مع الساعات الأولى من شروق الشمس، تبدأ الحركة بسوق وكالة الحضرة في الإسكندرية باصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالبطيخ في صفوف طويلة، وينتشر العمال حولها لإنزال الثمار ورصها في أكوام متساوية بعدد 100 ثمرة لكل منها. 

موضوعات مقترحة

يعلو صوت “الدلال” وهو ينادي على كل شحنة فور نزولها، مع دقات الطبول والمزمار البلدي للإعلان عن بدء المزاد، فيلتف التجار حول البطيخ، وتتعالى المزايدات سريعًا، وتتبدل الأرقام في ثوانٍ، حتى تستقر كل حمولة على مشتريها الأخير، قبل أن تتحرك إلى مرحلة جديدة من رحلة وصولها إلى تاجر التجزئة ومنه للمستهلك.  

سوق الحضرة… البورصة اليومية للبطيخ  

داخل سوق الحضرة، تتحرك عمليات البيع والشراء بوتيرة متسارعة، حيث تتحول الشاحنات القادمة من مختلف المحافظات إلى ساحات مزاد مفتوحة، يتنافس خلالها التجار على شراء أفضل الشحنات، بينما يراقب “الدلال” جودة الثمار قبل أن يطلق نداءه معلنًا بداية المزايدة، لتبدأ الأسعار في الصعود تدريجيًا حتى تستقر على أعلى عرض.  

ويقول أحمد العمدة، تاجر جملة الخضراوات والفاكهة بسوق الحضرة بالإسكندرية، إن ما شهده الموسم الحالي من ارتفاع في أسعار البطيخ يعود بالدرجة الأولى إلى انخفاض حجم الإنتاج، نتيجة تأثر المحصول بالتقلبات الجوية وارتفاع درجات الحرارة، موضحًا أن كمية الإنتاج وجودة الثمار تظلان العاملين الأكثر تأثيرًا في تحديد الأسعار داخل أسواق الجملة.  

ويضيف، أن الأسواق عاشت خلال الأسابيع الأولى من الموسم حالة من نقص المعروض، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار مقارنة بالأعوام السابقة، قبل أن تبدأ الأسعار في التراجع تدريجيًا مع دخول إنتاج المناطق المتأخرة إلى الأسواق، مؤكدًا أن العلاقة بين المناخ والإنتاج الزراعي أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.  

رحلة تبدأ من الحقول وتنتهي على منصة المزاد  

ويوضح العمدة أن رحلة البطيخ تبدأ داخل الأراضي الزراعية، حيث تُجمع الثمار بواسطة فرق عمل تضم نحو خمسة عمال، قبل نقلها مباشرة إلى سوق الحضرة، لتخضع إلى عمليات فرز دقيقة تعتمد على حجم الثمرة، وجودتها، ودرجة نضجها، وخلوها من العيوب الظاهرية.  

ويشير إلى أن البطيخ يُقسم إلى ثلاث درجات رئيسية، إلى جانب فرزة مستقلة للثمار التي تعرضت للكسر أو التلف أثناء الحصاد أو النقل، ويحصل كل مستوى على سعر مختلف وفقًا لمعايير الجودة.  

انفوجراف انفوجراف

ويؤكد أن عمليات الفرز أصبحت أكثر أهمية خلال السنوات الأخيرة، بعدما زادت الفروق في جودة المحصول نتيجة اختلاف تأثير التغيرات المناخية بين منطقة وأخرى، بل وبين الحقول المتجاورة داخل المنطقة نفسها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تباين وتذبذب الأسعار.  

المزاد اليومي… لحظة تحديد السعر  

ويكشف العمدة، أن بيع البطيخ يتم من خلال مزادات يومية تبدأ في السابعة صباحًا وتمتد حتى ساعات ما بعد الظهيرة، حيث تُعرض الشاحنات المحملة بالمحصول أمام التجار، ويبدأ “الدلال” في المناداة على كل شحنة، بينما تتوالى عروض الشراء وسط منافسة سريعة، حتى يستقر السعر النهائي وفقًا للصنف، والحجم، والجودة، ونسبة السكريات داخل الثمار.  

ويضيف، أن الثمار الأعلى جودة تحقق دائمًا أعلى الأسعار، في حين تنخفض قيمة الدرجات الأقل جودة، مشيرًا إلى أن التقلبات المناخية أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في هذه المعايير، بعدما أحدثت تفاوتًا واضحًا في جودة المحصول بين مناطق الإنتاج المختلفة.  

