«الألم الذي يبدأ من العائلة.. لا ينتهي أبداً»، هكذا قال الأديب الروسي «فيودور دوستويفسكي»، فهل هناك إحساس أكثر رعباً، من أن تكتشف، فجأة، أن الخطر لم يكن يوماً يقف خلف باب بيتك، وإنما كان طيلة الوقت جالساً بجوارك، يقاسمك تفاصيل يومك، فرحك وأحزانك، من كنت تهرع نحوه، تشكو إليه قسوة الآخرين، تبوح له بأدق أسرارك، تكشف أمامه مكنون نفسك، تريه نقاط ضعفك، تهديه بإرادتك مفاتيح الغرف الداخلية التي ظننت أنك أغلقتها في وجه العالم؟.
ونحن صغار، كنا نخشى الغرباء، نخاف أن يصيبونا بأذى مجهول، وبعد أن مضى بنا العمر، علمتنا الأيام أن الغريب حين يؤذيك يؤكد مخاوفك الأولى من العالم، أما القريب حين يفعلها، فإنه يهدم الفكرة التي كنت تستند إليها لتشعر بالأمان، يسرق من داخلك أشياء كانت «قوت روحك»، فيتركك وحيداً فريسة للجوع، ينهشك بلا رحمة، ربما يمكننا إغلاق الباب أمام الغريب المؤذي، ولكن ماذا عمن أعطيناه بأيدينا كل المفاتيح؟.
ولهذا، ظلت «الخيانة» داخل الأسرة، واحدة من أكثر «التيمات» قسوة وإثارة وصدمة في الدراما، ليس لأنها تقدم «جريمة استثنائية» فقط، ولكنها تضع الإنسان أمام السؤال الأكثر وجعاً: ماذا يحدث لنا حين يسقط جدار الثقة فوق رؤوسنا ونحن في «أأمن مكان في العالم»: بيتنا؟؟
لو أن طفلاً صغيراً يشعر بالألم فجأة، فبدون أدنى تفكير يجد نفسه يجري نحو أمه، ما بالنا لو أنها تصفعه حين يهرع إلى حضنها «الآمن المأمون»؟ كيف سيشعر الطفل وقتها؟ سيناريوهات نفسية مضطربة إلى ما لا نهاية!.
في الدراما، لم تعد الجريمة دائماً تأتي من «الشرير» التقليدي، الغريب، الوافد إلى «الحكاية» من خارجها، لم يعد صاحب «ملامح الجاني القاسية» الواضحة منذ اللحظة الأولى، وإنما اشتد زمن القسوة، وأصبحت الجريمة تولد أحياناً في أكثر «المساحات الحميمية»، وهي بالمناسبة نفس المسافة التي حددها عالم الاجتماع الأمريكي إدوارد هال بمقياس بين «0-45 سم»، وكان يقصد بها العلاقات الوثيقة الحميمية بين الأشخاص، في لغة الجسد: بين أخوة، زوجين، وربما أب وابنه، أو أم وابنتها!.
هنا، تكمن المفارقة الدرامية الكبرى، كلما اقترب الجاني من الضحية، ازدادت بشاعة الجريمة، وكلما كان رباطهما مقدساً، أصبحت الخيانة أكثر صدمة، فلا يصبح السؤال: من قتل، وإنما: كيف استطاع هذا «القريب للقلب» أن يقتل؟.
من هذه المنطقة المظلمة، جاء مسلسل «تحت السن- أندر إيدج» الذي انتهى عرضه مؤخراً، واختارت حلقته الأولى «موض اختفاء الفتاة هنا» لغزاً تدور في فلكه الأحداث، قبل أن يتحول الاختفاء إلى «جريمة قتل»، وفجرت الحلقة الأخيرة مفاجأة، فالمأساة لم تكن مجرد جريمة ارتكبها «المدرس- أحمد الرافعي»، الرجل الغريب عنها، وإنما كانت الأم «فرح يوسف»، حلقة مفصلية في السلسلة التي قادت الابنة إلى مصيرها المفجع، أينعم لم تقتلها بيديها، لكنها خلقت الظروف التي قتلتها، حين طلبت من «عشيقها» منع الابنة من «فضح الأم»، فما كان منه إلا أن احتجز الابنة، وفي لحظة شجار سقط «الدولاب فوق رأسها» فماتت.
أحياناً تتجاوز الدراما سؤال «مَنْ القاتل؟»، إلى سؤال أعمق: «هل وقعت الجريمة لحظة حدوث الموت، أم أنها بدأت قبل ذلك بكثير؟»، هل تبدأ الجريمة حين يضرب القاتل ضحيته، أم عندما يخون شخص ثقة من يحبه، أم حينما يضع مصلحته ورغباته السرية الممنوعة فوق حق إنسان آخر في الأمان؟؟ فالأم لم تمسك سكيناً ولم تسقط الدولاب فوق رأس ابنتها، لكن الباب الذي فتحته “الابنة” لتكتشف «العلاقة الآثمة»، كان هو نفس الباب الذي فتحته الأم، فدخلت منه الكارثة!.
