شهدت أسعار النفط تراجعاً حاداً لتقترب من مستويات ما قبل الحرب خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك استجابةً لهدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران، وللجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع بشكل دائم.

ومع ذلك، حذر خبراء استراتيجيون في مجال السلع، يوم الاثنين 29 يونيو/ حزيران/ من أن الأسعار قد تعكس تفاؤلاً مفرطاً لدى الأسواق، التي تستهين بحجم التحديات المستمرة المتعلقة بجانب العرض.

اقرأ أيضاً: اللجنة العُمانية الإيرانية المشتركة حول مضيق هرمز تعقد اجتماعها الأول في مسقط

ويرى المحللون أنه من غير المرجح أن تعود حركة الشحن عبر مضيق هرمز بسرعة إلى مستويات ما قبل الحرب – حتى مع انتعاش النشاط عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران – نظراً لسعي طهران لممارسة نفوذها على هذا الممر المائي الحيوي.

عودة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها

صرح نيكوس بيتراكاكوس، المدير الإداري للاستثمارات في شركة تافتون لإدارة الاستثمار Tufton Investment Management، بأن العديد من شركات الشحن لا تزال حذرة بشأن إعادة توجيه سفنها عبر هذا الممر الحيوي للطاقة، مشيراً إلى حالة عدم اليقين بشأن إطار السلام، والمخاوف المستمرة من الألغام البحرية، وارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.

وقال بيتراكاكوس لبرنامج “Europe Early Edition” على شبكة CNBC يوم الاثنين: “على الرغم من وجود بعض التحسن في الحركة، إلا أننا -بشكل عام- لا نزال بعيدين كل البعد عن العودة إلى الوضع السابق”.

 

 

وفي تعاملات يوم الاثنين، جرى تداول العقود الآجلة لخام برنت القياسي العالمي عند 72.45 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 8:42 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، مقارنةً بأعلى مستوى سجلته الأسعار إبان الحرب والذي تجاوز 188 دولاراً للبرميل في أواخر أبريل.

من جانبها، قالت أمريتا سين، المؤسسة ومديرة الأبحاث في شركة إنيرجي أسبكتس Energy Aspects، إن الأسواق قد تكون مقللةً من شأن مدى ابتعاد ظروف الشحن الحالية عن معدلاتها الطبيعية التي كانت سائدة قبل الحرب.

ورغم أن السفن التي كانت عالقة تعبر المضيق الآن، إلا أن التحدي الأكبر -كما أشارت- يكمن في إقناع شركات الشحن بإعادة سفنها إلى هناك. وقالت سين لبرنامج “Squawk Box” على شبكة CNBC: “تكاليف الشحن مرتفعة للغاية في الوقت الراهن، ولا تزال تجد صعوبة في العثور على عدد كافٍ من شركات الشحن المستعدة للعودة إلى تلك المنطقة”.

مخاطر العقوبات: “منزلق خطير”

يرى محللون استراتيجيون أنه من غير المرجح استحداث نظام رسمي لفرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز، لكنهم حذروا من أن طهران قد تواصل السعي لفرض قدر من السيطرة على حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي.

اقرأ أيضاً: تواصل تدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط رغم تجدد التوتر بين أميركا وإيران

وأوضح بيتراكاكوس أن الترتيبات المتعلقة بالرسوم المحتملة أو التنسيق مع إيران لا تزال تتم في الغالب بشكل غير رسمي أو ظرفي، حيث تتجنب معظم شركات الشحن التعامل المباشر مع الجانب الإيراني خشية التعرض لمخاطر العقوبات.

وقال إن التنسيق السليم مع إيران “غير موجود”، واصفاً المسألة بأنها “منزلق خطير” للشركات التي قد تعرض نفسها لعقوبات لاحقاً. وأضاف أن بعض المشغلين يبدون وكأنهم يتبعون نهجاً يتسم بالغموض، بما في ذلك إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال (transponders) لإخفاء مواقع سفنهم.

وتابع بيتراكاكوس قائلاً: “قبل هذه الحرب، لم تكن إيران تملك فعلياً أي سلطة أو كلمة مسموعة بشأن ما يمر عبر مضيق هرمز. لقد تغير هذا الوضع القائم للمستقبل، ولا أرى أن إيران ستعود إلى ما كانت عليه من قبل”.

كذلك قال إن إيران ستواصل مساعيها للدفع نحو “نوع من التنسيق… متظاهرةً بأن الأمر يشبه قناةً مائية مثل قناة السويس أو قناة بنما، ومحاولةً فرض سيطرة ما على آلية مرور السفن”.

