عاد الجدل مجددا حول أسعار الكشف في العيادات الخاصة، بعد دعوات أطلقها بعض الأطباء لوضع حد أدنى لقيمة “الفيزيتا”، وهو ما أثار نقاشا واسعا بين مؤيد يرى أن الطبيب يواجه أعباءً اقتصادية متزايدة، ومعارض يخشى أن يتحول العلاج إلى عبء يفوق قدرة كثير من الأسر المصرية.
متحدث الصحة يعلق على أسعار الكشف في العيادات الخاصة
وفي خضم هذا الجدل، أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن الدولة تعمل على توسيع مظلة الخدمات الصحية وضمان حصول المواطنين على الرعاية الطبية المناسبة من خلال منظومة متكاملة تشمل المستشفيات الحكومية والتأمين الصحي والمبادرات الرئاسية المختلفة.
القطاع الصحي الحكومي
وأوضح عبد الغفار أن القطاع الصحي الحكومي يشهد تطويرا مستمرا خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل أو رفع كفاءة المستشفيات والوحدات الصحية وتحديث التجهيزات الطبية، بما يضمن توفير خدمات علاجية وتشخيصية للمواطنين بجودة متزايدة.
منظومة التأمين الصحي الشامل
وأضاف أن منظومة التأمين الصحي الشامل تمثل أحد أهم مشروعات الإصلاح الصحي في مصر، وتهدف إلى إتاحة الخدمة الطبية لجميع المواطنين دون أن تشكل التكلفة عائقا أمام الحصول على العلاج، مشيرا إلى أن الدولة تستثمر بشكل كبير في البنية التحتية الصحية والكوادر الطبية والتجهيزات الحديثة.
اقرأ أيضا: التأمين الصحي الشامل يرفع أسعار الخدمات الطبية مطلع 2026.. لماذا؟
حق الطبيب لا خلاف عليه
ولا يختلف اثنان على أن الطبيب يتحمل أعباءً متزايدة في إدارة عيادته الخاصة، بدءا من تكلفة الأجهزة والمستلزمات الطبية والإيجارات ورواتب العاملين، وصولا إلى معدلات التضخم التي أثرت على مختلف القطاعات، ومن ثم فإن من حق الطبيب أن يحصل على مقابل عادل لعلمه وخبرته وجهده، لكن في المقابل، يظل السؤال مطروحا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حق الطبيب في أجر عادل، وحق المريض في الوصول إلى الخدمة الطبية دون أن تتحول تكلفة العلاج إلى عبء إضافي فوق عبء المرض نفسه؟
هل يلجأ المواطن للقطاع الخاص بسبب ضعف الخدمة الحكومية؟
يرى البعض أن ارتفاع أسعار الكشف الخاص أصبح واقعًا مفروضًا بسبب تراجع الخدمات الحكومية، إلا أن هذا الطرح لا يعكس الصورة كاملة.
فوفقا لما تؤكد وزارة الصحة، شهدت السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في الخدمات الصحية الحكومية، سواء عبر المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض أو من خلال تطوير المستشفيات وتطبيق التأمين الصحي الشامل تدريجيا في المحافظات المختلفة.
كما أن كثيرا من المرضى يلجؤون إلى عيادات خاصة لأسباب تتعلق بالمتابعة المستمرة مع طبيب معين أو الثقة الشخصية أو الخصوصية، وليس بالضرورة بسبب غياب البديل الحكومي.
شاهد ايضاً
قد يهمك: بعد غلاء أسعار البروتين الحيواني- طبيب يكشف أطعمة صحية بديلة
القطاع الطبي لا يخضع لقواعد المنافسة التقليدية
اقتصاديا، لا يخضع القطاع الطبي دائما لقواعد المنافسة التقليدية، فالمريض غالبا لا يملك رفاهية المقارنة بين الأسعار عندما يكون في حاجة إلى العلاج، كما أن الشهرة والخبرة والثقة تلعب دورا مهما في اختيار الطبيب، وهو ما يفسر الفروق الكبيرة أحيانا بين أسعار الكشف من عيادة لأخرى.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تعميم الأرقام المرتفعة المتداولة على جميع الأطباء، إذ لا تزال هناك عيادات كثيرة تقدم خدماتها بأسعار مناسبة نسبيا، بينما تتركز الأرقام الأعلى غالبا لدى عدد محدود من الأسماء ذات الشهرة الواسعة.
الرسالة قبل الفاتورة
ويؤكد الدكتور حسام عبد الغفار في أكثر من مناسبة أن الدولة تنظر إلى الصحة باعتبارها حقا أساسيا للمواطن، وأن تطوير المنظومة الصحية يستهدف ضمان العدالة في الحصول على الخدمة الطبية لجميع الفئات.
ويبقى جوهر القضية أن الطب ليس تجارة بالمعنى التقليدي، كما أنه ليس عملًا خيريًا بالكامل. فالطبيب يستحق أجرًا كريمًا، لكن تبقى إنسانية المهنة حاضرة عندما لا يتحول المقابل المادي إلى حاجز يمنع المريض من الوصول إلى العلاج.
ولذلك، قد يكون الحل الأقرب إلى التوازن هو التوافق داخل المجتمع الطبي على أسعار استرشادية تراعي التفاوت الاقتصادي بين المواطنين، مع استمرار الدولة في التوسع بالخدمات الصحية والتأمين الصحي الشامل، بحيث تظل الرعاية الطبية حقًا متاحًا للجميع، وتحافظ في الوقت نفسه على كرامة الطبيب وتقدير جهده.
ففي النهاية، يظل الطب قبل كل شيء رسالة إنسانية، غايتها الأولى أن يجد المريض بابًا مفتوحا للعلاج، وأن يجد الطبيب التقدير الذي يستحقه، دون أن يطغى أحد الحقين على الآخر.








