* د.أحمد مجدي ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس
لا تزال أصداء فيلم الأوديسة The Odyssey للمخرج كريستوفر نولان تدوي في الساحات النقدية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي فور طرحه منذ أيام قليلة في دور العرض (07-17-2026)، محققًا أرقامًا قياسية في شباك التذاكر العالمي تخطت 700 مليون دولار، مما خلق حالة من التباين النقدي وإثارة الجدل بين مؤيدي الفيلم، وبين من يهاجمه، لعدم التزام نولان بشكل كبير ببعض تفاصيل الأسطورة الأصلية، وهو ما أثار استياء البعض.
تابعوا قناة FilFan.com على الواتساب لمعرفة أحدث أخبار النجوم وجديدهم في السينما والتليفزيون اضغط هنا
القصة بسيطة نسبيًا، يحاول أوديسيوس، الذي يؤدي دوره (مات ديمون) بأداء مميز ولافت، العودة إلى وطنه وزوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنه تيليماخوس (توم هولاند) بعد حرب طروادة التي استمرت عشر سنوات، وتوقع الجميع موت أوديسيوس بعدها. وكما سنكتشف، فإن الرحلة ليست سهلة للعودة، حيث تبدأ الرحلة ببعض الإشاعات التي تفيد بأن أوديسيوس لم يمت، ثم يندلع صراع على عرشه بين رجال إيثاكا (الجزيرة التي يحكمها أوديسيوس) الذين يجتمعون يوميًا في منزل زوجته عنوة ويغوون خدمها، على أمل أن تستسلم في النهاية، وتختار أحدهم، وتتزوجه، بينما يبذل أوديسيوس قصارى جهده للعودة لمنزله وإنقاذ زوجته وعرشه، وذلك بمساعدة ابنه تيليماخوس الذي يتمسك برواية عدم موت أبيه فيبدأ رحلة هو الآخر للبحث عنه.
“أوديسة نولان”: رحلة سينمائية تكسر الأرقام القياسية وتتخطى 700 مليون دولار.
تنقذ كاليبسو (تلعب دورها تشارليز ثيرون) أوديسيوس وتصحبه معها إلى جزيرتها، وهناك تقع في حبه، وتتسبب أزهار اللوتس التي تطعمه بها في فقدان مؤقت لذاكرته، ومن بعدها لا يتذكر أوديسيوس تفاصيل عن الحرب الماضية، إلا من خلال بعض الذكريات التي تظهر فجأة في حاضره مثل الومضات التي تلح عليه لتكريم رجاله الذين لقوا حتفهم، وتحثه على العودة لحبيبته بينيلوبي، فيترك كاليبسو في محاولة للعودة إلى إيثاكا.
التداخلات الزمنية والسرد غير الخطي
كعادة كريستوفر نولان المولع بفكرة تداخل الخطوط الزمنية، وتشابك الأحداث، وعدم التزامه بالسرد الخطي المتتابع، وذلك في أفلام مثل Inception و Memento فإن فيلم الأوديسة يسير على نفس النهج، ولكن بشكل أبسط، حيث نرى تشابكًا في الأحداث من خلال التنقل غير الخطي للأزمنة والأماكن؛ بين رحلات أوديسيوس من جهة. والابن الذي يبحث عنه من جهة أخرى، وذلك من خلال تقنيات السرد القائمة على الاسترجاع (فلاش باك).
يبدأ الفيلم من منتصف الأحداث في إيثاكا قبل أن نعود بالسرد إلى الماضي، وذلك من منظور مزدوج بين أوديسيوس المحاصر في جزيرة نائية لا يتذكر ماضيه، وتيليماخوس الذي يواجه خاطبوا أمه الجشعون من الرجال في إيثاكا ويودون قتله، بهدف ظاهر وهو حماية إيثاكا من الجيوش المعادية، وبسبب باطن الحصول على عرش أوديسيوس. لنشعر أننا نشاهد حدثًا داخل حدثٍ، يربطهما الروايات الشفوية من الشخصيات، ومشاهد الفلاش التي تتنقل بين الأحداث الماضية في حرب طروادة، وبين الصراع الحاضر على العرش في إيثاكا، وهذه الأحداث تتقاطع جميعًا في فكرة أساسية وهي الطمع، سواء طمع أجاممنون في خيرات طروادة (وهو السبب الحقيقي للحرب في فيلم نولان) أو طمع رجال إيثاكا في عرش أوديسيوس وزوجته الجميلة.