خمسة أصناف تتنافس على رضا المستهلك  

ويقول العمدة، إن الأسواق تضم خمسة أصناف رئيسية من البطيخ، تشمل “سكاتر” و”نيميرو”و”ستار” و”نفرتيتي”، إلى جانب البطيخ المطعوم، بينما لا يزال بطيخ الجيزة البعلي يحتفظ بمكانته باعتباره الأكثر طلبًا بين المستهلكين، بفضل ارتفاع نسبة السكريات وتميز مذاقه، وهو ما يجعله الأعلى سعرًا في السوق المحلية، في حين تُخصص بعض الأصناف الأخرى للتصدير لقدرتها على تحمل عمليات النقل لمسافات طويلة.  

الجودة والوزن… كلمة الفصل في التسعير  

ويشير إلى أن متوسط وزن البطيخة في الأصناف المتميزة يتراوح بين 8 و13 كيلوجرامًا، مع اختلاف الأوزان من صنف إلى آخر، وكذلك باختلاف احتياجات المشترين، إذ تفضل محال العصائر الثمار كبيرة الحجم، بينما يميل قطاع كبير من الأسر إلى الأحجام الصغيرة والمتوسطة التي تتناسب مع احتياجاتها.  

ويضيف، أن البطيخ المخصص للتصدير يُختار قبل اكتمال نضجه الكامل حتى يتحمل عمليات الشحن والتداول لمسافات طويلة دون أن يفقد جودته، كما تكون نسبة السكريات فيه أقل، بما يتوافق مع أذواق المستهلكين في الأسواق الأوروبية.   

من الأسواق إلى الحقول… حيث تبدأ الحكاية  

ورغم أن حركة المزاد اليومية تعكس حالة السوق في لحظتها، فإن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تراجع الإنتاج أو ارتفاع الأسعار تبدأ قبل ذلك بأشهر، داخل الحقول الزراعية، حيث تتشكل ملامح الموسم تحت تأثير عوامل مناخية متغيرة أصبحت تلقي بظلالها على مختلف مراحل نمو المحصول.  

ولفهم ما تم خلال الموسم الحالي، لا يكفي الوقوف عند حركة البيع والشراء داخل أسواق الجملة، بل تمتد رحلة البحث إلى ما هو أبعد من ذلك، بدءًا من التقارير الدولية التي رصدت تأثير ظاهرة “النينو” على الزراعة العالمية، وصولًا إلى المزارعين الذين عايشوا هذه التغيرات على أرض الواقع. 

 «الفاو».. النينو تربك الزراعة العالمية  

لم يعد تأثير التغيرات المناخية يقتصر على خرائط درجات الحرارة أو التحذيرات التي تصدرها المؤسسات الدولية، بل أصبح واقعًا ينعكس بصورة مباشرة على إنتاج الغذاء وأسعاره في مختلف دول العالم، ومن بينها مصر، التي بدأت تشهد آثارًا متزايدة للتقلبات المناخية على عدد من المحاصيل الزراعية.  

وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن ظاهرة «النينو» (El Niño) تُعد واحدة من أبرز الظواهر المناخية المؤثرة في العالم، إذ تتكرر عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر ما بين تسعة أشهر وعام كامل، مسببة تغيرات واسعة في أنماط سقوط الأمطار ودرجات الحرارة عبر قارات عدة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي.  

انفوجراف انفوجراف

ورغم أن مصر تقع خارج النطاق المباشر لتأثير الظاهرة، فإن انعكاساتها تصل إليها بصورة غير مباشرة عبر اضطراب الأنظمة الجوية الإقليمية، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الحر، والتقلبات الحادة بين البرودة والحرارة، وهي عوامل تؤثر في نمو النباتات، ومواعيد الإزهار، وكفاءة التلقيح، وجودة الثمار، فضلًا عن زيادة الضغوط الواقعة على القطاع الزراعي.  

وتؤكد المنظمة، أن هذه التغيرات أصبحت تمثل تحديًا متزايدًا أمام الدول التي يعتمد أمنها الغذائي بصورة كبيرة على استقرار الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يدفع الحكومات والمؤسسات البحثية إلى تطوير برامج للتكيف مع المتغيرات المناخية والحد من آثارها على المحاصيل الإستراتيجية.

