في الوقت الذي يقف فيه المعلمون بكل تفانٍ أمام سبوراتهم لصناعة عقول جيل بأسره، يجدون أنفسهم مضطرين للوقوف طويلاً أمام نوافذ الانتظار ترقباً لمرتباتهم التي غابت عن موعدها للشهر الثاني على التوالي، حيث لم تعد هذه الأزمة مجرد عائق إداري روتيني يمكن غض الطرف عنه، بل تحولت إلى كارثة معيشية حقيقية تهدد استقرار آلاف الأسر التربوية، وتضع هؤلاء المربين في موقف حرج بين متطلبات الحياة اليومية وصون كرامة المهنة السامية.

ومع اقتراب شهر أغسطس من نهايته، لا يزال الغموض يكتنف مصير راتب شهر يوليو الماضي، في مفارقة تعكس حجم الفجوة بين الواجب والحق؛ فالحضور المدرسي التزام لا يقبل الغياب، بينما الراتب يظل “غائباً” في دهاليز الإجراءات التي لا يعلم أحد متى ستنتهي، وفي هذا التقرير يسلط “نافذة عدن” الضوء على صرخة المعلمين، وتأثيرات هذا الانقطاع على استقرار المدارس ومستوى الطلاب، والمطالبات الملحة التي يرفعها التربويون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

واقع المعلم بين قاعة الصف وفراغ الجيب

رغم التزام الكوادر التعليمية في العاصمة عدن والمناطق المجاورة بالحضور اليومي وتحمل أعباء مئات الطلاب، إلا أنهم يصطدمون بواقع مالي مرير خارج أسوار مدارسهم، فالمراتب الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لتأمين الغذاء والدواء يظل حبيس التأجيل، مما يجبر المعلم على الدوران في حلقة مفرغة من البحث عن سبل لسد رمق أسرته، مع الإدراك التام بأن هذا المبلغ الزهيد بكل إضافاته لا يكاد يغطي احتياجات العيش الأساسية لأسبوعين فقط.

التناقض الصارخ بين الالتزام والاستحقاق

تبرز مفارقة مؤلمة تتجلى في مطالبة المعلم بأقصى درجات الانضباط والتميز في أداء رسالته، في مقابل غياب الانتظام في صرف أبسط حقوقه المادية التي يستحقها دورياً، ومع كل شهر تأخير تتراكم الديون وتتفاقم الالتزامات المالية، وسط تساؤلات حائرة وغياب للإجابات الشافية حول أسباب تكرار هذا المشهد المأساوي، ومن هنا يصبح الراتب حقاً شرعياً مقابل مجهود عظيم، وليس منحة تخضع للمزاجية أو التسويف الإداري.

آثار وخيمة تهدد جودة العملية التعليمية

يرى خبراء التربية أن هناك ارتباطاً طردياً بين استقرار المعلم المادي ومستوى العطاء الدراسي داخل الفصول، إذ إن الضغوط المعيشية المتزايدة تنعكس سلباً على التركيز التربوي والتحصيل العلمي للطلاب، مما ينذر بمخاطر حقيقية تهدد جودة التعليم في المدى القريب والبعيد، فالمعلم الذي يحمل هم لقمة العيش فوق أكتافه لا يمكنه تقديم كامل طاقته الإبداعية لبناء عقول الأجيال القادمة.

أبرز تطلعات ومطالب التربويين من الجهات الحكومية

يتلخص الموقف الشعبي والمهني للمعلمين في ضرورة تحقيق عدة مطالب عاجلة، وهي:

  • 1. ضرورة صرف المرتبات الشهرية بانتظام تام دون أي تسويف أو تأخير.
  • 2. معالجة كافة المتأخرات المالية المتراكمة وسدادها دفعة واحدة للمعلمين.
  • 3. تأسيس آلية مالية ضامنة لاستدامة صرف الرواتب بعيداً عن التعقيدات الإدارية.

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الذي يطرحه آلاف المعلمين في عدن دون صدى رسمي واضح، حول المدة التي سيظلون فيها ضحايا لطوابير الانتظار الطويلة، في حين أن المعلم الذي يُعوّل عليه في بناء نهضة الوطن لا ينبغي أن تُهدر كرامته في السؤال عن حقه الأساسي، خاصة وأن شهر يوليو قد ولى ولم يُصرف راتبه حتى اللحظة مع قرب رحيل شهر أغسطس.

عدن/ إعداد: زكي العاقل – رئيس تحرير نافذة عدن وعدنية FM