كشف تقرير حديث صادر عن وحدة كايرو كومباس Cairo Compass لمتابعة الاقتصاد الكلي، عن أن الزيادة الأخيرة فى الحد الأدنى للأجور نجحت فى تحسين دخول شريحة واسعة من العاملين، خاصة أصحاب الرواتب المنخفضة، إلا أن استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي المقدم للأسر الأكثر احتياجًا، بما يفرض تحديات جديدة أمام سياسات الحماية الاجتماعية.
وأوضح التقرير أن رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالجهاز الإدارى للدولة من 7 آلاف إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو 2026 يمثل زيادة تبلغ 14.3%، وهى نسبة تكاد تعادل معدل التضخم السنوى الذى سجل 14.3% فى يونيو الماضى، وهو ما يعنى أن الزيادة فى حد ذاتها لا تحقق مكاسب حقيقية كبيرة للقوة الشرائية إذا ما قورنت بارتفاع الأسعار.
مسعود: القوة الشرائية للجنيه قد تتراجع إلى 81% من مستواها الأساسي
قالت ندى مسعود الرئيس التنفيذي لـ”كايرو كومباس” ، إن العاملين الخاضعين لقانون الخدمة المدنية يحصلون على علاوة دورية بنسبة 12% إضافة إلى علاوة ثابتة بقيمة 750 جنيهًا شهريًا، بينما يحصل العاملون غير المخاطبين بالقانون على زيادة بنسبة 15% مع العلاوة الثابتة، فضلًا عن زيادات إضافية لبعض الفئات مثل المعلمين والعاملين بالقطاع الصحى.
أضافت لـ”البورصة”، أن هذه الصيغة تجعل أصحاب الدخول المنخفضة الأكثر استفادة من الزيادات، إذ ترتفع رواتب العاملين الذين كانوا يتقاضون الحد الأدنى القديم البالغ 7 آلاف جنيه إلى نحو 8590 جنيهًا، بما يعادل زيادة فعلية تصل إلى 22.7%، وهى نسبة تتجاوز التضخم بشكل واضح، بينما تتراجع المكاسب تدريجيًا مع ارتفاع مستوى الأجور لتصبح الزيادة بالكاد أعلى من معدل التضخم لمن تتراوح رواتبهم بين 25 و30 ألف جنيه شهريًا.
وأكدت مسعود، أن قراءة الحد الأدنى للأجور وحده قد تعطى انطباعًا غير مكتمل عن تأثير الزيادة، لأن العامل الحقيقى المؤثر فى دخول معظم الموظفين يتمثل فى هيكل العلاوات والزيادات وليس فقط الحد الأدنى القانونى للأجر.
وفى المقابل، أشارت إلى أن برنامج “تكافل وكرامة” يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة عدم زيادة قيمة الدعم النقدى الأساسى منذ أبريل 2025، رغم استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضحت أن البنك الدولى يقدر عدد الأسر المستفيدة من البرنامج بنحو 4.66 مليون أسرة حتى نهاية 2025، بينما تشير بيانات وزارة التضامن الاجتماعى إلى نحو 5.2 مليون أسرة، وهو اختلاف يرجعه التقرير إلى اختلاف توقيتات البيانات أو منهجية الاحتساب، داعيًا إلى التعامل بحذر مع تلك الأرقام وعدم دمجها باعتبارها تمثل المؤشر نفسه.
وأضافت أن متوسط الدعم الشهرى يبلغ نحو 900 جنيه للأسرة، بحد أدنى 700 جنيه، بعد زيادة بلغت 25% فى أبريل 2025، دون الإعلان عن أى زيادة جديدة فى قيمة الدعم الأساسية حتى الآن، بينما اقتصر الأمر على منح موسمية خلال شهر رمضان وعيد الفطر، إلى جانب حزمة اجتماعية محدودة أعلنتها الحكومة فى فبراير 2026.
وذكرت مسعود، أن استمرار تثبيت قيمة الدعم النقدي مع ارتفاع الأسعار أدى إلى انخفاض قيمته الحقيقية شهرًا بعد آخر، موضحة أن القوة الشرائية للجنيه قد تتراجع إلى ما بين 80 و81% من مستواها الأساسي بحلول ديسمبر 2026 إذا استمرت معدلات التضخم الحالية دون تعديل قيمة الدعم، مع إمكانية انخفاضها إلى نحو 70% فقط بحلول نهاية 2027.
وأرجعت جانبًا كبيرًا من الضغوط التضخمية إلى صدمة الطاقة التى تعرض لها الاقتصاد خلال العام الحالي، موضحة أن الحكومة رفعت أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 14 و17% فى مارس 2026، بالتزامن مع انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الواردات البترولية نتيجة التوترات الإقليمية، وهو ما دفع معدل التضخم للصعود قبل أن يبدأ فى التراجع التدريجى خلال الأشهر التالية.