الضحية هنا لم تكن امرأة بالغة تستطيع قراءة العالم وفك شفرة تعقيداته، ولكنها كانت فتاة في عمر المراهقة، ينحصر عالمها في المدرسة والصديقات والأسرة والحب الأول، وهو العالم الذي كان من المفترض أن يمنحها الأمان، وجاءت المفارقة أن عالم المراهقين لم يكن بريئاً تماماً كما يبدو، أما الكبار فلم يكونوا أكثر نضجاً أو أخلاقاً من الصغار!.
وإذا كانت «الخيانة العاطفية» مدخلاً للجريمة في «تحت السن»، فإن عدداً من المسلسلات من قبل، جعلت “الطمع” مدخلاً شيطانياً، حوّل رابط الدم إلى دافع للقتل، فها هم الأبناء يقتلون الأم للحصول على الميراث، في مسلسل «الطوفان»، 2017، ومن قبله بثلاث سنوات، اتفق الأبناء على قتل أبيهم في مسلسل سبع وصايا، وكأن الدراما تريد القول إن رابطة الدم وحدها لا تكفي لصناعة عائلة، فحين تغيب الرحمة يمكن للدم أن يتحول إلى مجرد قرابة بيولوجية بلا معنى إنساني، والمحزن أن مؤلف «سبع وصايا» صرح وقتها أن الأحداث مستقاة من واقعة حقيقية، وكم من «فواجع» نطالعها عبر صفحات الحوادث، وآخرها بالإسكندرية، حين قتلت محامية أمها ومزقت جسدها إرباً، في حادثة تقشعر لها الأبدان!.
شاهد ايضاً
وقد تصبح المعرفة الحميمية والقرب سلاحاً فتاكاً يجيد ارتكاب الجرائم، وفي عالم «الاضطرابات النفسية»، قتل البطل «محمد فراج» أباه في مسلسل «الحصان الأسود»، وفي «سفاح الجيزة» بدأت العقدة النفسية للقاتل المتسلسل، أحمد فهمي، منذ رأى «في طفولته» أمه تقتل أباه، ليستشعر بعدها لذة القتل لمن يعرفهم ويعرف مم يخافون، وبم يثقون، ليزهق أرواح النساء اللواتي أحبهن وأحببنه، ثم ينتهي بقتل “عمته” وهي التي كانت تطعمه بيديها، فالإنسان حين يحبك.. يعرف كيف يحميك، لكنه حين يخونك.. يعرف جيداً كيف يوجعك!.
جرائم الأقربين، ألهمت صناع الدراما، في مسلسلات مثل «منعطف خطر، نسر الصعيد، عملة نادرة، وبرغم القانون»، ومنذ القصة الإنسانية الأشهر «هابيل وقابيل» ومن بعدها «أخوة يوسف»، ألهم الواقع صناع محاكاته، بالعديد من المسلسلات، منها «ولي العهد، والبرنس»، والدراما هنا لا تقول إن الأسرة شريرة، بقدر ما تقول إن الإنسان قابل للانهيار، ومع تكرار صورة الأسرة القاتلة أو الخائنة، لا ينبغي اعتباره حكماً على الأسرة بوصفها «مؤسسة اجتماعية» وإنما استخدمتها الدراما لأنها أكثر الأماكن قدرة على إنتاج الصدمة.
بنظرة سريعة على دراما السنوات الأخيرة، توقفنا أمام مسلسلين: «العائدون»، حين خنق الابن المتطرف «دياب» أباه، بدم بارد، وقبلها المأساة الحقيقية حين خان الأب ثقة ابنه، فلجأ الابن إلى قتل أبيه، وأشعل فيه النيران، بمسلسل «ابن حلال»، في واحد من أبشع مشاهد الدراما، وبالمناسبة فإن «بشاعة الجرائم» لا تقاس بأعداد الضحايا، وإنما بـ مساحة القرب التي كانت بين الجاني والضحية!!.
ولعل التطور اللافت في معالجات الدراما للجريمة، أنها لم تعد بالضرورة جثة وسكيناً ودماء، فكم من جرائم تبدأ من هاتف، ورسالة، وابتزاز، واستغلال ثقة، ومن التخلي عن شخص يعرف أنك ملاذه الأخير، وهي «الخيانة» الأشد أحياناً من القتل، فالقتل ينهي حياة، أما الخيانة فيمكنها إعادة كتابة الماضي بأكمله، هي لا تهدم العلاقة وحدها، وإنما تهدم ذاكرة العلاقة: حين تكتشف خيانة أقرب الناس، لا يصبح الماضي بريئاً كما كان.
وتتحول كل ذكرى إلى سؤال: هل كان صادقاً وقتها؟ هل كان يحبني؟ هل كنت أعيش الحقيقة أم النسخة التي أراد أن أصدقها؟ والغرباء حين يقتلون، أو يخونون، تسمح الدراما للجمهور أن يشير من بعيد: هؤلاء أشرار، أما حين يقتل الابن أباه، أو الأخ أخاه، أو تخون أم ابنتها، فإن ذلك يضع الجمهور في مواجهة منطقة نفسية صادمة، تشكك في وجود الشر أقرب إليه من أنفاسه.
مسلسل تحت السن Under Age.. مواعيد العرض والقنوات الناقلة وعدد الحلقات
بعد اكتشاف حمل هنا.. موعد عرض الحلقة 8 لمسلسل «تحت السن»
موعد عرض مسلسل تحت السن «اندر إيدج» والقنوات الناقلة.. بطولة جيسيكا حسام






