بالتزامن مع استمرار المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، وتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي، يواصل الريال الإيراني تراجعه. وبلغ سعر صرف الدولار الواحد في سوق طهران، الخميس الـ23 من يوليو (تموز) الجاري، 192 ألفاً و500 تومان، إلا أن تقارير وردت إلى “اندبندنت فارسية” من مكاتب الصرافة في طهران تشير إلى أن قلة من البائعين مستعدون لبيع الدولار بأقل من 197 ألف تومان، في ظل توقعات واسعة بين المتعاملين بتجاوز سعر الصرف حاجز 200 ألف تومان خلال الأيام المقبلة.
ارتفاعات قياسية
في الوقت نفسه، سجلت أسعار اليورو والجنيه الاسترليني والدرهم الإماراتي والذهب ومختلف فئات السبائك الذهبية ارتفاعات قياسية جديدة، بالتوازي مع تسارع وتيرة ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات. ويحذر كثيرون من الاقتصاديين من أن استمرار تراجع قيمة الريال سيفرض موجة جديدة من التضخم على الاقتصاد الإيراني، سيكون الموظفون والمتقاعدون والعمال أوائل ضحاياها.
ورسم الخبير الاقتصادي الإيراني مير محمد غلواني، خلال ندوة “آفاق الاقتصاد الإيراني 2026″، سيناريوهين لمستقبل سوق الصرف، “ففي السيناريو الأول، إذا استمرت الأوضاع الراهنة من دون اندلاع حرب أوسع أو التوصل إلى اتفاق سياسي جوهري، فإن النماذج الاقتصادية تتوقع أن يتراوح متوسط سعر الدولار الواحد بين نحو 190 ألف تومان و258 ألف تومان، في وقت تدور متوسطات هذه التقديرات بين 230 ألف تومان و240 ألف تومان. أما في السيناريو الثاني، ومع التهديدات العلنية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن هجمات أوسع وأكثر عنفاً، فإذا تصاعدت المواجهات العسكرية، وتوقفت صادرات النفط الإيرانية بالكامل، وارتفعت معدلات التضخم والسيولة النقدية، فقد يتجاوز متوسط سعر الصرف للدولار الواحد 280 ألف تومان”.
تثبيت سعر الصرف؟
وأكد غلواني أيضاً أنه في ظل معدلات التضخم المرتفعة جداً، لم يعد بالإمكان تثبيت سعر الصرف بقرارات إدارية كما كان يحدث في السابق، إذ باتت الضغوط التضخمية تنعكس بوتيرة أسرع على سوق العملات.
في السياق ذاته، نقل كل من “خبر أونلاين” ووكالة “إرنا” للأنباء استناداً إلى آراء خبراء اقتصاديين، أن نمو السيولة النقدية، واستمرار التضخم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وعجز الموازنة، ومحدودية موارد النقد الأجنبي، وتصاعد حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، تمثل أبرز العوامل المؤثرة في سوق الصرف. وحتى عبدالناصر همتي رئيس البنك المركزي أقر بأن سعر الصرف لا يمكن تثبيته إدارياً عند مستوى معين لفترة طويلة، بمعزل عن معدلات التضخم والسيولة النقدية وموارد النقد الأجنبي.
التضخم المزمن
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي الإيراني رحمان سعادت أن ارتفاع سعر الصرف لا يعود فقط للتطورات العسكرية، بل تسهم فيه أيضاً عوامل مثل التضخم المزمن، ونمو السيولة النقدية، وارتفاع الإنفاق الحكومي. وأوضح أن أسعار كثير من السلع تضاعفت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على سوق الصرف، وأضاف أن الآثار الاقتصادية للحروب تظهر عادة بعد أشهر عدة، وأن الضغوط التضخمية الناجمة عنها بدأت تتجلى الآن.
في هذا السياق، أقرت وكالة “تسنيم” التابعة لـ”الحرس الثوري”، في تحليل لها، بأن وصول سعر الدولار الواحد إلى مستوى 190 ألف تومان لا يمثل مجرد رقم قياسي جديد، بل يعكس تصاعد حالة عدم اليقين في الاقتصاد الإيراني. وبحسب التقرير، فإن الأسر تتجه في أوقات الحرب إلى شراء العملات الأجنبية والذهب للحفاظ على قيمة مدخراتها، في وقت يبادر المنتجون إلى شراء المواد الأولية مبكراً لتجنب توقف الإنتاج، ويزيد المستوردون طلبهم على العملات الأجنبية خشية تطورات المستقبل، وهو ما يفاقم الضغوط على سوق الصرف.
