تواصل أسواق المعادن النفيسة التحرك وسط معادلة اقتصادية معقدة، تتداخل فيها قرارات البنوك المركزية، ومعدلات التضخم، وقوة الدولار، مع تطورات أسواق الصرف المحلية، لتحدد اتجاهات المستثمرين وأسعار الذهب والفضة.

وتمكن الذهب من تحقيق ارتفاعات محدودة في السوق المصرية مدعوما باستمرار الطلب على الملاذات الآمنة، واصلت الفضة تصحيح مكاسبها القياسية التي سجلتها مطلع العام، متأثرة بارتفاع العوائد الأمريكية وتجدد توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، في وقت لا تزال فيه أساسيات السوق تشير إلى استمرار عجز المعروض عالميا.

وفي هذا الصدد، شهدت أسعار الذهب في السوق المحلية، خلال تعاملات اليوم، ارتفاعا ملحوظا، إذ صعد سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 40 جنيها ليسجل 5895 جنيها، وفقا لبيانات منصة “آي صاغة” المتخصصة في متابعة أسعار الذهب.

وسجل جرام الذهب عيار 24 نحو 6737 جنيها، بينما ارتفع سعر جرام الذهب عيار 18 إلى 5053 جنيها، كما زاد سعر الجنيه الذهب بنحو 160 جنيها ليصل إلى 47.16 ألف جنيه، في حين بلغ سعر جرام الذهب عيار 22 نحو 6176 جنيها.

وعلى الصعيد العالمي، استقرت أسعار الذهب عند مستوى 4121.08 دولار للأونصة، مع توقف التداولات في البورصات العالمية بسبب العطلة الأسبوعية.

وأوضح تقرير صادر عن منصة «آي صاغة» أن الارتفاع المحدود في أسعار الذهب بالسوق المحلية جاء نتيجة توازن واضح بين العوامل العالمية والمحلية المؤثرة في حركة المعدن النفيس. 

وأشار التقرير إلى أن استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة وفر دعما لأسعار الذهب عالميا، في الوقت الذي ساهم فيه التحسن النسبي لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار في الحد من تأثير تلك الارتفاعات على السوق المحلية، بما انعكس على استقرار نسبي في حركة الأسعار.

وفي هذا السياق، قال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي، إن التحركات الحالية في سوق الذهب تعكس حالة من التوازن بين التطورات الاقتصادية العالمية والعوامل المحلية المؤثرة في السوق المصرية، مؤكدا أن الأسواق لم تشهد حتى الآن مستجدات قوية من شأنها دفع الأسعار نحو موجات صعود أو هبوط حادة.

وأضاف إمبابي- خلال تصريحات له، أن استمرار ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة يعزز الطلب على الذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة وأدوات التحوط ضد تآكل القيمة، في حين يسهم استقرار أسعار الفائدة الأمريكية في الحد من فرص تسجيل المعدن الأصفر ارتفاعات كبيرة خلال الفترة الحالية.

وأشار إلى أن الأداء الأفضل للجنيه المصري أمام الدولار خلال الفترة الأخيرة ساعد في تخفيف أثر الزيادات العالمية في أسعار الذهب على السوق المحلية، وهو ما جعل حركة الأسعار داخل مصر أكثر استقرارًا وأقل حدة مقارنة بالأسواق الخارجية.

وفي هذا الصدد، قال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن أسعار الفضة المحلية تراجعت بنحو 4 جنيهات خلال الأسبوع، حيث افتتح سعر جرام الفضة عيار 999 التعاملات عند مستوى 104 جنيهات، واختتمها عند 100 جنيه، بينما تراجعت الأوقية عالميا من 63 دولارا إلى 60 دولارا، فاقدة نحو 3 دولارات خلال الأسبوع.

وأضاف غاروق- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”، أن سعر جرام الفضة عيار 925 سجل نحو 93 جنيها، فيما بلغ سعر جرام الفضة عيار 800 نحو 80 جنيها، بينما سجل الجنيه الفضة نحو 744 جنيها.

وأوضح فاروق أن الفضة تعرضت لضغوط متزامنة خلال الأسبوع، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتجدد قوة الدولار، إلى جانب تنامي توقعات المستثمرين باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى رفعها مجددا إذا أدت التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط إلى تجدد مخاوف زيادة معدلات التضخم.

وأشار إلى أن ارتفاع الفائدة والعوائد الحقيقية يقلل من جاذبية المعادن النفيسة التي لا تحقق عائدا دوريا، بينما يؤدي صعود الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب والفضة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما ينعكس سلبا على الطلب الاستثماري.

وأردف: “الفضة تختلف عن الذهب بطبيعتها المزدوجة، إذ تعد معدنا استثماريا وصناعيا في الوقت نفسه، لذلك تتأثر ليس فقط بحركة الدولار والفائدة، وإنما أيضا بتوقعات النمو الصناعي العالمي، والطلب من قطاعات الإلكترونيات والسيارات والطاقة النظيفة”.

