مرصد الذهب: التكنولوجيا تعيد تشكيل سوق الذهب في مصر خلال 5 سنوات

كتبت: هدى العيسوي

كشفت دراسة حديثة أعدها مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية عن تحولات واسعة شهدها سوق الذهب المصري خلال السنوات الخمس الأخيرة، تجاوزت مجرد ارتفاع الأسعار وتغير أنماط الطلب، لتطال طرق شراء المعدن وبيعه وحفظه وتمويله، مع تنامي حضور التكنولوجيا المالية وصناديق الاستثمار والمحافظ الرقمية وخدمات الحفظ المؤسسي.

وأوضحت الدراسة أن التحول الذي شهده السوق لا يقتصر على انتقال عمليات شراء الذهب من محال الصاغة إلى الإنترنت، وإنما امتد ليعيد تشكيل رحلة الاستثمار بالكامل، بدءًا من الوصول إلى الأسعار واتخاذ قرار الشراء، مرورًا بالدفع والحفظ والتسليم، وصولًا إلى إعادة البيع وربط الذهب بخدمات مالية وتطبيقات رقمية.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن السنوات الأخيرة مثلت واحدة من أبرز مراحل إعادة تشكيل سوق الذهب المصرية، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتقلبات سعر الصرف وتغير سلوك المستهلك، إلى جانب انتشار السبائك والأوزان الصغيرة وظهور صناديق الذهب ودخول شركات التكنولوجيا المالية والتمويل إلى القطاع.

وأضاف أن شركة ذهب مصر كانت من أوائل الشركات التي التقطت اتجاه التحول مبكرًا، وبدأت في تحويله إلى خطوات تنفيذية متتابعة، انطلقت من رقمنة الوصول إلى الذهب، ثم توسعت لتشمل الحفظ والدفع والتمويل والتطبيقات المالية، وصولًا إلى نموذج يجمع بين الذهب الفعلي والتجربة الرقمية فيما يعرف بالذهب الفيجيتال.

 تحول في طبيعة الطلب

وأظهرت أحدث البيانات أن التغيير لم يعد مرتبطًا فقط بطريقة شراء الذهب، بل امتد إلى طبيعة الاستثمار في المعدن نفسه.

ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي للنصف الأول من عام 2026، بلغ إجمالي مشتريات المصريين من المشغولات والسبائك والعملات الذهبية نحو 22 طنًا، توزعت بين 10 أطنان من المشغولات و12 طنًا من السبائك والعملات، بما يعكس تجاوز الطلب الاستثماري على السبائك والعملات للطلب على المشغولات خلال تلك الفترة.

وتعكس هذه الأرقام تغيرًا واضحًا في سلوك المستهلك المصري، إذ لم يعد الذهب مرتبطًا بصورة أساسية بالزينة والزواج، وإنما تحول بدرجة أكبر إلى أداة للادخار وحفظ القيمة، مع تزايد الإقبال على السبائك والعملات الذهبية.

وقال فاروق إن المستهلك أصبح أكثر اهتمامًا بسعر الجرام وفارق البيع والشراء والسيولة والمصنعية وإمكانية إعادة البيع، وهي اعتبارات تقترب من عقلية المستثمر، قبل أن تتطور النظرة إلى الذهب باعتباره أصلًا استثماريًا يمكن بناء خدمات مالية ورقمية متكاملة حوله.

ذهب مصر وبداية النموذج الرقمي

تأسست شركة ذهب مصر عام 2021، وقدمت منذ انطلاقها نموذجًا يجمع بين التعامل الفعلي في المعادن النفيسة واستخدام التكنولوجيا المالية، قبل أن يشهد السوق المصري إطلاق أول صندوق للاستثمار في الذهب بنحو عامين.

وتطورت منظومة الشركة لتشمل التسعير اللحظي والشراء الرقمي ومن خلال الفروع، إلى جانب التقسيط والتوصيل والحفظ المؤمن والحلول التكنولوجية للشركات.

وترى دراسة مرصد الذهب أن أهمية التجربة لا تتمثل في إنشاء منصة إلكترونية لبيع السبائك، وإنما في إعادة تصميم المنظومة المحيطة بعملية شراء الذهب وإدارته، بما يتجاوز مفهوم التجارة الإلكترونية التقليدية.

من الحفظ إلى التمويل

شهد يونيو 2023 شراكة استراتيجية بين ذهب مصر وإيجي كاش لتوفير خدمات حفظ المعادن الثمينة للعملاء، مع إتاحة شراء الذهب بأوزان تبدأ من ربع جرام وتصل إلى كيلو، مع إمكانية الاحتفاظ بالمعدن لدى جهة متخصصة ثم بيعه وفق الأسعار السائدة أو استلامه فعليًا.

وترى الدراسة أن هذه الخطوة أسهمت في فصل ملكية الذهب عن حيازته المباشرة، إذ أصبح المستثمر قادرًا على امتلاك المعدن دون الحاجة إلى الاحتفاظ به في المنزل، مع الفصل بين الجهة التي تبيع الأصل والجهة المسؤولة عن حفظه.

