يعيش الموظف اليمني اليوم واقعاً مالياً مغايراً تماماً لما كان عليه الوضع قبل سنوات، حيث أصبح صرف الرواتب في صنعاء محكوماً بمعايير تختلف جوهرياً عن تلك المعمول بها في المحافظات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً في عدن، فلم يعد الملف المالي مجرد ميزانية موحدة تديرها جهة واحدة، بل انقسمت الإدارة بين سلطتين تتقاسمان الجغرافيا والمؤسسات الرسمية، وهما حكومة الإنقاذ في صنعاء والحكومة المعترف بها في عدن، مما أدى إلى خلق فجوة واسعة في مواعيد الصرف وقيم المبالغ ومصادر التمويل المعتمدة لدى كل طرف.
إن هذا الانقسام الإداري والسياسي لم يتوقف عند حدود السيطرة الميدانية، بل امتد ليشمل البنية التحتية للاقتصاد الوطني، حيث تحول النظام المالي من مركزية موحدة إلى كيانين متنافرين يتنافسان على الشرعية المالية، مما جعل الموظف البسيط ضحية لتجاذبات السياسة وتعقيدات الاقتصاد، وهو ما سنقوم بتفصيله في هذا التقرير الذي يتبع جذور الأزمة وتداعياتها على معيشة المواطنين.
قد يعجبك أيضا :
يسلط هذا التقرير الضوء على مسببات الازدواجية المؤسسية في اليمن، مع إجراء مقارنة دقيقة بين وضع الموظفين في العاصمة صنعاء ونظرائهم في مدينة عدن وبقية المحافظات، وتتبع المسار الذي تحول من خلاله البنك المركزي اليمني من ركيزة للاستقرار إلى مؤسستين ماليتين متوازيتين.
أصل الحكاية: سلطتان وبنكان مركزيان
لفهم الجذور العميقة لاختلاف الرواتب، يجب العودة إلى عام 2016 الذي مثل منعطفاً حاداً في تاريخ الاقتصاد اليمني، حيث كان البنك المركزي في صنعاء يتولى حتى ذلك الوقت صرف مستحقات كافة موظفي الدولة في جميع المحافظات، ولكن في سبتمبر من العام ذاته، اتخذت الحكومة المعترف بها دولياً قراراً بنقل مركز البنك إلى عدن، مما دشن مرحلة الانقسام المالي الفعلي.
قد يعجبك أيضا :
ترتب على هذا القرار وجود إدارتين مصرفيتين مستقلتين، حيث تتبع إدارة عدن الحكومة الشرعية وتعمل بدعم إقليمي، بينما تواصل إدارة صنعاء العمل تحت سلطة حكومة الإنقاذ، ومع هذا التشظي النقدي، تباينت السياسات المالية واختلفت العملات المتداولة، مما ضاعف من معاناة الموظفين وزاد من صعوبة تنسيق التحويلات المالية بين المدن.
من يدفع لمن؟ خريطة الصرف بين صنعاء وعدن
في المناطق التابعة لحكومة عدن، يقع عاتق صرف الرواتب على البنك المركزي هناك، والذي يعتمد في تغطيته المالية على الإيرادات العامة المتاحة والمنح الخارجية، وفي المقابل، تدير سلطات صنعاء ملف الموظفين لديها عبر آليات تعتمد بشكل أساسي على الجبايات المحلية والموارد التي تقع ضمن نطاق سيطرتها.
| وجه المقارنة | محافظات حكومة عدن | محافظات حكومة صنعاء |
|---|---|---|
| الجهة المسؤولة عن الصرف | البنك المركزي – عدن | البنك المركزي – صنعاء |
| مصادر التمويل الأساسية | الإيرادات العامة + الدعم الخارجي | الموارد المحلية والجبايات |
| آلية الصرف | مرتبطة بتدفق السيولة والنفط | مرتبطة بالميزانيات التشغيلية المتاحة |
قد يعجبك أيضا :
يوضح هذا التباين السبب وراء حدوث انفراجات مالية في منطقة دون أخرى، حيث تسير المواعيد والآليات وفقاً للقدرات المالية لكل سلطة بمعزل عن الأخرى، وبسبب غياب التنسيق، تظل قوائم الموظفين خاضعة لتقييمات متباينة تفتقر إلى وجود مرجعية نقدية وطنية جامعة للكل.
شاهد ايضاً
وضع الموظف في عدن
تشير البيانات الصادرة عن الحكومة المعترف بها دولياً إلى أن انتظام صرف الرواتب يرتبط بشكل وثيق بمدى توفر الإيرادات السيادية، حيث تعاني الميزانية من ضغوط كبيرة نتيجة تراجع الصادرات النفطية، وقد كشفت مصادر بنكية أن العجز في الإيرادات الكافية هو السبب الرئيسي خلف فترات التأخير التي يشهدها صرف المستحقات المالية.
