تبدأ أسواق المواشي في بغداد والمحافظات العراقية مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك، بالازدحام، وتتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون الأغنام والعجول في ساحات البيع المفتوحة، بينما يتنقل المواطنون بين الحظائر بحثاً عن أضحية تناسب قدرتهم المالية. لكن المشهد هذا العام يبدو مختلفاً، فالكثير من العائلات العراقية باتت تكتفي بالسؤال عن الأسعار ثم المغادرة، بعد أن تحولت الأضحية بالنسبة إلى شريحة واسعة إلى عبء مالي يصعب تحمله في ظل الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
ورغم أن الأضحية تمثل شعيرة دينية واجتماعية راسخة لدى العراقيين، فإن ارتفاع أسعار المواشي، بالتزامن مع زيادة تكاليف المعيشة والإنفاق اليومي، جعل الكثير من الأسر تعيد حساباتها، خصوصاً مع مداخيل محدودة لا تواكب التضخم الذي يطال مختلف مفاصل الحياة.
ويقول باعة في أسواق بغداد إن أسعار الأغنام المخصصة للأضاحي تتراوح هذا العام بين 350 ألف دينار عراقي (نحو 267 دولاراً أميركياً) و500 ألف دينار عراقي (نحو 382 دولاراً أميركياً) للرأس الواحد، بحسب الوزن والعمر والنوع، فيما ترتفع أسعار بعض الأنواع ذات الأوزان الكبيرة إلى أكثر من ذلك.
أسعار تتجاوز قدرة العائلات
في سوق النهروان ببغداد، يقف أبو علي، وهو موظف حكومي خمسيني، متأملاً مجموعة من الأغنام المعروضة للبيع قبل أن ينسحب من دون شراء. ويقول، “قبل سنوات كانت الأضحية أمراً أساسياً بالنسبة لنا، أما اليوم فأصبحنا نفكر أولاً بإيجار البيت ومصاريف الأطفال والديون. الأسعار مرتفعة جداً مقارنة بالدخل”.
ويضيف أن راتبه “لم يعد يكفي لنهاية الشهر”، مشيراً إلى أن شراء أضحية بسعر يصل إلى نصف مليون دينار عراقي (382 دولاراً أميركياً تقريباً) “أصبح قراراً يحتاج إلى تضحية مالية كبيرة”.
ولا تختلف حال العائلات محدودة الدخل كثيراً، إذ يرى مراقبون أن القدرة الشرائية تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات والنقل، إلى جانب استمرار البطالة بين الشباب والعمل غير المستقر لشرائح واسعة من المجتمع.
ويقول المواطن العراقي، حيدر كريم، وهو عامل بالأجر اليومي، إن فكرة شراء أضحية هذا العام “شبه مستحيلة”. وأضاف، “إذا كان دخلي اليومي متذبذباً، فكيف يمكنني توفير 400 أو 500 ألف دينار عراقي دفعة واحدة؟ كثير من الناس أصبحت تشترك بأضحية واحدة أو تكتفي بشراء اللحم وتوزيعه”.
مواسم العيد تنعش الأسواق
رغم الشكوى من الغلاء، تشهد أسواق المواشي حركة بيع وشراء متصاعدة مع اقتراب العيد، إذ يعتمد مربو المواشي على هذه الفترة بوصفها الموسم الأهم خلال السنة.
ويقول تاجر المواشي أبو سجاد إن الأسعار الحالية “ليست مبالغاً فيها مقارنةً بتكاليف التربية”.
وأوضح أن أسعار الأعلاف والنقل والأدوية البيطرية ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، ما انعكس مباشرةً على سعر الأضاحي. وأضاف أن “المربي يدفع مبالغ كبيرة على العلف والرعاية والنقل، وحتى أجور العمال ارتفعت. لذلك من الطبيعي أن ترتفع الأسعار، خصوصاً مع زيادة الطلب قبل العيد”.