وتواصلت عملية الرقمنة مع دخول الذهب إلى تطبيقات وخدمات مالية جديدة، وصولًا إلى التوسع في حلول التمويل الاستهلاكي لشراء المعدن.

وفي يناير 2024، وقعت ذهب مصر اتفاقًا مع أمان القابضة أتاح شراء الذهب بالتقسيط عبر تطبيق أمان وشبكة نقاط البيع، إلى جانب الاستفادة من حلول تمويل وتقسيط أخرى، من بينها Forsa وSouhoola وBlnk.

وأكدت الدراسة أن هذه الخطوات تعكس اتجاهًا لبناء مداخل رقمية متعددة للاستثمار في الذهب، تجمع بين الشراء الإلكتروني والبطاقات والتمويل والتطبيقات المالية والحفظ والتوصيل.

وفي المقابل، شدد مرصد الذهب على ضرورة التفرقة بين تطور أدوات السوق وجدوى القرار الاستثماري، موضحًا أن شراء الذهب بالتمويل لا يمثل بالضرورة الخيار الأنسب لكل مستثمر، إذ يجب احتساب تكلفة التمويل ضمن التكلفة الحقيقية للذهب والعائد المتوقع منه.

 التكنولوجيا تعزز الحوكمة

لم يقتصر التحول على عمليات البيع والدفع، إذ انضمت TIG Dahab Masr في أكتوبر 2024 إلى مجلس المجوهرات المسؤولة، ضمن فئة تجارة وتكرير والتحوط في المعادن النفيسة.

وأظهرت البيانات التي استندت إليها الدراسة حصول الشركة لاحقًا على شهادة الممارسات المهنية المعتمدة، بفترة اعتماد تمتد من سبتمبر 2025 إلى سبتمبر 2028.

وترى الدراسة أن هذه الخطوة تضيف بعدًا مؤسسيًا للتحول الرقمي، الذي لا يرتبط فقط بسرعة تنفيذ عمليات الشراء، وإنما يمتد إلى التوثيق والامتثال والحفظ المؤسسي والمعايير المسؤولة لسلسلة التوريد.

صناديق الذهب توسع قاعدة المستثمرين

وبالتوازي مع تحركات الشركات، شهد الإطار التنظيمي المصري تطورًا مع إطلاق صناديق الاستثمار في المعادن النفيسة.

ووفق أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية التي استندت إليها الدراسة، وصل عدد المستثمرين في صناديق الذهب والفضة إلى نحو 329 ألف مستثمر بنهاية يونيو 2026، مقابل نحو 289 ألفًا بنهاية مارس، بزيادة بلغت 14% خلال ثلاثة أشهر، بينما ارتفع صافي أصول الصناديق إلى نحو 9.35 مليار جنيه.

ويمثل الأفراد نحو 71% من قاعدة المستثمرين، فيما تستحوذ الفئات العمرية من 20 إلى 40 عامًا على أكثر من 70% من المستثمرين الأفراد.

وقال فاروق إن هذه المؤشرات تؤكد أن التحول الرقمي والاستثماري في الذهب تجاوز نطاق تجربة شركة واحدة، إذ تغير المستثمر نفسه وتطورت الأدوات، وأصبحت المعادن النفيسة جزءًا متناميًا من منظومة التمويل غير المصرفي.

## الذهب الفيجيتال يجمع المعدن بالتكنولوجيا

وترى الدراسة أن مفهوم الذهب الفيجيتال يقدم تفسيرًا واضحًا للمرحلة الجديدة التي وصل إليها السوق، وهو نموذج يجمع بين الذهب المادي والتجربة الرقمية.

ولا يقوم هذا النموذج على استبدال الذهب الحقيقي بأصل افتراضي، بل يبقي المعدن الفعلي محور العملية، مع رقمنة الخدمات المحيطة به.

وبذلك يستطيع المستثمر الوصول إلى السعر وإتمام الشراء والدفع وإدارة معاملته باستخدام التكنولوجيا، بينما يظل الذهب أصلًا ماديًا يمكن حفظه واستلامه وإعادة بيعه.

ويرى مرصد الذهب أن خصوصية هذا النموذج في السوق المصرية ترتبط بالثقة التاريخية في امتلاك المعدن فعليًا، ما يجعل التكنولوجيا وسيلة لإضافة خدمات جديدة دون إلغاء العلاقة المباشرة بين المستثمر والذهب.

وقال فاروق إن تجربة ذهب مصر لم تستهدف مواجهة الصاغة التقليدية بالتكنولوجيا، وإنما سعت إلى بناء حلقة وصل بين الذهب الفعلي والخدمات الرقمية والمالية.