انفوجراف

إحصاءات دولية ترصد انخفاض الانتاج   

وتكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAOSTAT) عن تراجع إنتاج البطيخ في مصر خلال العقد الأخير، إذ انخفض من نحو 1.51 مليون طن عام 2015 إلى نحو 713 ألف طن في عام 2024، وهو تراجع يقترب من 53%، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه هذا المحصول، وفي مقدمتها التغيرات المناخية.  

انفوجراف

من بلطيم تبدأ رحلة البطيخ  

وعلى بعد عشرات الكيلومترات من سوق الحضرة، تبدو الصورة مختلفة تمامًا داخل الأراضي الزراعية بمدينة بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، إحدى أشهر مناطق زراعة البطيخ في مصر، حيث تبدأ رحلة المحصول قبل وصوله إلى الشاحنات ثم إلى أسواق الجملة.  

داخل الحقول، لا تُقاس نجاحات الموسم بحجم الإقبال في المزاد، وإنما بعدد الثمار التي نجحت في تجاوز موجات الحر والتقلبات الجوية حتى موعد الحصاد، وهو ما جعل الموسم الحالي من أصعب المواسم التي واجهها المزارعون خلال السنوات الأخيرة.  

ويقول محمد عبد اللطيف بدوي، أحد مزارعي البطيخ بمدينة بلطيم، إن مختلف مناطق الإنتاج، من أسوان جنوبًا وحتى محافظات الدلتا شمالًا، تعرضت هذا العام لتقلبات مناخية حادة انعكست بصورة مباشرة على معدلات النمو والإنتاج.  

ويضيف أن التغيرات المناخية كانت العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع المحصول، متقدمة على الأمراض الزراعية أو المشكلات المرتبطة بالمبيدات، موضحًا أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وزيادة معدلات الرطوبة، والتغيرات المفاجئة في الأحوال الجوية، تسببت في خسائر ملحوظة للمنتجين وأثرت على إنتاجية الفدان وجودة الثمار.

 «الدروب»… الصدمة التي يخشاها المزارعون  

ويكشف بدوي عن مصطلح متداول بين المزارعين يُعرف باسم «الدروب»، ويستخدم لوصف حالة الإجهاد المناخي التي تصيب النباتات نتيجة الانتقال المفاجئ من أجواء باردة إلى موجات حرارة شديدة، أو العكس، خلال فترة زمنية قصيرة.  

انفوجراف انفوجراف

ويشرح أن هذه الصدمة تؤدي إلى توقف نمو النبات لفترات قد تمتد من يوم واحد إلى أسبوع كامل، قبل أن يستعيد نشاطه تدريجيًا، إلا أن آثارها تبقى واضحة على حجم الثمار وعددها وإنتاجية الفدان.  

ويؤكد أن هذه الظاهرة كانت تحدث في السابق بصورة محدودة، لكنها أصبحت أكثر تكرارًا خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع اضطراب الأحوال الجوية، الأمر الذي ساهم أيضًا في زيادة انتشار الآفات والحشرات التي كانت تختفي مع استقرار درجات الحرارة في المواقيت الطبيعية لنمو المحصول.  

انفوجراف

الأنفاق البلاستيكية لم تعد كافية  

ويشير بدوي إلى أن شدة التقلبات المناخية هذا الموسم تجاوزت قدرة الوسائل التقليدية على حماية الزراعات، موضحًا أن المزارعين كانوا يعتمدون على الأنفاق البلاستيكية لتوفير بيئة أكثر استقرارًا للنباتات خلال مراحل النمو الأولى، إلا أن موجات الحرارة المفاجئة والتغيرات الجوية المتلاحقة حدّت من فاعلية هذه الوسيلة، وتسببت في تلف أجزاء من الزراعات المبكرة.  

ويضيف أن انخفاض الإنتاج في بداية الموسم أدى إلى تراجع المعروض داخل الأسواق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسعار، قبل أن تبدأ في الانخفاض تدريجيًا مع دخول إنتاج الزراعات المتأخرة إلى أسواق الجملة، لتعود حركة البيع والشراء إلى قدر من التوازن.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

تحذيرات دولية تؤكد ما كشفته الحقول  

ما رواه بدوي، لم يكن مجرد انطباعات ناتجة عن تجربة شخصية، بل يتوافق مع ما ترصده المؤسسات الدولية المعنية بالمناخ، والتي تؤكد أن العالم يشهد مرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات المناخية انعكست آثارها على القطاع الزراعي في مختلف القارات.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: أفريقيا في قلب الأزمة المناخية  

وتحذر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) من أن القارة الأفريقية تُعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغيرات المناخية، رغم أنها من أقل القارات مساهمة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، مشيرة إلى أن موجات الحر والجفاف والفيضانات أصبحت أكثر تكرارًا وحدة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يؤدي إلى خسائر متزايدة في الإنتاج الزراعي، ويهدد الأمن الغذائي وسبل معيشة ملايين المزارعين.  