تكاليف المعيشة
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن ارتفاع سعر الدولار لا يقتصر على كونه رقماً يتغير على شاشات مكاتب الصرافة، بل ينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة. ففي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الأولية، والمعدات الصناعية، والأدوية، والآلات، وحتى جزء من السلع الأساسية، سرعان ما ينعكس ارتفاع سعر الصرف على أسعار السلع والخدمات. ولهذا، فإن كل موجة جديدة من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية تؤدي، خلال فترة قصيرة، إلى زيادة تكاليف الغذاء، والسكن، والنقل، والعلاج، وغيرها من الاحتياجات اليومية للأسر.
شاهد ايضاً
وتشير تقارير وردت إلى “اندبندنت فارسية” إلى أن كثيراً من التجار في أسواق طهران امتنعوا خلال الأيام الأخيرة عن طرح بضائعهم للبيع، أو عمدوا إلى تغيير الأسعار بصورة يومية، وأحياناً كل بضع ساعات. ويقول بعض أصحاب المتاجر إن غياب رؤية واضحة لمستقبل سعر الصرف أفقدهم القدرة على وضع أسعار طويلة الأجل، بل وحتى البيع بالتقسيط أو بالآجل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحت خط الفقر
في الوقت نفسه، ازدادت الأزمة المعيشية للعمال عمقاً، فبحسب تقرير لوكالة “إيلنا” للأنباء، لم يتقاض عدد كبير من العاملين في الوحدات الإنتاجية والخدمية رواتبهم منذ أشهر، في وقت لا يزال بعضهم، حتى بعد عودته للعمل، ينتظر صرف أجور شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين. وحذر أكبر شوكت الأمين التنفيذي لـ”بيت العامل” (خانه کارگر) في مدينة قم، من أن معظم العمال في إيران يعيشون منذ سنوات تحت خط الفقر، مضيفاً أنه إذا استمر الوضع الراهن، فإن البلاد ستواجه بحلول نهاية الصيف توترات واسعة في القطاع العمالي.
خلال الأسابيع الماضية، نشرت أيضاً تقارير عن إضراب عمال شركة تبريز لصناعة السيارات (ماشين سازى تبريز)، واحتجاجات موظفي قطاع الصحة والعلاج، وتصاعد الاستياء من تأخر صرف الأجور. ويؤكد ناشطون عماليون أن تزامن التضخم، وارتفاع سعر الصرف، والبطالة، والحرب، دفع القدرة الشرائية للأسر العمالية إلى أدنى مستوياتها خلال السنوات الأخيرة.
عدم اليقين السياسي والأمني
في ظل هذه الظروف، وبينما يحاول بعض المسؤولين الاقتصاديين في النظام الإيراني حصر أسباب ارتفاع سعر الصرف في العوامل النقدية أو المتغيرات الاقتصادية، يرى كثير من المحللين أن استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني يؤدي دوراً أساسياً في تفاقم الأزمة، كما أن ارتفاع الإنفاق الحكومي، واتساع عجز الموازنة، ومحدودية الوصول إلى موارد النقد الأجنبي، وتراجع آفاق الاستثمار، وتخصيص جزء كبير من إيرادات الدولة للقطاع العسكري، كلها عوامل، إلى جانب التضخم المزمن، زادت الضغوط على الريال الإيراني وأدت إلى مزيد من تراجع قيمته.
ويعد ارتفاع سعر الدولار مؤشراً إلى التراجع المستمر في قيمة العملة الوطنية، وعلى تقلص القدرة المعيشية لملايين الأسر الإيرانية. وفي وقت يترقب فيه السوق تجاوز الدولار الواحد حاجز 200 ألف تومان، لم يعد القلق الرئيس لدى كثير من المواطنين يقتصر على سعر الصرف، بل بات يتمثل في التساؤل عما إذا كانت دخولهم الثابتة ستظل قادرة على تغطية أبسط متطلبات الحياة إذا استمر هذا المسار.