 Gramz يتجه إلى رقمنة السوق

تشير الدراسة إلى أن التطور الأحدث يتمثل في الاتجاه نحو نموذج Gramz، الذي يتجاوز رقمنة تعامل المستثمر مع الذهب إلى محاولة بناء منظومة أكثر اتساعًا تربط أطراف السوق المختلفة.

وبينما كانت المرحلة الأولى تبحث عن كيفية تمكين المستثمر من شراء الذهب وإدارته رقميًا، تركز المرحلة التالية على ربط المستثمر والصائغ والمصنع وأمين الحفظ والخدمة المالية والذهب الفعلي داخل منظومة واحدة.

وترى الدراسة أن نجاح هذا النموذج من شأنه نقل التكنولوجيا من واجهة البيع إلى جزء من البنية الداخلية لسوق الذهب، بما يجعلها أداة لربط أطراف سلسلة القيمة وليس مجرد وسيلة لتغيير طريقة شراء العميل للسبيكة.

 رقمنة دورة الذهب بالكامل

وأفاد مرصد الذهب بأن ذهب مصر تستعد لتطوير منظومة تستهدف ربط مختلف أطراف سوق الذهب داخل شبكة واحدة، تبدأ من المصنع وتاجر الخام، مرورًا بتجار الجملة والتجزئة، وصولًا إلى المستهلك النهائي.

وتستهدف الفكرة تسهيل انتقال الذهب والتعاملات المرتبطة به بين أطراف المنظومة بصورة رقمية أكثر سرعة وتنظيمًا، بما يقلل التعقيدات المحيطة بحركة المعدن بين حلقات السوق المختلفة، ويوفر مستويات أكبر من التوثيق والشفافية.

وقال فاروق إن تنفيذ النموذج بالصورة المستهدفة يمكن أن يمثل مرحلة جديدة تتجاوز بيع الذهب إلكترونيًا، إذ تنتقل التكنولوجيا من واجهة التعامل مع المستهلك إلى قلب دورة تداول الذهب.

وأضاف أن الفكرة تستهدف جعل حركة الذهب والتعاملات بين أطراف السوق أكثر سهولة وترابطًا، مع الحفاظ على الطبيعة الفعلية للمعدن ومتطلبات كل مرحلة من مراحل تداوله.

هل غيرت ذهب مصر السوق؟

وأكدت الدراسة أنه من غير الدقيق اعتبار شركة واحدة صاحبة الدور الوحيد في تحول سوق الذهب المصرية، إذ جاءت التغيرات نتيجة عوامل اقتصادية وتنظيمية متعددة، في مقدمتها التضخم وتقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار الذهب وانتشار السبائك وتغير سلوك المستهلك، إلى جانب صناديق الاستثمار وتطور التكنولوجيا المالية.

لكن تتبع تجربة ذهب مصر يكشف أنها كانت من أوائل الشركات التي تعاملت مبكرًا مع هذا التحول، ودفعته عبر خطوات متتابعة شملت الرقمنة والتمويل والحفظ والخدمات المالية، ولذلك اختار مرصد الذهب تجربتها نموذجًا لدراسة الانتقال من تجارة الذهب التقليدية إلى منظومة تجمع المعدن بالتكنولوجيا والخدمات المالية.

 المرحلة المقبلة رقمنة دورة الذهب

خلصت الدراسة إلى أن التحولات التي شهدها سوق الذهب المصري خلال السنوات الخمس الماضية تمثل بداية لمرحلة جديدة وليست نهاية مسار التطور.

وأوضحت أن التحدي المقبل لا يتعلق فقط بزيادة عدد التطبيقات التي تعرض أسعار الذهب أو تتيح شراء السبائك، وإنما برقمنة دورة الذهب نفسها، بدءًا من مصدر المعدن والتصنيع والدمغة، مرورًا بالفاتورة والدفع والحفظ وانتقال الملكية، وصولًا إلى إعادة البيع.

ومع إمكانية تسجيل هذه الدورة وتتبعها، يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من أداة لتسهيل الشراء إلى وسيلة لتعزيز الشفافية وتوثيق التعاملات وتحسين الرقابة وتوفير بيانات أكثر دقة عن حركة الذهب داخل الاقتصاد.

وأكد فاروق أن هذا التطور لا يعني تراجع دور الصاغة، إذ ستظل الخبرة في المعدن والتصنيع والفحص والدمغة أساسًا لصناعة الذهب، بينما تستطيع التكنولوجيا إضافة أدوات للتوثيق والتتبع والبيانات والخدمات المالية المتكاملة.

وتخلص دراسة مرصد الذهب إلى أن تجربة ذهب مصر تمثل نموذجًا مهمًا لقراءة التحول الذي يشهده السوق، ليس باعتبارها الشركة التي صنعت التغيير بمفردها، وإنما بوصفها من أوائل الشركات التي التقطت اتجاهه مبكرًا وحولته إلى خطوات عملية، في وقت ينتقل فيه سوق الذهب المصري تدريجيًا من رقمنة عملية البيع إلى رقمنة دورة المعدن نفسها.