كما تؤكد المنظمة، أن السنوات الأخيرة سجلت مستويات قياسية في متوسط درجات الحرارة على مستوى العالم، بالتزامن مع تزايد الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، ومن بينها دول شمال أفريقيا.  

وفي السياق ذاته، تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من أكثر المناطق تعرضًا لآثار الاحترار العالمي، مع توقعات باستمرار ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة موجات الحر، وتفاقم شدة الجفاف خلال العقود المقبلة، وهي تحديات تستوجب التوسع في برامج التكيف الزراعي للحفاظ على إنتاجية المحاصيل وتعزيز الأمن الغذائي.  

وفي مصر، يظل القطاع الزراعي أحد أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات، ليس فقط لاعتماده على استقرار الظروف المناخية في مختلف مراحل نمو المحاصيل، وإنما أيضًا لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي، وتوفيره فرص العمل لملايين المواطنين، فضلًا عن دوره الحيوي في دعم الصادرات الزراعية التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

وزارة الزراعة: المناخ أصبح متغيرًا رئيسيًا في معادلة الإنتاج  

ومن التقارير الدولية إلى الرؤية الحكومية، يؤكد الدكتور أيمن حمودة، وكيل وزارة الزراعة بالإسكندرية، أن الحديث عن التغيرات المناخية لم يعد جديدًا داخل الأوساط العلمية أو المؤسسات البحثية، بل أصبح أحد المحاور الرئيسية التي تستند إليها خطط تطوير القطاع الزراعي في مصر.  

ويقول إن وزارة الزراعة، تمتلك منظومة بحثية متخصصة لمتابعة تأثيرات التغيرات المناخية على مختلف المحاصيل، وفي مقدمتها المعمل المركزي للمناخ الزراعي، الذي يرصد بصورة مستمرة بيانات درجات الحرارة، والرطوبة، وسرعة الرياح، ويحلل تأثيرها على نمو النباتات، قبل إصدار توصيات دورية تساعد المزارعين على الحد من الخسائر وتحسين كفاءة الإنتاج.  

ويضيف أن الالتزام بهذه التوصيات أصبح ضرورة ملحة في ظل التسارع الذي تشهده التغيرات المناخية، موضحًا أن نجاح الموسم الزراعي لم يعد يعتمد فقط على خبرة المزارع، وإنما أيضًا على سرعة وصول المعلومات العلمية الدقيقة إليه في التوقيت المناسب.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

الاحتباس الحراري يغير خريطة الآفات الزراعية  

ويشير حمودة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى تغير مواعيد ظهور العديد من الحشرات والآفات الزراعية، فأصبحت تظهر قبل موعدها الطبيعي، وهو ما يزيد من خطورتها على النباتات خلال مراحلها الأولى، عندما تكون أكثر ضعفًا وأقل قدرة على المقاومة.  

ويضيف، أن الحرارة المرتفعة تؤدي كذلك إلى تسريع دورة حياة بعض الحشرات، بما يسمح لها بإنتاج أجيال أكثر خلال الموسم الواحد، وهو ما يرفع معدلات الإصابة، ويزيد من تكلفة المكافحة، ويضع المزارعين أمام أعباء اقتصادية إضافية.  

وتتفق هذه الرؤية مع ما أشارت إليه منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، التي تؤكد أن تغير المناخ يسهم في توسيع النطاق الجغرافي لعدد من الآفات الزراعية، ويزيد من فرص انتشارها في مناطق لم تكن تمثل بيئة مناسبة لها في السابق، الأمر الذي يفرض تطوير برامج المكافحة والإرشاد الزراعي بصورة مستمرة.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

الإزهار والعقد… اللحظة الفاصلة في عمر النبات  

ويؤكد وكيل وزارة الزراعة أن أكثر المراحل تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة هي مرحلتا الإزهار والعقد، اللتان تمثلان نقطة التحول في تكوين الثمار.  ويوضح أنه إذا تعرض النبات لموجة حر شديدة خلال هذه المرحلة، فإن كفاءة حبوب اللقاح تنخفض، وتضعف عملية التلقيح، وهو ما يؤدي إلى انخفاض عدد الثمار، أو صغر أحجامها، أو تراجع جودتها.  