وأكد أن الحركة الأسبوعية عكست استمرار ارتفاع مستوى التقلبات في سوق الفضة، بعدما سجل المعدن مكاسب محدودة في بداية الأسبوع مدعوما ببعض بيانات سوق العمل الأمريكية، قبل أن يفقد معظم تلك المكاسب مع عودة ارتفاع العوائد وتجدد المخاوف بشأن التضخم والسياسة النقدية.

وشدد مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، على أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه خلال الأسبوع امتص جزءا كبيرا من انخفاض الأوقية العالمية، وحد من انتقال التراجع العالمي بالكامل إلى السوق المحلية، ما يؤكد أن أسعار الفضة في مصر تتحدد من خلال ثلاثة عوامل رئيسية هي السعر العالمي، وسعر صرف الدولار، والعلاوة المحلية، وأضاف أن خسائر الفضة خلال الأسبوع جاءت أكبر من خسائر الذهب، وهو ما يعكس الطبيعة الأكثر تقلبا لسوق الفضة مقارنة بالمعدن الأصفر، نظرا لصغر حجم السوق العالمي، وتداخل الطلب الاستثماري مع الطلب الصناعي، الأمر الذي يجعل تحركاتها السعرية أكثر حدة في الاتجاهين.

 وتابع: “التراجعات الأخيرة لا تنفي استمرار العوامل الأساسية الداعمة لسوق الفضة على المدى المتوسط والطويل، إذ تشير تقديرات معهد الفضة إلى تسجيل السوق العالمي عجزا للعام السادس على التوالي خلال عام 2026، في ظل استمرار تجاوز الاستهلاك للإمدادات، رغم توقعات بارتفاع المعروض العالمي وزيادة إنتاج المناجم بصورة محدودة”.

وأوضح أن استمرار العجز لا يعني نمو جميع مكونات الطلب، إذ يتوقع المعهد تراجع الطلب الصناعي بصورة طفيفة خلال العام الجاري نتيجة انخفاض كمية الفضة المستخدمة في بعض تطبيقات الطاقة الشمسية، في مقابل نمو الطلب الاستثماري على السبائك والعملات، مع استمرار توسع استخدام المعدن في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة، وصناعة السيارات.

وأكد فاروق أن ارتفاع الأسعار لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة سريعة في الإنتاج، لأن الجزء الأكبر من الفضة العالمية يستخرج باعتباره منتجا جانبيا من مناجم النحاس والرصاص والزنك والذهب، وهو ما يجعل استجابة المعروض لتحركات الأسعار محدودة، ويبقي السوق معرضا لاستمرار العجز.

وأشار إلى أن مؤسسة StoneX تتوقع استمرار تحرك الفضة خلال الفترة المقبلة داخل نطاق يتراوح بين 55 و60 دولارا للأوقية، مع بقاء المعدن أكثر تقلبا من الذهب، في ظل استمرار تأثره بحركة الدولار الأمريكي، وأسعار الفائدة، وأداء الذهب، مقابل استمرار العجز في المعروض كعامل دعم يمنع حدوث انهيار طويل الأجل للأسعار.

واختتم: “سوق الفضة يمر حاليا بمرحلة إعادة تسعير بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها مطلع العام، واتجاه الأسعار خلال النصف الثاني من 2026 سيظل مرهونا بمسار السياسة النقدية الأمريكية، وحركة الدولار، ومدى تعافي الطلب الاستثماري، بينما يظل نقص المعروض في السوق العالمي عامل دعم رئيسيا يمنح الفضة فرصا للتعافي على المدى المتوسط، رغم استمرار التقلبات قصيرة الأجل”.

وفي السياق نفسه، صرح مرصد الذهب، أن أوقية الفضة افتتحت تعاملات عام 2026 عند مستوى 72 دولارا، قبل أن تقفز إلى أعلى مستوى تاريخي عند 121 دولارا في 29 يناير، محققة مكاسب تجاوزت 68% خلال أقل من شهر، ثم دخلت في موجة تراجع قوية أوصلتها إلى نحو 60 دولارا حاليا، لتفقد نحو 51% من قيمتها مقارنة بالقمة، ونحو 17% مقارنة ببداية العام.

والجدير بالذكر، أن على الصعيد المحلي، افتتح سعر جرام الفضة عيار 999 العام عند 125 جنيها، قبل أن يرتفع إلى 210 جنيهات في نهاية يناير، ثم يتراجع تدريجيا إلى نحو 100 جنيه حاليا، بانخفاض يقارب 52% عن الذروة، 20% مقارنة ببداية العام.

وتؤكد التحركات الأخيرة أن سوق المعادن النفيسة لا يزال يمر بمرحلة من التوازن الحذر بين عوامل الدعم والضغوط، حيث يحافظ الذهب على مكانته كملاذ آمن في ظل استمرار المخاوف التضخمية، بينما تظل الفضة أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية والصناعية العالمية.