ولفتت إلى أن استمرار التوترات فى مضيق هرمز يمثل أحد أهم المخاطر التى تواجه الاقتصاد، خاصة مع استمرار اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف واردات الطاقة، إضافة إلى حادث استهداف سفينتين للغاز الطبيعى المسال فى ميناء دمياط، وهو ما يعكس انتقال المخاطر الإقليمية إلى البنية التحتية للطاقة فى مصر.
شاهد ايضاً
ورغم استمرار تراجع التضخم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ترى مسعود، أن أى موجة جديدة لارتفاع أسعار الطاقة قد تدفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الوقود، بما ينعكس مرة أخرى على مستويات الأسعار والأعباء المعيشية للأسر.
أشارت الرئيس التنفيذي للوحدة، إلى تباين واضح بين تقديرات المؤسسات الدولية بشأن عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، ومنها الدين العام ومعدلات التضخم واحتياطيات النقد الأجنبى، معتبرًا أن اختلاف منهجيات القياس يجعل المقارنات المباشرة بين تلك التقديرات غير دقيقة.
وفى ضوء هذه التطورات، طرحت مقترحين رئيسيين لتعزيز كفاءة شبكة الحماية الاجتماعية، يتمثل الأول فى إنشاء آلية تلقائية لزيادة مخصصات برنامجى تكافل وكرامة، كلما تجاوزت الزيادة فى أسعار الوقود نسبة محددة، بحيث يتم صرف دعم إضافى للمستفيدين خلال فترة قصيرة من صدور قرار زيادة الأسعار، بدلاً من انتظار حزم استثنائية تصدر لاحقًا.
أما المقترح الثاني، فيقضي بتخصيص جزء من الزيادة فى الإيرادات الضريبية الناتجة عن توسيع الاقتصاد الرسمى وتحسن معدلات الامتثال الضريبى لتمويل زيادة سنوية منتظمة فى قيمة الدعم النقدى، بما يربط بين ثمار الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
أضافت أن نجاح الحكومة فى احتواء التضخم لا يقاس فقط بزيادة الأجور أو تراجع معدل التضخم، وإنما بمدى الحفاظ على القوة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، مؤكدة أن استمرار تآكل قيمة الدعم النقدى قد يحد من فعالية برامج الحماية الاجتماعية إذا لم يصاحبه تحديث دورى لقيمة التحويلات بما يتناسب مع تطورات الأسعار، خاصة فى ظل استمرار المخاطر المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
نافع: تآكل الدخل الحقيقي ينقل مركز القرار الاقتصادي من المواطن إلى الأسعار
ويرى مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، أن القاعدة الأساسية في أي اقتصاد مستقر تتمثل في أن يكون الدخل الحقيقي هو المحدد الرئيسي لأنماط الاستهلاك والادخار، بحيث تتشكل قرارات الإنفاق وفقًا لقدرة الأفراد الشرائية ومستويات دخولهم.
أضاف أن هذه القاعدة تتعرض لاختلال واضح عندما يتآكل الدخل الحقيقي بفعل الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، إذ تتحول الأسعار إلى العامل الأكثر تأثيرًا في السلوك الاقتصادي، بينما يتراجع دور الدخل في توجيه قرارات الإنفاق والادخار.
وأوضح نافع، أن استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والطاقة والإيجارات والمرافق والنقل، يؤدي إلى استحواذ هذه البنود على نسبة متزايدة من دخول الأسر، وهو ما يقلص قدرتها على تكوين المدخرات، ويحد من إمكاناتها في التخطيط المالي وإدارة التزاماتها المستقبلية.
وأشار إلى أن تداعيات هذه الأوضاع لا تقتصر على الأسر، وإنما تمتد إلى قطاع الأعمال، إذ تواجه الشركات صعوبة متزايدة في إعداد خطط إنتاجية واستثمارية مستقرة، نتيجة التقلب المستمر في تكاليف التشغيل، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تحيط بالطلب المتوقع على السلع والخدمات.
أكد نافع أن أخطر ما تفرزه هذه البيئة الاقتصادية، يتمثل في اتساع نطاق عدم اليقين، بما يضعف كفاءة القرارات الاقتصادية لدى الأفراد والشركات على حد سواء، إذ تتحول الأولوية من التخطيط طويل الأجل إلى إدارة الضغوط اليومية الناتجة عن تقلبات الأسعار، وهو ما ينعكس سلبًا على معدلات الادخار والاستثمار، ويؤثر في قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.