ويضيف أن بعض النباتات قد تستعيد نشاطها بعد انتهاء موجات الحر، إلا أن الخسائر التي تحدث خلال هذه المراحل الحساسة لا يمكن تعويضها بالكامل، وهو ما يفسر انخفاض إنتاجية بعض الحقول، رغم استمرار النباتات في النمو حتى نهاية الموسم.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

التكيف يبدأ من الحقل  

ويرى حمودة، أن مواجهة هذه التحديات لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة المناخ الجديد، موضحًا أن التكيف يبدأ من اختيار مواعيد الزراعة المناسبة لكل منطقة، واستخدام الأصناف الأكثر تحملًا للحرارة، مرورًا بتحسين برامج الري والتسميد، وانتهاءً بتطبيق التقنيات الزراعية الحديثة.  

ويشير إلى أن عددًا من المزارع بدأ بالفعل في استخدام وسائل حديثة، مثل شبكات الرذاذ المائي، والمصدات النباتية، للتخفيف من آثار موجات الحر، خاصة في مزارع الفاكهة، إلى جانب التوسع في نظم الري الحديثة التي تسهم في ترشيد استهلاك المياه وتحسين كفاءة استخدامها، بما يعزز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة.   

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

البحث العلمي يرسم خريطة التكيف مع المناخ  

وبينما تعمل الأجهزة التنفيذية على دعم المزارعين بالإرشادات الفنية، يرى المتخصصون أن مواجهة التغيرات المناخية تتطلب رؤية أشمل، تقوم على تطوير البحث العلمي وإعادة صياغة السياسات الزراعية بما يتوافق مع المتغيرات المناخية المتسارعة، خاصة أن الظواهر المناخية لم تعد استثنائية، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على مختلف مراحل الإنتاج الزراعي.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

عميدة زراعة الإسكندرية: الخريطة الزراعية تحتاج إلى إعادة رسم  

وترى الدكتورة هبة صبري سلامة، عميد كلية زراعة الشاطبي بجامعة الإسكندرية، أن ما تشهده مصر اليوم يتجاوز كونه تغيرًا في حالة الطقس، ليعكس تحولًا مناخيًا طويل الأمد يفرض مراجعة شاملة للسياسات الزراعية، وآليات إدارة الموارد، وخطط التنمية الزراعية خلال السنوات المقبلة.  

وتؤكد أن التغيرات المناخية باتت تفرض إعادة رسم الخريطة الزراعية المصرية، سواء من خلال تعديل مواعيد الزراعة بما يتلاءم مع الواقع المناخي الجديد، أو استنباط أصناف أكثر قدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والملوحة، بما يضمن الحفاظ على الإنتاجية واستدامة الأمن الغذائي.  

وتوضح أن الجامعات ومراكز البحوث الزراعية تواصل جهودها في تطوير أصناف جديدة تتمتع بقدرة أكبر على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، مع الحفاظ على جودة المحصول وارتفاع إنتاجيته، باعتبار أن البحث العلمي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تحديات المناخ.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

المزارع… محور نجاح خطط التكيف  

وتؤكد سلامة أن المزارع يظل الحلقة الأهم في منظومة التكيف مع التغيرات المناخية، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المعرفة العلمية، وإنما في تحويل نتائج الأبحاث من المعامل إلى الحقول، حتى تصبح جزءًا من الممارسات اليومية للمزارعين.  

وتوضح أن الإرشاد الزراعي، والتجارب الحقلية، والمدارس الزراعية التطبيقية، تمثل أدوات فعالة لنقل التكنولوجيا الحديثة وإقناع المزارعين بتبني الأساليب الزراعية الجديدة، مؤكدة أن الاستثمار في المعرفة لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو استنباط الأصناف الحديثة، لأن نجاح أي توصية علمية يظل مرهونًا بتطبيقها على أرض الواقع.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

أستاذ الخضر: المناخ كشف أخطاء تراكمت لسنوات  

ويؤكد الدكتور إبراهيم محمد غنيم، الأستاذ المتفرغ بقسم الخضر بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، أن التغيرات المناخية أثرت بصورة مباشرة في عمليات الإزهار والعقد، وأدت إلى انخفاض عدد الثمار وجودتها، كما انعكست على نسبة السكريات في عدد من المحاصيل، وفي مقدمتها البطيخ، خاصة في مناطق الإنتاج الرئيسية مثل كفر الشيخ والبحيرة والنوبارية.  

