عمال بناء في القاهرة، مصر، 4 يونيو 2015 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
بدأت ارتدادات أزمة إغلاق مضيق هرمز تتسلل سريعاً إلى أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد المصري، حيث يشهد سوق العقارات صعوداً في أسعار الوحدات مع تزايد تكاليف البناء في مقابل هبوط في المبيعات، وذلك مع بداية ذروة موسم الطلب السنوي خلال الصيف وعودة المصريين العاملين في الخارج.
ويمثل هذا القطاع ملاذاً ادخارياً رئيسياً للمصريين ومحركاً مهماً للاستثمارات والتشغيل، إلا أنه مع استمرار التوترات السياسية والأمنية المرتبطة بالحرب الإيرانية، يتوقع مطورون عقاريون استمرار موجة ارتفاع الأسعار خلال العام الجاري، بفعل قفزات تكاليف البناء والطاقة، ويحذر خبراء من أن السوق قد يقترب في المقابل من حالة “ركود تضخمي” تجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ الطلب، في ظل ضغوط معيشية متزايدة ومخاوف من تباطؤ اقتصادي إقليمي قد ينعكس على تحويلات المصريين العاملين في الخارج.
رهان على الخليج
يراهن عدد من المطورين العقاريين وفق أحاديث مع “العربي الجديد” على استمرار الطلب الاستثماري والخليجي لإنقاذ السوق من التباطؤ، بينما يحذر آخرون من أن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من المداخيل، مع استمرار تراجع الجنيه أمام الدولار، مع فقده نحو 12% منذ اندلاع الحرب، يقود في النهاية إلى تباطؤ طويل الأمد، خصوصاً في ظل تزايد المعروض في المشروعات التجارية والإدارية الفاخرة وفوق المتوسطة، مقابل تركز الطلب الحقيقي في الإسكان المتوسط والصغير الموجه إلى محدودي الدخل.
يؤكد محللون، أن السوق العقارية المصرية تدخل مرحلة جديدة أكثر حساسية، تتحدد ملامحها ليس فقط داخل الشركات ومواقع البناء، بل على وقع تطورات الحرب وأسعار النفط والدولار وتحويلات العاملين في الخارج. يقول المهندس طارق شكري رئيس غرفة التطوير العقاري ورئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، إن أسعار العقارات في مصر مرشحة للارتفاع بنحو 10% خلال عام 2026، مدفوعة بزيادة تكاليف مواد البناء بنحو 20% خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة وتكاليف الشحن والنقل وتعطل سلاسل الإمداد منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
تأتي التقديرات في تصريحات متلفزة للمسؤول البرلماني، بينما يخشى مستثمرون ومطورون من أن تتجاوز الزيادات الفعلية حاجز 20% إذا استمرت الحرب واتسعت آثارها على أسواق الطاقة العالمية. ويعتمد على القطاع العقاري ملايين المصريين باعتباره أداة رئيسية للتحوط ضد التضخم وتراجع قيمة العملة، بينما تضع موجة الارتفاعات الجديدة السوق أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث ترتفع التكاليف والأسعار بوتيرة متسارعة وتتراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المشترين المحليين المتأثرين بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الفائدة.
يوضح عضو في غرفة المطورين العقاريين لـ” العربي الجديد” أن جانباً من السيولة التي كانت تتجه سابقاً إلى شراء العقارات بدأ يتحول مجدداً نحو الدولار، الذي يشهد ارتفاعاً مقابل الجنيه والعملات الأخرى في السوق المحلية، مع تزايد المخاوف من اتساع رقعة الحرب واضطراب الأوضاع الاقتصادية في المنطقة. في المقابل، يرى الدكتور حسن الصادي أستاذ التمويل بجامعة القاهرة، أن الحرب الإقليمية لم تحمل فقط آثاراً سلبية على السوق العقارية المصرية، بل خلقت موجة طلب جديدة من مستثمرين وأسر خليجية تسعى إلى نقل جزء من أموالها إلى أسواق أكثر استقراراً.
في تصريح لـ”العربي الجديد” يقول الصادي إن حالة الاضطراب الأمني والتراجع الذي شهدته بعض أسواق الأسهم الخليجية دفعت إلى زيادة الإقبال على العقارات الفاخرة وفوق المتوسطة في مصر بنسبة راوحت بين 7% و8% خلال الشهر الماضي، مضيفاً أن هذا الزخم قد يستمر خلال الأسابيع المقبلة ويعوض جزئياً تراجع الطلب من المشترين المصريين. يضيف الصادي أن الكثير من الأسر المصرية أصبحت أكثر تحفظاً في قرارات الشراء، في ظل مخاوف تتعلق بالوظائف والدخول، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تعتمد على تحويلات العاملين في الخليج.
ويخشى خبراء اقتصاديون من أن يؤدي استمرار الحرب من دون أفق زمني واضح إلى تباطؤ اقتصادي في الخليج، بما ينعكس على مستويات التوظيف والتحويلات، وهو ما قد يضعف أحد أهم مصادر تمويل الطلب العقاري في مصر خلال السنوات الماضية.
محاولة تطويق الأزمة
في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، قال أسامة سعد الدين الأمين العام لغرفة المطورين العقاريين لـ” العربي الجديد”، إن القطاع ينتظر انتهاء مجلس الوزراء من تشكيل مجلس الإدارة الجديد لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، المقدم من وزيرة الإسكان راندا الشناوي، تمهيداً لإطلاق مبادرة لإنقاذ القطاع العقاري من الدخول في موجة ركود تضخمي.