عراقيان يتحدثان في سوق الكفل جنوبي محافظة بابل قبل شراء أضحية، في 24 مايو الحالي (أ ف ب)
العلف والنقل يرفعان الكلفة
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي والزراعي أن ارتفاع أسعار الأضاحي يرتبط بعدة عوامل، أبرزها زيادة أسعار الأعلاف المستوردة، وارتفاع تكاليف النقل بين المحافظات، إضافة إلى تأثر الثروة الحيوانية بموجات الجفاف وتراجع المراعي الطبيعية في بعض المناطق.
شاهد ايضاً
ويقول الباحث الاقتصادي أحمد الساعدي إن “أسعار المواشي في العراق تتأثر بشكل مباشر بسوق الأعلاف العالمية وتقلبات سعر الدولار، لأن جزءاً مهماً من مستلزمات التربية مستورد من الخارج”. وأضاف أن “كل ارتفاع في تكاليف النقل أو الأعلاف ينعكس فوراً على سعر المواشي، وفي المقابل فإن دخل المواطن لم يشهد نمواً حقيقياً يوازي هذا الارتفاع”.
وأشار إلى أن سعر الأضحية الذي يتراوح بين 350 ألفاً و500 ألف دينار عراقي، أي ما بين 267 و382 دولاراً أميركياً، يمثل عبئاً واضحاً على العائلات ذات الدخل المحدود، خصوصاً مع التزامات العيد الأخرى مثل الملابس والمواد الغذائية والضيافة.
الأضحية بين البعد الديني والواقع الاقتصادي
ورغم الضغوط الاقتصادية، لا يزال كثير من العراقيين يحرصون على أداء شعيرة الأضحية لما تمثله من قيمة دينية واجتماعية، إذ ترتبط بمظاهر التكافل وتقسيم اللحوم على الأقارب والفقراء والمحتاجين.
ويقول رجل الدين الشيخ قاسم اللامي إن الإسلام “لا يفرض الأضحية على غير القادر”، مشيراً إلى أن “الغاية الأساسية من الشعيرة هي التقرب إلى الله ونشر التكافل، وليس إثقال كاهل العائلات بالديون”. وأضاف أن “الظروف الاقتصادية دفعت بعض الأسر إلى البحث عن بدائل مثل الاشتراك الجماعي أو التبرع بمبالغ مالية للمحتاجين”.
الإقبال يتراجع مقارنةً بالأعوام الماضية
في محافظة نينوى، يؤكد مربو مواشٍ أن حجم الإقبال هذا العام أقل من مواسم سابقة، رغم استمرار الحركة في الأسواق.
ويقول المربي سعد الحمداني إن كثيراً من المواطنين يزورون الأسواق للاستفسار فقط من دون إتمام عملية الشراء. وأضاف أن “هناك حذر واضح لدى الناس. البعض ينتظر الأيام الأخيرة أملاً بانخفاض الأسعار، والبعض الآخر قرر إلغاء فكرة الأضحية أساساً”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الأنبار، يقول تجار إن الطلب ما زال موجوداً لكنه يتركز على الأنواع الأرخص والأوزان الأقل، في حين تراجعت مبيعات العجول الكبيرة مقارنةً بالسنوات الماضية.
موسم ديني بطابع اقتصادي ثقيل
ومع استعداد المدن العراقية لاستقبال عيد الأضحى بأجواء دينية واجتماعية واسعة، يبقى العامل الاقتصادي حاضراً بقوة هذا العام، إذ تحولت الأضحية لدى كثير من العائلات من شعيرة موسمية معتادة إلى معادلة مالية معقدة تتداخل فيها الرواتب المحدودة وارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة اليومية.
ورغم ذلك، يواصل كثير من العراقيين التمسك بالعادات المرتبطة بالعيد، ولو بحدود أقل من السابق، في مشهد يعكس محاولة الموازنة بين الالتزام الديني والواقع الاقتصادي الصعب الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.