ويضيف أن موجات الحرارة المرتفعة خلال المراحل الحرجة من عمر النبات تسببت في زيادة الإجهاد الفسيولوجي، وهو ما انعكس على معدلات النمو وجودة الإنتاج، مؤكدًا أن هذه الظواهر لم تعد استثنائية، بل أصبحت تتكرر بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.  

لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التغيرات المناخية ليست المسؤول الوحيد عن الأزمة، موضحًا أن بعض الممارسات الزراعية الخاطئة فاقمت حجم المشكلة، وفي مقدمتها الإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية، التي تشجع النمو الخضري على حساب تكوين الثمار، وتجعل النبات أكثر عرضة للإجهاد الحراري.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

التسميد المتوازن… خط الدفاع الأول  

ويوضح غنيم أن مواجهة الإجهاد الحراري لا تعتمد على زيادة كميات الأسمدة، وإنما على تحقيق توازن دقيق بين العناصر الغذائية التي يحتاجها النبات، مؤكدًا أهمية برامج التسميد المتوازن التي تضم النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم، والكالسيوم، والسيليكون، إلى جانب الأحماض الأمينية والعناصر الصغرى، بما يساعد النباتات على مقاومة موجات الحر، وتحسين جودة الثمار، والحد من المشكلات الفسيولوجية، مثل تشقق الثمار، والعفن، وضعف جودة اللُب.  

ويشير إلى أن الإدارة السليمة للري أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة التسميد، إذ يؤدي اضطراب مواعيد الري، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، إلى زيادة الضغط على النبات، وانخفاض كفاءة امتصاص العناصر الغذائية، وهو ما ينعكس سلبًا على الإنتاج.  

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

أجندة زراعية جديدة لمواجهة مناخ مختلف  

ويرى أستاذ الخضر أن مصر أصبحت بحاجة إلى أجندة زراعية جديدة تراعي تأثيرات التغيرات المناخية والظواهر العالمية، وفي مقدمتها ظاهرة «النينو»، بحيث تُحدد مواعيد الزراعة المثلى لكل منطقة وفقًا للبيانات المناخية الحديثة، وليس اعتمادًا على الأنماط التقليدية التي استمرت لعقود.  

ويؤكد أن هذه الأجندة يجب أن تستند إلى نتائج البحوث العلمية وبيانات الرصد المناخي، بما يسهم في إطالة الموسم الزراعي من خلال توزيع زراعة المحصول نفسه على مناطق مختلفة، الأمر الذي يساهم في تحسين إنتاجية الفدان، ورفع جودة المحاصيل، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الزراعية المصرية.   

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية

من المزاد إلى المستقبل  

وبين صخب المزاد اليومي في سوق الحضرة، حيث تتحدد أسعار البطيخ في دقائق معدودة، وهدوء الحقول التي تبدأ فيها رحلة الثمرة قبل أشهر من وصولها إلى المستهلك، تتكشف ملامح معادلة جديدة فرضتها التغيرات المناخية على الزراعة المصرية.  

فارتفاع درجات الحرارة، واضطراب الفصول، وتكرار الظواهر المناخية العالمية، لم تعد مجرد أرقام في تقارير علمية، بل أصبحت عوامل مؤثرة في حجم الإنتاج، وجودة المحاصيل، وأسعار الغذاء، بما يفرض على جميع الأطراف، من المزارع والباحث إلى صانع القرار، تبني رؤية أكثر شمولًا للتكيف مع المناخ المتغير.  

ويؤكد ما كشفته رحلة «بوابة الأهرام»، من سوق الحضرة إلى حقول بلطيم، مرورًا بآراء الخبراء والباحثين، أن مستقبل الزراعة المصرية لن يعتمد فقط على خصوبة الأرض أو خبرة المزارعين، بل على قدرة الجميع على تحويل المعرفة العلمية إلى ممارسات عملية، تضمن استدامة الإنتاج، وتحافظ على الأمن الغذائي، وتعزز مكانة الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق العالمية. 

سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية سوق وكالة الحضرة في الإسكندرية