قد يعجبك أيضا :
ولمحاولة تجاوز هذه الأزمات، تتدخل القيادة السياسية في عدن بشكل مستمر لتسريع وتيرة العمليات المالية، وقد تضمنت التوجيهات الأخيرة ضرورة انتظام صرف المتأخرات للعسكريين والمدنيين، وذلك بالتنسيق مع الحلفاء الإقليميين لضمان تغطية العجز المالي القائم في الكشوفات الرسمية.
وضع الموظف في صنعاء
أما في صنعاء، فتعتمد العملية المالية على موارد حكومة الإنقاذ الذاتية، حيث يتم الإعلان بين الحين والآخر عن صرف مبالغ مالية أو أنصاف رواتب حسب الوفرة النقدية، وقد أفادت تقارير إخبارية مؤخراً ببدء صرف مستحقات لموظفين في عدة قطاعات، مع دعوة الجهات الرسمية لتقديم وثائقها لاستكمال الإجراءات البنكية اللازمة.
ويبقى الفرق الجوهري متمثلاً في النطاق الجغرافي والإداري لكل عملية صرف، فالموظف يتقاضى راتبه من الجهة المسيطرة فعلياً على المؤسسة التي يعمل بها، مما يجعل الاستقرار المالي مرهوناً باستمرار الموارد في كل منطقة وقدرة سلطاتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الكادر الوظيفي.
لماذا تأخّر الصرف المنتظم في مناطق صنعاء؟
يرى خبراء اقتصاديون أن تعطل انتظام الرواتب في مناطق صنعاء هو نتيجة مباشرة لقرار نقل عمليات البنك المركزي في عام 2016، وما تبعه من خلافات حادة حول أحقية إدارة الموارد وتصدير الطاقة، ومنذ ذلك التاريخ، أصبح ملف الرواتب ورقة ضغط في المسارات السياسية، حيث ترتبط آليات الصرف بمدى قدرة كل طرف على تأمين سيولة مستقلة بعيداً عن المركز القديم.
والنتيجة الحتمية هي تفاوت كبير في مستوى الاستقرار المعيشي للموظفين بين المناطق المختلفة، حيث تعتمد استمرارية الدفع على إعلانات ظرفية ومؤقتة تصدرها كل سلطة على حدة، مما أدى إلى غياب الأمن المالي الذي كان يتمتع به الموظف اليمني قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية الراهنة.
هل توجد رواتب مزدوجة؟ تفكيك الالتباس
يثور تساؤل دائم حول إمكانية حصول الموظف على راتبين من الجهتين في آن واحد، والحقيقة أن هذا الأمر شبه مستحيل نظراً لأن كل سلطة تعتمد قوائمها الخاصة وتدقق في بيانات الموظفين الميدانيين داخل حدودها، فالموظف يتبع إدارياً وجغرافياً الجهة التي يباشر عمله تحت مظلتها، مما ينفي وجود أي ازدواجية مالية حقيقية للموظف العادي.
الأسئلة الشائعة
- لماذا يختلف صرف الرواتب بين صنعاء وعدن؟ بسبب انقسام الإدارة المالية في البلاد بين سلطتين مختلفتين منذ عام 2016، حيث تمتلك كل واحدة بنكاً مركزياً ومصادر تمويل مستقلة.
- من يدفع رواتب موظفي صنعاء؟ تتولى حكومة الإنقاذ والبنك المركزي في صنعاء مسؤولية الصرف لموظفيها بناءً على الموارد والجبايات المحلية.
- من يدفع رواتب الموظفين في عدن؟ تقوم الحكومة المعترف بها دولياً بصرف الرواتب عبر البنك المركزي في عدن اعتماداً على الإيرادات السيادية والدعم السعودي.
- هل يمكن للموظف الحصول على راتبين؟ لا، فكل موظف مسجل ضمن كشوفات الجهة التي تسيطر على نطاقه الوظيفي والجغرافي.
- متى توقفت الرواتب المنتظمة في صنعاء؟ يعود ذلك إلى فترة نقل مقر البنك المركزي إلى عدن في سبتمبر 2016 وما نتج عنها من صراعات مالية.
- هل البنك المركزي اليمني موحد حالياً؟ لا، البنك منقسم إلى إدارتين منفصلتين، واحدة في صنعاء والأخرى في عدن، ولكل منهما سياساته النقدية الخاصة.
- هل تتغير مواعيد الصرف باستمرار؟ نعم، حيث ترتبط المواعيد بتوفر السيولة المالية وإعلانات الجهات الرسمية، مما يجعلها متغيرة وغير ثابتة.
المصادر
- البنك المركزي اليمني.
- يمن مونيتور.
- المشاهد نت.
- وكالة الأناضول.
- ويكيبيديا — البنك المركزي اليمني.








