من جديد، تلقي الحرب بظلالها على أسواق الغذاء العالمية. فمع تصاعد المواجهات في البحرين الأسود وأزوف بين روسيا وأوكرانيا، ارتفعت أسعار القمح وسط مخاوف من تعطل الإمدادات، لتعود قضية الأمن الغذائي إلى واجهة المشهد الاقتصادي العالمي.
وتواجه أوكرانيا صعوبة في شحن الحبوب عبر البحر الأسود، بعدما صعدت موسكو هجماتها على السفن التجارية رداً على أسبوع من الهجمات الأوكرانية العنيفة على السفن الروسية، الأمر الذي دفع أسعار وعقود القمح في الأسواق العالمية إلى أعلى مستوياتها في عامين.
وقالت صحيفة “فاينانشيال تايمز” إن هجمات الطائرات المسيّرة الروسية على ميناء أوديسا، أكبر موانئ أوكرانيا، أدت إلى انخفاض سعة التخزين بمقدار الثلث، حسب أرقام نشرتها شركة الأمن البحري “أمبري”، في حين يرفض مالكو السفن إرسال سفنهم إلى المنطقة خشية التعرض للهجوم. وأفاد محللون أن بعض التجار أوقفوا عمليات الشراء في أوديسا.
ولفتت الصحيفة إلى أن روسيا وأوكرانيا معاً يمثلان نحو ثلث صادرات القمح العالمية.
وتهدد هذه الهجمات أحد أهم طرق تصدير الحبوب في العالم، والذي يعد أيضاً مصدراً حيوياً للإيرادات لأوكرانيا.
وأشارت “فاينانشيال تايمز” إلى أن عقد القمح الآجل، الأكثر تداولاً في شيكاغو، حقق أعلى مستوى له في عامين ، مرتفعاً إلى 6.95 دولار للبوشل، بينما بلغ سعر قمح الطحن في باريس أعلى مستوى له في 17 شهراً. (البوشل يعادل 27.22 كيلوجرام)
كانت كييف قد اعتمدت على خط الشحن الساحلي لاستعادة صادراتها من أوديسا والموانئ المجاورة إلى مستويات ما قبل الحرب، بعد انسحاب روسيا من مبادرة الممر الآمن المدعومة من الأمم المتحدة عام 2023.
وقالت محللة شؤون الحبوب المقيمة في دنيبرو، ماشا بيليكوفا: “تشن روسيا هجمات على الموانئ والمحطات منذ أربعة أيام متتالية. والآن، ترفض السفن الدخول.
وقد أصيب بعض أفراد الطاقم بجروح، بل وسقط آخرون قتلى، وهذا أمر خطير لأي مالك سفينة”.
وجراء ذلك، كما قالت، “انخفضت أسعار الشراء المحلية في الموانئ الأوكرانية بشكل حاد”، ولم يعد مالكو السفن يقدمون عروض أسعار الشحن.
كما تشهد روسيا انخفاضاً في أحجام الصادرات البحرية، ويعود ذلك جزئياً على الأقل إلى المخاطر الأمنية التي تواجه الملاحة في بحر آزوف، بعد أن صعدت أوكرانيا هجماتها على ناقلات الوقود وسفن الدعم في المنطقة.
شاهد ايضاً
وأفادت صحيفة “كوميرسانت” اليومية الروسية بأن محللين خفضوا توقعاتهم لصادرات القمح الروسي في يوليو بنسبة تصل إلى 20 في المائة، بسبب الإضرابات وتأخر الحصاد، فضلاً عن أزمة الوقود في روسيا.
وقال المدير الإداري لشركة “سوفإيكون” للاستشارات في مجال الحبوب، أندريه سيزوف: “بدأ السوق يدرك أن هذا الارتفاع ليس مجرد انتعاش قصير الأجل معتاد في منطقة البحر الأسود، والذي عادة ما يُحل بسرعة.
لكن قد تكون له تداعيات أكبر، ما يعني ضرورة خفض تقديرات صادرات كل من روسيا وأوكرانيا بشكل كبير في المستقبل، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى زعزعة استقرار إمدادات الحبوب والقمح العالمية”.
وأضافت محللة الحبوب بيليكوفا أن التجار يناقشون تحويل جزء من صادرات الحبوب عبر موانئ نهر الدانوب لشحنها لاحقاً من ميناء كونستانتا على ساحل البحر الأسود في رومانيا، وهو حل تم اللجوء إليه في بداية الحرب.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تراجع توقعات إمدادات الحبوب العالمية بعد فترة من المحاصيل الوفيرة نسبياً، ومع ارتفاع تكلفة الوقود والأسمدة والشحن نتيجة الحرب في إيران.
ولفت المحلل في سوق “النفل البحري الدولي” (آي إس إم) في أوكرانيا، بافل سوسنوفسكي، إلى أن بعض السفن توقفت خارج المياه الأوكرانية لإعادة تقييم مخاطر هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية، في حين ارتفعت أقساط التأمين بشكل كبير، قائلاً: “علقت العديد من شركات التأمين تغطية مخاطر الحرب للرحلات المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية بشكل كامل”.
تأتي ضربات موسكو في أعقاب أسبوع من الهجمات المتواصلة التي شنتها أوكرانيا بطائرات مسيّرة على السفن الروسية في بحر آزوف بهدف قطع إمدادات الوقود عن شبه جزيرة القرم.
وأفاد القائد الأوكراني روبرت بروفدي أن طائرات مسيّرة بحرية أوكرانية استهدفت 11 سفينة روسية في البحر الأسود وبحر آزوف خلال الليل، من بينها خمس ناقلات نفط، وناقلة غاز طبيعي مسال، وثلاث سفن شحن سائبة.
وذكرت “كوميرسانت” أن وزارة النقل الروسية صرحت بأنها تتخذ جميع التدابير “لتسهيل عمليات نقل البضائع في ضوء تزايد عدد هجمات العدو” على السفن في بحر آزوف، مشيرة إلى أن روسيا تشهد أيضاً ارتفاعاً كبيراً في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، حيث يرفض بعض مقدمي الخدمات تقديم أي تغطية “للمخاطر العسكرية” للسفن في المنطقة على الإطلاق.