حيث يبدو أن القصة التي يتناولها نولان تعزي حرب طروادة إلى فكرة رغبة الإغريق في كسر الاحتكار الطروادي لطرق التجارة والمعادن نحو البحر الأسود، وهي أهداف اقتصادية وسياسية لأجاممنون لفرض سيطرته على المنطقة، وليس السبب الآخر المذكور في الأساطير( خطف الملك الطروادي باريس لهيلين زوجة مينلاوس شقيق أجاممنون) وبالتالي أصبح ذلك هو المحرك الأول لحرب طروادة في ذاكرة أوديسيوس المشوهة، التي يغمرها الندم لتسببه في دمار طروادة وتدنيس مذابح الآلهة، وذلك نتيجة لحيلته الشهيرة لدخول طروادة الحصينة عن طريق حصان خشبي يتم تقديمه في هيئة هدية من الإلهة (أثينا) لشعب طروادة، ولكن في حقيقة الأمر فهو يخبئ في داخله أوديسيوس وجنود طروادة، وفور أن يحل الليل يقوموا بالخروج من الحصان وفتح أبواب طروادة الحصينة على مصراعيها للجيش الإغريقي الذي يقوم بالسلب والنهب والقتل، وإهانة الآلهة وتدمير تماثيلهم في المعابد.
“أثينا” برؤية زندايا: تجسيد حي لضمير أوديسيوس في رحلة التطهير من خطايا الحرب.
مشاهد الفلاش باك وأثينا وذنب أوديسيوس!
ويبدو أن أحداث الدمار التي خلفتها ويلات الحرب لازالت في ذاكرة أوديسيوس الذي يقاسي وطأة الشعور بالذنب بسبب الحرب، في رؤية مباشرة لأفكار نولان نفسه (في تشابه بين شخصية أوديسيوس ، وشخصية أوبنهايمر مخترع القنبلة الذرية في فيلمه السابق)، فنولان لا يستعرض رحلة الأوديسة الملحمية بقدر أنه يسلط الضوء على نتائج الحرب داخل نفس أوديسيوس، حيث يمثل هنا حصان طروادة الخشبي، رمزًا لأداة تكنولوجية فريدة مصنوعة على يد صانع ذكي وماهر تسبب في دمار طروادة، فأصبحت رحلة أوديسيوس ليست فقط رحلة تيه لقائد مغوار في محيطات وبحار العالم، بقدر أنها رحلة تطهير من الخطايا والآثام، سواء داخل طروادة أو بعدها، وذلك بسبب قراراته الخاطئة في اختيار خط سير رحلة العودة إلى بلاده، مما كلفه خسارة طاقمه بالكامل، ولذلك أصبح مثقلًا بالذنب طوال رحلته.
وقد استخدم نولان لتعزيز ذلك الشعور بالذنب تقنية المزج بين المشاهد، واسترجاع الأحداث السابقة (الفلاش باك)، وذلك لتوضيح فكرة تفكك وتشظي الذات تحت وطأة الشعور بالذنب، من خلال استرجاع مشاهد دمار واحتراق طروادة التي يراها الجمهور بشكل بصري في جميع ذكريات أوديسيوس التي يستحضرها أثناء رحله تيهه في البحار. بالإضافة إلى شخصية أثينا ربة الحكمة في الحضارة الإغريقية (تؤدي دورها الممثلة زندايا) التي تظهر في صورة طيفية بائسة وشاحبة، تحاول مساعدة أوديسيوس، ولكنها أيضًا تتحدث معه بعتاب وترمقه ببعض نظرات اللوم على ما اقترفه في حق الأبرياء، بسبب حيلة الحصان المشبوهة التي تم تقديمها باسم الآلهة، في تجسيد غير مباشر لضميره الإنساني الذي يضعه في مكاشفة مع ذاته، وبوصفها (أثينا) انعكاسًا رمزيًا لا مرئيًا لأفكاره الداخلية وعقله الباطن، حيث لا يراها إلا هو فقط.
