تواجه أوروبا أزمة طاقة متفاقمة مع اقتراب موسم الشتاء، حيث هبطت احتياطيات الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي إلى ما دون 58% من طاقتها التخزينية، مسجلةً أدنى مستوى لهذا الوقت من العام منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2011، وفقًا لبيانات منصة “غاز إنفراستركشر يوروب”. ويأتي هذا التراجع المقلق مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع الطلب الآسيوي، مما يُنذر بشتاء قاسٍ على صعيد الطاقة والأسعار.


 


أسباب الأزمة: حرب الشرق الأوسط والاعتماد على الغاز المسال


يمكن إرجاع جذور الأزمة الحالية إلى عدة عوامل متشابكة، كان أبرزها اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا، وهو ممر حيوي كان يمر عبره نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية،وقد تسبب القصف الإسرائيلي والأمريكي للبنية التحتية للطاقة القطرية في توقف صادرات الغاز القطري، التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا وبديلًا أرخص نسبيًا للغاز الروسي.


في الوقت نفسه، سارعت دول آسيا، وخاصة الصين، لاستقطاب شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة، مما زاد المنافسة مع أوروبا على الإمدادات العالمية المحدودة، وقد تفاقم الوضع بسبب تحول أوروبا الهيكلي بعيدًا عن الغاز الروسي بعد غزو أوكرانيا، مما جعل القارة تعتمد بشكل متزايد على سوق الغاز المسال العالمي المتقلب. واليوم، تستورد أوروبا نحو 30% من احتياجاتها من الغاز من الولايات المتحدة، التي أصبحت المورد الرئيسي.


 


أسعار مرتفعة وتوقعات بمزيد من الصعود


انعكست هذه الضغوط بوضوح على الأسعار، حيث قفز سعر الغاز الأوروبي القياسي (TTF) بأكثر من 50% منذ منتصف يونيو الماضي، متجاوزًا حاجز 60 يورو لكل ميجاواط/ساعة، وهو الأعلى منذ بداية عام 2023. وبينما تراجعت الأسعار قليلاً بعد أنباء عن محادثات محتملة بين أمريكا وإيران، إلا أن المحللين يحذرون من أن هذه الهدنة مؤقتة، وأن العوامل الأساسية لا تزال مقلقة.


وتشير تقديرات “وود ماكنزي” إلى أنه حتى في أفضل السيناريوهات، قد تصل نسبة تعبئة المخازن إلى 75% فقط بحلول نوفمبر، أي أقل بكثير من الهدف المطلوب. وفي حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، قد تنخفض النسبة إلى أقل من 70%، مما قد يدفع الأسعار نحو 90 يورو/ميجاواط/ساعة. وتتوقع شركة “إنيرجي اسبكتس” أن يتراوح سعر الغاز بين 60 و80 يورو خلال الشتاء، وقد يصل في سيناريو الأزمة إلى 110 يورو، وهو ما يقترب من مستويات أزمة 2022.


 


تبعات على الاقتصاد والمستهلكين


لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على أسعار الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد بأكمله والمواطنين. فمع أن الأسعار الحالية أقل بكثير من ذروتها في 2022 (التي تجاوزت 300 يورو)، إلا أنها لا تزال تشكل عبئًا كبيرًا على الأسر والصناعات الأوروبية التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة لأربع سنوات متتالية. ويُستخدم الغاز في توفير نحو 30% من احتياجات التدفئة المنزلية، وتوليد جزء كبير من الكهرباء، مما يعني أن أي ارتفاع في أسعاره سينعكس مباشرة على فواتير المستهلكين وقدرة المصانع على الإنتاج.


ويحذر المحللون من أن أوروبا أصبحت رهينة لعامل واحد لا يمكنها التحكم به: الطقس. فشتاء معتدل قد يوفر متنفسًا ويمنع انهيارًا كاملًا، لكن موجة برد قوية وممتدة من شأنها أن تستنزف المخزونات بسرعة، وتكشف عن هشاشة نظام الطاقة الأوروبي وتضعه أمام اختبار حقيقي لقدرته على الصمود.


تقف أوروبا اليوم على مفترق طرق خطير، إذ تجتمع عوامل نادرة لتشكل عاصفة طاقوية مثالية: مخزونات شحيحة، وإمدادات عالمية مضطربة، ومنافسة شرسة على الغاز، وأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة. ورغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن هدف تعبئة 80% من المخزونات لا يزال ممكنًا، إلا أن الشكوك تحيط بقدرة القارة على تحقيق ذلك، في ظل غياب بدائل فورية واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. ويبقى الشتاء القادم بمثابة اختبار حقيقي لقدرة أوروبا على تجاوز أزمة طاقة قد تكون الأخطر منذ عقود.