يضيف سعد الدين أن المبادرة، التي جرى التوافق عليها الأسبوع الماضي بين طارق شكري رئيس الغرفة ووزيرة الإسكان راندا المنشاوي، تتضمن إعادة تفعيل مبادرات التمويل العقاري منخفض الفائدة، ومنح المطورين غير القادرين على استكمال مشروعاتهم مهلة إضافية لمدة ستة أشهر لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد وصعوبات استيراد مستلزمات البناء.
شاهد ايضاً
بحسب سعد الدين، تشمل التسهيلات، تمديد التيسيرات الحكومية الممنوحة للمطورين، والتي كان مقرراً انتهاؤها في يونيو المقبل، حتى يوليو 2027، إلى جانب خفض نسبة التنفيذ المطلوبة لتسليم المشروعات إلى هيئة المجتمعات العمرانية من 80% إلى 70%، بما يمكنهم من الحصول على مستحقاتهم المالية.
يقول المطورون إن خفض نسبة التنفيذ المطلوبة يمثل محاولة لتخفيف الضغوط التمويلية على الشركات في ظل ارتفاع التكلفة وصعوبة تدبير السيولة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حد أدنى يثبت جدية المطورين ويحفظ حقوق المشترين.
ويشرح سعد الدين أن التوترات والحروب المحيطة بمصر انعكست “بشكل إيجابي” على السوق المصرية، معتبراً أن مصر أصبحت “مركز الفرص” الرئيسي في المنطقة مقارنة بدول أخرى تشهد اضطرابات، مشيراً إلى أن الأمن والاستقرار أصبحا من أهم عناصر جذب الاستثمار عالمياً، ودفعا شركات عربية، حققت معدلات ربحية مرتفعة ومستقرة في السوق المصرية إلى استمرار خطط التوسع بمصر خلال 2026.
تراكم الضغوط
يرى الخبير العقاري محمد راشد أن السوق العقارية المصرية تقترب من مرحلة “إعادة تسعير كبرى”، مدفوعة بتراكم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنشاء وتقلبات سعر الصرف وتغير أنماط الطلب.
ويقول راشد في بيان صحافي، إن السوق ينتقل حالياً من “التسعير التقديري” القائم على توقعات مستقبلية وهوامش أمان مرتفعة، إلى تسعير يعتمد بصورة أكبر على التكلفة الفعلية للتنفيذ، مع تزايد صعوبة التنبؤ بالأسعار وارتفاع مخاطر التنفيذ. يضيف أن موجات إعادة التسعير لن تكون موحدة بين الشركات والمشروعات، بل ستختلف بحسب قدرة كل مطور على توفير السيولة وإدارة التكلفة والالتزام بالجداول الزمنية، بما سيؤدي إلى ظهور فجوات سعرية واضحة حتى داخل المنطقة الواحدة.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تغيراً في معايير تقييم العقارات، بحيث لن يكون الموقع وحده المحدد الرئيسي للسعر، بل ستبرز أيضاً عوامل مثل جودة التنفيذ وكفاءة التشغيل ومستوى الخدمات والالتزام بالتسليم. يرى راشد أن ما يحدث حالياً يجمع بين “التضخم” و”التصحيح السعري” في الوقت نفسه، حيث نشهد ارتفاعاً حقيقياً في التكلفة من جهة، وفي المقابل إعادة تقييم لأسعار بعض الأصول التي كانت مبالغاً فيها أو لا تعكس القيمة الحقيقية.
وقال إن العملاء أصبحوا أكثر حذراً وأقل اندفاعاً في قرارات الشراء، مع تركيز أكبر على مصداقية المطور وجودة المشروع، وهو ما قد يؤدي إلى شراء انتقائي و”فرز” داخل السوق بين الشركات القوية مالياً وإدارياً وتلك غير القادرة على التكيف مع الظروف الجديدة.
ويتفق الاستشاري وأستاذ الإنشاءات ممدوح حمزة، على أن السوق تعاني بالفعل خللاً هيكلياً بين العرض والطلب، مع تركز أكثر من 80% من الطلب الحقيقي في شريحة محدودي الدخل ومتوسطيه، بينما تركز أغلب المشروعات المطروحة على الفئات الاستثمارية أو الإسكان الأعلى سعراً، مؤكداً لـ ” العربي الجديد” موجة الارتفاعات الحادة بدأت بالفعل في التراجع لدى بعض الشركات الكبرى، بعد زيادات مدفوعة بتوقعات “مبالغ فيها” بشأن انهيار سعر الجنيه عام 2024، حيث أجروا حساباتهم على بلوغ الدولار مستوى 100 جنيه.
أشار أعضاء في اتحاد مقاولي البناء والتشييد، إلى أن أسعار الفائدة وسعر الدولار يظلان العاملين الأكثر تأثيراً على السوق العقارية، سواء من حيث الأسعار أو قدرة المطورين على الوفاء بالتزاماتهم، وهو ما ينعكس على ثقة العملاء، خاصة مع زيادة المعروض وظهور مطورين جدد يفتقر بعضهم إلى الملاءة المالية الكافية، منبّهين إلى أن بيانات السوق وتقاريره تظهر قفزات في أسعار العقارات في بعض المناطق المصرية، مدفوعة بمزيج من التضخم والمضاربة وتحول العقار إلى وعاء ادخاري.