ليحاول نولان تقديم رؤية إنسانية نفسية داخلية لشخصية أوديسيوس، بعيدًا عن فكرة القدر وعقاب الآلهة المباشر لقائد ذكي قد تحدى الآلهة (فقأ عين العملاق بوليفيموس إبن بوسايدن إله البحار والمحيطات) وأصابته اللعنات ( وهي فكرة البطل التراجيدي Tragic Hero الذي يلقى مصيره المحتوم نتيجة تحديه للآلهة، وهفواته ونزعاته الداخلية الشخصية Hamartia)، وذلك لكي يتناول الشخصية من زاوية أخرى وهي أن أوديسيوس العصر مجرد إنسان قد لا يؤمن بالخرافات ولا يعتمد على النبوءات أو العرافين أو القرابين في كثير من الأحيان، بينما يؤمن رفاقه إيمانًا راسخًا بعالم خارج عن سيطرتهم، مليء بقوى خفية تطاردهم، لتصبح مشكلة أوديسيوس الوجودية الكبرى أنه مثقل بالشعور بالذنب بسبب سوء تقديره لبعض الأمور، بعد أن تاه مع رفاقه لأسباب قد تكون خطأه، أكثر من مجرد صراعات مع الناموس الكوني والإلهي.
“التداخل الزمني”: كيف أعاد كريستوفر نولان صياغة الأسطورة بأسلوب السرد غير الخطي؟
أجاممنون: آلة الحرب وشبح الموت في ذاكرة أوديسيوس
يصور كريستوفر نولان شخصية أجاممنون (الذي يؤدي دوره بيني سافدي) وجهه مخفي دائمًا خلف خوذة ضخمة متصلة بحبل معدني ذهبي اللون يشبه الفقرات العظمية للظهر، إذ يتخذ شكل أجاممنون طابعًا آليًا روبوتيًا، لكي يظهر كأنه آلة صماء تفتقد المشاعر والتعاطف، ويعكس هذا الخيار البصري غروره وصلفه المُفرط، الذي يتسبب في قتله في النهاية، فعندما يدخل القصر مغرورًا متبججًا بانتصاره يستسلم لكلمات كليتمنسترا زوجته، ولا يأخذ الحيطة منها رغم شعور جميع من حوله بحدوث مكروه بعد أن اتخذت عشيقًا لها في غيابه. ولكنه يستسلم بسهوله للإغواء ويتجه مباشرة نحو مصيره المحتوم.
يخفي القناع افتقاره للشجاعة الحقيقية والحكمة التي يروج لها طيلة أحداث الحرب، ويصوّره كرمزٍ مؤلمٍ بلا ملامح لصدمة الحرب ودمارها في ذاكرة أوديسيوس. حيث يتخذ موضوع الخوذة رمزية بصرية ساخرة – عمود فقري ذهبي فاخر مصقول لقائد يفتقر في النهاية إلى المبادئ الأخلاقية ويتجنب القتال في الخطوط الأمامية، حيث يظهر في جميع مشاهد الحرب مثل روبوت ضخم صامت ينتظر خارج أسوار طروادة، بينما يتدفق جيشه في حماس لقتال العدو.