 

 

غير أن سين أشارت إلى أن فرض آلية رسمية للرسوم سيكون أمراً مرفوضاً بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي والشركات الغربية، لافتاً إلى أن مسألة الرسوم ترتبط في المقام الأول بحاجة إيران إلى استعادة الأموال اللازمة لعمليات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.

وأضافت سين: “تستخدم إيران نفوذها بأسلوب عدائي لتأكيد أنها الطرف الذي سيسيطر على حركة الملاحة، ولا سيما عبر ذلك الممر الجنوبي”،  وتابعت: “ببساطة، لن يُسمح للشركات الغربية بدفع تلك الرسوم”.

في حين أن السفن التي كانت عالقة داخل المضيق أو بالقرب منه قد تتمكن من المغادرة تدريجياً، أشار بيتراكاكوس إلى أن شركات التأمين لا تزال بعيدة كل البعد عن الشعور بالاطمئنان الكافي لتوفير التغطية للسفن التي تدخل المضيق لتحميل البضائع.

وقال: “أعتقد أن قطاع التأمين لن يبدأ في التحرك فعلياً إلا بعد مرور أشهر”، مضيفاً أن شركات التأمين تحتاج إلى وقت لتشعر بالاطمئنان قبل خفض أقساط التأمين، ومسلطاً الضوء على مشكلة هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

وتابع قائلاً: “إنهم بحاجة فعلية لرؤية أن هذا ليس مجرد اتفاق على الورق؛ بل يحتاجون إلى رؤية تنفيذ الاتفاق واستمراره لفترة من الزمن قبل أن نشهد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها بالكامل وانخفاضاً في أقساط التأمين”.

إعادة بناء المخزونات

في إطار آخر، حذر بيتراكاكوس من افتراض أن ناقلات النفط والغاز ستحظى تلقائياً بالأولوية في العبور عبر المضيق؛ إذ أشار إلى أن شحنات أخرى – بما في ذلك السلع المصنعة عالية القيمة التي تُنقل عبر سفن الحاويات – قد تُعتبر أيضاً ذات أهمية استراتيجية أو تجارية.

وأضاف أن سفن البضائع الجافة السائبة، التي عادة ما تنقل سلعاً أقل قيمة، قد تخضع لحسابات مخاطر مختلفة، نظراً لأن تكاليف التأمين قد تشكل نسبة أقل من القيمة الإجمالية للشحنة.

اقرأ أيضاً: تحرك حذر في مضيق هرمز.. واجتماع أميركي إيراني في الدوحة لحل النزاع

ومن جانبه، قال ألدو سبانجر، رئيس استراتيجية السلع في وحدة “بي إن بي باريبا ماركتس 360” (BNP Paribas Markets 360)، إن نفوذ إيران في مضيق هرمز يظل قضية رئيسية بالنسبة لأسواق النفط.

وصرح سبانجر لبرنامج “سكواك بوكس ​​أوروبا” على شبكة CNBC يوم الاثنين قائلاً: “سيناريوهي الأساسي هو أن إيران قد تتخلى في نهاية المطاف عن سيطرتها على هرمز – بمعنى السيطرة الرسمية ونظام الرسوم؛ فنظام الرسوم يتعلق بالإيرادات، ويمكن تحقيق ذلك بطريقة أخرى”.

 

 

قال سبانجر إن هدفه للسعر بحلول نهاية العام يظل عند 80 دولاراً، معتبراً أن المشترين الساعين لإعادة بناء المخزونات يمكنهم استيعاب الإمدادات الإضافية.

وأضاف: “إذا استمرت مذكرة التفاهم هذه وشهدنا تدفقات أكبر إلى السوق، فأعتقد أننا سنشهد تعافياً طفيفاً، نظراً لوجود قدرة استيعابية كافية لتلك الكميات من النفط. وهذا يشير بالنسبة لي إلى سوق تتحرك ضمن نطاق سعري محدد نسبياً”.

وفي نظرة مستقبلية أبعد مدى، توقع سبانجر أن يتراوح سعر تداول النفط بين 75 و85 دولاراً في عام 2027. وأشار إلى أنه بمجرد إعادة بناء المخزونات، من المرجح أن تكون احتمالات الارتفاع محدودة، وقد تعود السوق إلى هيكل “الباكواردِيشن” backwardation، حيث تكون الأسعار الفورية أقل من أسعار العقود الآجلة.

وقال: “لا يمكنني توقع أسعار تتجاوز 85 دولاراً؛ فمن سيقوم بتكوين مخزونات عند مستويات أعلى من ذلك؟ وفي الوقت نفسه، لا أرغب في توقع أسعار تقل عن 75 دولاراً، نظراً لاستمرار وجود عمليات شراء انتهازية في السوق”.