجه، لبحث سبل مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة.
وفي السياق، نقلت الصحافة الفارسية عن عضو هيئة الرئاسة في البرلمان علي رضا سليمي قوله إن “جزءا من الغلاء سببه الحرب، أما القسم الأكبر فلا مبرر له على الإطلاق”، متهما جهات داخلية باستغلال الظروف الراهنة لتحقيق أرباح فاحشة.
كما شدد النائب سليمي على عزم البرلمان عقد سلسلة اجتماعات عاجلة مع الفريق الاقتصادي الحكومي لمحاسبة الجهات التي تقف وراء تفشي الغلاء.
أسعار الخبز تشهد ارتفاعا في طهران (الجزيرة)
شاهد ايضاً
قطاعات متضررة
من جانبها، قدّمت نازنين جورجي، الناشطة الاقتصادية وعضو غرفة إيران للتجارة والصناعة، تفسيرا لتداعيات الحصار البحري على أسعار السلع المستوردة، قائلة إن “الموجة التي نعيشها ليست مجرد ارتفاع في أسعار الصرف، بل هي هندسة جديدة للتكلفة فرضها الحصار البحري”.
وأضافت أن إغلاق الممرات المائية لم يمنع وصول البضائع فقط، بل ضاعف أيضا كلفة ما يصل منها بفعل ثلاثة عوامل متزامنة، هي “ارتفاع أجور النقل، وقفزة أسعار التأمين، فضلا عن ارتفاع سعر الصرف في إيران”.
وفي حديثها للجزيرة نت، أشارت جورجي إلى أنه مع افتراض بقاء الطلب على حاله، فإن أي نقص في المعروض من السلع المستوردة يدفع الأسعار تلقائيا نحو الارتفاع، موضحة أن الحصار جعل الندرة واقعا يوميا، وأن السوق يترجم ذلك مباشرة إلى موجات غلاء.
وردا على سؤال بشأن ارتفاع أسعار المنتجات المحلية، كشفت الناشطة الاقتصادية عن “حلقة النار” التي تلتهم الاقتصاد بسبب تضرر قطاعي البتروكيماويات والصلب جراء الحرب الأخيرة، موضحة “عندما يتوقف إنتاج هذين القطاعين، لا يقتصر الضرر على مصانع البلاستيك والحديد، بل ينسحب فورا على كل ما حولنا”.
أما القطعة الأخرى من اللغز، بحسب جورجي، فتكمن داخل الحدود نفسها، حيث يعمد تجار الجملة وأصحاب المستودعات إلى تسعير البضائع على أساس سعر الدولار في السوق الحرة.
وأوضحت أنه كلما ارتفع الدولار، أعادوا تسعير المخزون حتى قبل دفع ثمن الشحنات الجديدة، ليصبح الحصار محركا مزدوجا يقلص التدفق من الخارج ويضاعف الأسعار في الداخل عبر قناة الصرف، فيتحول المواطن إلى ضحية “حصار البحر وحصار الدولار”.
بغزيان يقول إن شريحة واسعة من الإيرانيين أصبحت مليارديرات على الورق (الجزيرة)
أغنياء فقراء
من جهته، اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران آلبرت بغزيان أن وجود السلع في واجهات المتاجر ليس مؤشرا على القدرة الشرائية في ظل غياب الزبائن، بل يعكس حقيقة أن الناس لم يعودوا قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية.
وأكد بغزيان للجزيرة نت أن “المنطق القائل إن السوق مليئة بالسلع، إذن الأوضاع بخير، هو إهانة لذكاء الناس الذين يفهمون الواقع جيدا، لكنهم باتوا مرهقين في تدبير لقمة العيش”.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين أصبحت “مليارديرات على الورق” نتيجة قفزة الأسعار السوقية لممتلكاتهم، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات الحياة بسبب التضخم، بعدما تآكل دخلها الحقيقي، فأصبحوا “أغنياء فقراء”.
كما أشار إلى حدوث تحول نوعي في طبيعة التضخم الإيراني بعد الحصار البحري الأمريكي، موضحا أن “التضخم المستفحل سابقا كان يحدث تدريجيا على مدار عام كامل، رغم آثاره المؤلمة، لكن بعد الحرب الأخيرة أصبحت الأسعار تقفز بوتيرة سريعة”، مرجعا ذلك إلى تعطل بنية الاستيراد نفسها، وليس فقط التحويلات المالية كما كان الحال سابقا.
ووجّه بغزيان انتقادات للحكومة بسبب غياب إرادة حقيقية لضبط الأسواق رغم امتلاكها الأدوات اللازمة، قائلا “لا ألمس رغبة جدية في لجم السوق. نظريا، تمتلك الدولة القدرة على تسهيل الاستيراد الفوري للضروريات، لكنها تتحرك بعد فوات الأوان. وعندما تتحرك، تكتفي بالإعلان عن اكتشاف بضع مئات من أطنان السلع المحتكرة، وكأن ذلك سيطعم أربعين مليون جائع”.
وطالب الأكاديمي الإيراني الجهات المعنية في بلاده بتدخل استثنائي على غرار ما يحدث في دول الحروب، قائلا “حتى أكثر الاقتصادات حرية تفرض إدارة للسوق في زمن الحرب. لا يمكن ترك الناس تحت رحمة المحتكرين والمضاربين بحجة اقتصاد السوق”.