إن إخفاء وجهه يحوّله إلى آلة حرب غير أدمية مرعبة، وهو ما يعمق إحساس أوديسيوس بالشعور بالذنب كلما يراه؛ لأنه يذكره بأهوال حملة طروادة، حيث أنه يظهر في صورة آلة، وليس قائدًا رحيمًا، فيشعر أوديسيوس في لحظات عديدة أنه يتبع آلة وليس رجًلا، ولذلك عندما يقرر الجيش الإغريقي العودة إلى الوطن في نهاية الحرب، يرفض أوديسيوس تتبع مسار أجاممنون إلى بلاده، ويختار أن يسلك طريقًا مغايرًا للعودة قائًلا إنه اكتفى من الزحف خلف أجاممنون.
اختار نولان أيضًا أن يظهر أجاممنون بحجم عملاق مقارنة بمن حوله، حيث نراه في بعض المشاهد وهو يمشي منتصب القامة، ومن خلفه ظل داكن وضخم، وعندما يظهر في أي مشهد، نشعر بحضوره الرهيب والمبالغ فيه، بهدف إبراز اعتقاده بأنه يُنظر إليه كإله، وفي منزلة أعلى بكثير من الملوك والجنود العاديين، لتأكيد فكرة غطرسته وغروره الذي يؤدي في النهاية لمصيره، بالإضافة إلى تجسيده للجانب الوحشي للحملة، وهو الجانب الذي يعلق في ذاكرة أوديسيوس.
مات ديمون في دور “أوديسيوس”: صراع العودة إلى الوطن بين ضياع الذاكرة وأشباح الماضي.
هيلين وكليتيمنيسترا وجهان لعملة واحدة: الغضب والثأر!
تلعب لوبيتا نيونجو دورين: الأولى كليتيمنيسترا زوجة أجامنون، والدور الثاني هيلين زوجة مينلاوس، التي أشعل اختطافها حرب طروادة في الأساطير، ولكنها ليست الرواية الأهم في أوديسة نولان. وعلى الرغم من أنه لا توجد مصادر مؤكدة تفيد بأنهما توأمان متطابقان، إلا أن نولان قد فعل ذلك لأسباب قد تبدو مهمة من وجهة نظره، وأبرزها تفكيك الصورة الأسطورية التي ترتبط في أذهان الجمهور بالشخصيتين، والتأكيد على أن كل منهما انعكاس للأخرى، وأنهما قد وقعتا ضحيتين نتيجة للحرب ولطمع أجاممنون، حيث استخدم أجاممنون هيلين بوصفها ذريعة للحرب مما أشعل غضبها. وقد ضحّى بابنته الكبرى إيفيجينيا استرضاءً للربة أرتميس، ليتمكن من الحصول على رياح قوية تُمكّن سفن الجيش من الإبحار نحو طروادة، مما أشعل الثأر في قلب زوجته ( يظهر ذلك في مشهد بصري من ذاكرة أجاممنون وهو يصطحب طفلة صغيرة باكية إلى البحر، وتحاول كليتيمنيسترا منعه بقوة، وهي تذرف الدموع بحرقة، في حين يعترض حراس أجاممنون طريقها، ويعلق على المشهد قائلًا أنه قد سمم قلبها قبل رحيله إلى طروادة).
شاهد ايضاً
وقد تعددت الأسباب الأخرى لفعل القتل في بعض الأعمال المسرحية التراجيدية (مسرحية أجاممنون للشاعرالإغريقي إيسخيلوس) ومنها اصطحاب أجاممنون محظية تدعى كاسندرا من طروادة إلى القصر مما أشعل نار الغيرة داخل كليتيمنيسترا، بالإضافة لاتخاذها إيجيسثوس (ابن عم أجاممنون) عشيقًا لها بعد إبحار أجاممنون إلى طروادة.
