يشهد سوق الذهب تحولاً في طبيعة العوامل المؤثرة في أسعاره، إذ لم تعد التوترات الجيوسياسية وحدها كافية لدفع المعدن النفيس إلى تسجيل مكاسب كبيرة، كما كان يحدث تاريخياً، بينما أصبحت توقعات السياسة النقدية الأميركية والعوائد الحقيقية المحرك الرئيسي للأسعار، بحسب فهد بادار، نائب رئيس قسم الاستثمار في فئة الأصول المتعددة لدى Mercer

أوضح بادار، في مقابلة مع CNN الاقتصادية، أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال الربع الأول من العام، مستفيداً من تصاعد التوترات الجيوسياسية، إلا أن الأشهر اللاحقة أظهرت سلوكاً مختلفاً للسوق، حيث تراجع تأثير الأحداث السياسية والعسكرية لصالح تطورات الاقتصاد الكلي، وعلى رأسها سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وقال إن المستثمرين باتوا يركزون بصورة أكبر على مسار التضخم والعوائد الحقيقية للسندات الأميركية، بالإضافة إلى توقعات أسعار الفائدة، وهي عوامل أصبحت أكثر تأثيراً في حركة الذهب من التطورات الجيوسياسية قصيرة الأجل.

الفيدرالي يعيد رسم خريطة الذهب

بحسب بادار، فإن استمرار الضغوط التضخمية واحتمال انتقال آثار التوترات في الشرق الأوسط إلى الاقتصاد الأميركي دفعا الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشدداً، وهو ما حدَّ من قدرة الذهب على مواصلة الارتفاع، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية.

وأشار إلى أن الأسواق تعيد باستمرار تسعير توقعاتها لمسار الفائدة الأميركية، وهو ما ينعكس مباشرةً على أسعار الذهب، موضحاً أن المعدن النفيس يتحرك حالياً داخل نطاق عرضي، في انتظار وضوح أكبر بشأن التضخم وقرارات الفيدرالي المقبلة.

وأضاف أن أي تحول من جانب الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة سيكون، في رأيه، المحفز الرئيسي لانطلاق موجة صعود جديدة للذهب خلال الفترة المقبلة.

البنوك المركزية.. أكبر داعم للذهب

ورغم الضغوط التي تواجه الأسعار، يرى بادار أن مشتريات البنوك المركزية تظل أكبر عنصر دعم طويل الأجل للذهب.

وأوضح أن البنوك المركزية لا تتعامل مع الذهب باعتباره استثماراً قصير الأجل يعتمد على مستويات الأسعار، وإنما تشتريه ضمن استراتيجية تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وهو ما يمنح السوق قاعدة طلب مستقرة.

وأشار إلى أن نتائج استطلاعات مجلس الذهب العالمي تعكس استمرار هذا التوجه خلال العام المقبل، مع توقع مواصلة البنوك المركزية تعزيز حيازاتها من الذهب.

الدولار والذكاء الاصطناعي يضغطان على المعدن الأصفر

لفت بادار إلى أن قوة الدولار أصبحت أحد أكبر العوامل الضاغطة على الذهب، موضحاً أن الزخم الذي تشهده الأسهم الأميركية، خصوصاً شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، يجذب تدفقات استثمارية ضخمة نحو الولايات المتحدة، ما يدعم الدولار ويحد من جاذبية الذهب.

وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه قد يُبقي أسعار الذهب تحت الضغط، في حين أن أي تباطؤ في أداء الأسهم الأمريكية أو تراجع الزخم المحيط بقطاع الذكاء الاصطناعي قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتهم نحو الذهب، باعتباره ملاذاً آمناً.

المستثمرون الأفراد عنصر حاسم

وأكد بادار أن موجة الصعود الكبيرة التي شهدها الذهب خلال عامَي 2023 و2024 لم تكن مدفوعة فقط بمشتريات البنوك المركزية، بل أسهم فيها أيضاً دخول المستثمرين الأفراد بقوة إلى السوق.

وأشار إلى أن استمرار خروج المستثمرين من صناديق الذهب، أو تراجع التدفقات إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، قد يشكل عامل ضغط إضافياً على الأسعار، خصوصاً إذا اضطر المستثمرون إلى بيع جزء من حيازاتهم لتوفير السيولة أو تغطية خسائر في أصول أخرى.

الذهب ضمن استراتيجية التنويع

وشدد بادار على أن قرار الاستثمار في الذهب يجب أن يرتبط بالأهداف الاستثمارية لكل مستثمر، وليس بمستوى السعر الحالي فقط.

وأوضح أن المحافظ الاستثمارية الحديثة أصبحت أكثر تنوعاً مما كانت عليه قبل عقد أو عقدين، إذ لم يعد الجمع بين الأسهم والسندات وحده كافياً لإدارة المخاطر، بل أصبحت السلع الأساسية، وفي مقدمتها الذهب، عنصراً مهماً للتحوط من التضخم والركود والمخاطر الجيوسياسية.

وأضاف أن الذهب يظل خياراً مناسباً للمستثمرين الذين يسعون إلى تقليل التقلبات قصيرة الأجل، بينما يظل الاستثمار في الأسهم مناسباً لمن يمتلكون أفقاً استثمارياً طويلاً ويتحملون مستويات أعلى من المخاطر.

واختتم بادار بالإشارة إلى أن الذهب لا يزال يحتفظ بدوره التاريخي كأداة لتنويع المحافظ الاستثمارية، إلا أن اتجاهه خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار السياسة النقدية الأميركية، وتطورات التضخم، وقوة الدولار، إلى جانب استمرار الطلب من البنوك المركزية.