يؤكد نولان من خلال تجسيد لوبيتا للشخصيتين، هيلين وكليتيمنيسترا أنهما عملة واحدة، ولكن لها وجهان؛ وجه غاضب يمثل هيلين (تظهر مشوهة الوجه في الأحداث لإظهار فكرة التداعيات النفسية والإنسانية والجسدية للحرب على هيلين أيقونة طروادة)، ووجه آخر ينتظر الثأر يتجسد في الزوجة كليتيمنيسترا التي تظهر في شكل امرأة قاسية تتصرف مثل الرجال وتتخذ لنفسها عشيقًا، وتقتل أجاممنون بنفسها في مشهد يظهر عن طريق الاسترجاع، عندما يزور أوديسيوس العالم السفلي ويقابل شبح أجاممنون هناك فيروي له ما حدث من خيانة. ليحتفظ نولان بالصورة الثأرية الوحشية القوية من كليتيمنيسترا التي تنحر فيها عنق أجاممنون بنفسها، وليس بمساعدة من عشيقها مثل الأسطورة الأصلية أو بعض التناولات المسرحية الأخرى، وذلك حتى تظهر شخصيتها بشكل مُركب ومعقد يجمع بين القسوة والقوة والتأمر والخيانة، التي تتشابك جميعها مع بعض الدوافع التي ساعدت على تفجير غضبها المكبوت.
“أجاممنون” آلة الحرب الصماء: رمزية الخوذة الذهبية والغرور الذي قاد للنهاية المحتومة.
سينون والوجه الطفولي ضحية ويلات الحرب
يلعب الممثل (إيليوت بيدج) دور سينون (الجندي الذي اقنع الطرواديين بقبول حصان طروادة) وليس أخيل كيفما كان يتوقع البعض قبل طرح الفيلم، حيث أثارت التكهنات حول لعبه لدور البطل أخيل موجة عارمة من الانتقاد، لأنه لا يتوافق مع النسخة الأسطورية من شخصية أخيل التي قام بتقديمها الممثل الشهير براد بيت في نسخة فيلم تروي 2004.
يعيد نولان تصور سينون كراعي غنم إيثاكي صغير مولع بمغامرات أوديسيوس ومخلصًا له، ينضم إلى الحرب كبديل عن الخاطب الجبان أنتينوس (يلعب دوره روبرت باتينسون). وبدلاً من كونه مجرد جندي مخادع في الحرب مثل الأسطورة الأصلية، يُبرز تجسيد سينون في الفيلم أسئلة جوهرية حول الشعور بالذنب، والخيانة في زمن الحرب، ويضع المبادئ الأخلاقية لأوديسيوس في مُسائلة، حيث اختار أوديسيوس إخفاء حقيقة الحصان عن سينون، وذلك لتجنب أن يكشف لجنود طروادة عن الخديعة إذا تعرض للتعذيب، وقد حدث ذلك، حيث توفي سينون دون أن يدرك سر الحيلة.
قد يرجع سبب اختيار نولان لإيليوت بيدج أنه يمتلك بنية جسدية نحيلة ووجهًا طفوليًا يتوافق مع التصور والهدف الخاص الذي يسعى نولان إلى طرحه في فيلمه، وهو أن يستخدمه في إثارة مشاعر الندم والذنب بشكل أكبر داخل نفس أوديسيوس بعد أن استغله في حيلة الحصان، غير مكترث بضعفه ومعاناته وتعذيبه، حيث قام بالتضحية به من أجل الحرب رغم عمره الصغير، وثقته العمياء به، ليتحول سينون إلى شبح يطارد أوديسيوس في ذاكرته، بعد أن ظهر في العالم السفلي وهو يعاتب أوديسيوس على استغلاله له وعدم مصارحته بحقيقة حيلة الحصان رغم ولائه الكامل له، حيث يشير سينون إلى حقيقة مقيتة، وهي أن أوديسيوس قام بالكذب عليه والتضحية به من أجل دخول طروادة، وأنه قد فضّل انتصار الحملة على مبادئ ومواثيق الشرف والعهد بين الرجال.
وبالطبع لا يمكن أن نجزم بشكل نهائي بحقيقة أن المواصفات الجسدية والخارجية للشخصية، كانت هي السبب الرئيسي للاستعانة بالممثل إليوت بيدج، أم أن هناك أسبابًا أخرى غير معلنة (خضع الممثل لعمليات التحول الجنسي، مما دفع البعض إلى الاعتقاد أن وجوده كان مقصودًا من نولان لإرضاء لجان جوائز المسابقات، التي تفضل وجود فئات مختلفة من الممثلين لضمان تمثيل أوسع للأقليات العرقية والجنسية، كخطوة لتحقيق العدالة في إسناد الأدوار التمثيلية )، ولكن الجدير بالذكر أن الممثل قد عمل مع نولان قبل ذلك في دور( أريادني) وذلك في فيلم Inception عام 2010، مما قد يكون من الأسباب المهمة للاستعانة به مرة أخرى في الأوديسة.
“هيلين وكليتيمنيسترا”: وجهان لعملة واحدة في صراع الغضب والثأر تحت وطأة طمع الملوك.
أوديسة نولان وليس أوديسة هوميروس!
في النهاية ينجح كريستوفر نولان في عمل معالجته الخاصة للأوديسة، وهنا نستخدم كلمة المعالجة لأن نولان لم يلتزم بالجوهر الأساسي للعمل، وإنما سلط الضوء بشكل أكبر على جوانب أخرى مثل ندم أوديسيوس العميق، وثمن الحرب الباهظ، وإخفاق أوديسيوس في حماية طاقمه وإعادتهم سالمين، ورحلته في نهاية الأحداث لتكريم رجاله الموتى، أكثر من تناول أسطورة الأوديسة في حد ذاتها. وعلى الرغم أن نولان احتفظ بأحداث عديدة من الأوديسة الأصلية إلا أنه لم يحتفظ بالروح العامة والجوهر الخاص بالملحمة، وإنما شكلت الأوديسة بالنسبة له عمودًا فقريًا للعمل (مع الإستعانة ببعض أحداث ملحمة الإلياذة التي تظهر فلاش باك، وليس في الوقت الفعلي للفيلم)، ولكن مع تطوير الفكرة وخطوطها الدرامية وشخصياتها وزمنها ورؤيتها الفنية وليس التقيد الحرفي بالنص الأصلي وفلسفته وأهدافه.
فلو كنت تنتظر أن ترى الأوديسة كما هي في أشعار هوميروس (الذي ينسب له الفضل في تدوين وتجميع الأوديسة، غير أن هناك بعض الآراء الأخرى التي تشكك في وجوده من الأساس) فلن تجد ما تنتظره، وإنما الفيلم يقدم مزيجًا بين أحداث حرب طروادة في ملحمة الإلياذة، ورحلة عودة أوديسيوس إلى الوطن في الأوديسة الأسطورية، برؤية نولان الخاصة لشخصية أوديسيوس الإنسانية التي تخوض حربًا تعتمل في نفسها، وذلك في صورة سينمائية ملحمية واقعية آسرة على مستوى التمثيل والتنفيذ والتصوير والإخراج، بعيدًا عن المؤثرات البصرية والتقنية المبالغ فيها، في عصر الذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضا:
بسمة بوسيل بإطلالة صيفية بسيطة … سعرها 104 ألف جنيه
قطة بس بخربش … نسرين طافش في أحدث ظهور بفستان فوشيا قصير
من غياب في الطفولة لـ”جزمته على دماغي” … محطات في حياة تامر حسني ووالده الراحل
حمادة هلال يشعل أجواء حفله في العلمين الجديدة … ويقدم دويتو مع محمد قماح
لا يفوتك: سبب انسحاب منة فضالي من “عيلة عاملة عمايل” في سوريا
لا يفوتك: عشاق الأكشن … 5 أفلام أكيد أكيد واحد منهم على الأقل هتشوفه أكتر من مرة ✋
حمل آبلكيشن FilFan … و(عيش وسط النجوم)
جوجل بلاي| https://bit.ly/36husBt
آب ستور|https://apple.co/3sZI7oJ
هواوي آب جاليري|






