Published On 26/8/202626/8/2026
يواجه الاقتصاد السوداني انهيارا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، إذ لم تعد المعركة تقاس بما خلفته من دمار وضحايا فحسب، بل بات الاقتصاد نفسه أحد أكبر ساحاتها.
ويواصل الاقتصاد انكماشه وسط تراجع الإنتاج وتدهور قيمة العملة وتعطّل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والنقل، كما أدت الحرب إلى اتساع دائرة الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، فيما تحول الذهب إلى أحد أبرز مكونات اقتصاد الحرب، لتتراكم كلفة اقتصادية وإنسانية قد يدفع السودان ثمنها لعقود.
وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فإن معدل التضخم سجل في يوليو/تموز الماضي 41.61% متراجعا من 51.28% في يونيو/حزيران. وأشارت البيانات إلى ارتفاع كلفة الأغذية والمشروبات التي تستحوذ على أكثر من نصف إنفاق السودانيين، مما يزيد الضغوط على القدرة الشرائية ويعمّق معاناة الأسر في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ورغم أن التضخم يسجل تراجعا “على الورق فقط”، إلا أن الأسعار تواصل الضغط على جيوب السودانيين الذين لم يعودوا يسألون متى تنتهي الحرب، بل كيف يمكنهم مواجهة يوم جديد مع غلاء يلتهم قدرتهم على تأمين أبسط احتياجاتهم.
وقال مراسل الجزيرة الطاهر المرضي إن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض تكلفة المعيشة، مشيرا إلى أن التضخم يقيس مستوى تغير الأسعار وليس مستوى الأسعار نفسها أو مستوى المعيشة.
وأضاف المرضي أن الأسعار التي ارتفعت في أكثر من 600 سلعة لا تعود إلى الانخفاض، بل تظل مرتفعة أو تواصل الصعود، ما يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وخاصة ذوي الدخل المحدود.
الاقتصاد الريفي
وأوضح مراسل الجزيرة أن الاقتصاد الريفي الذي يحاول النهوض لا يستطيع مقاومة ظروف الحرب الصعبة، مشيرا إلى أن السلع المنتجة في كثير من المواقع تواجه صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف النقل والوقود.
وأكد المرضي أن المواطنين يعانون من ظروف اقتصادية قاهرة في وقت لا تقوى فيه مرتباتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وسط تساؤلات حول الآلية التي يعتمد عليها الجهاز المركزي للإحصاء في قياس التضخم، في ظل أسعار لا تزال مرتفعة وتؤثر على القدرة الشرائية.
شاهد ايضاً
وفي السياق، كشف تقرير أعده أمين الفقيه للجزيرة عن أرقام اقتصادية صادمة، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنحو 30% في عام 2023، وبنحو 14% إضافية في عام 2024 وفق البنك الدولي، فيما قدرت خسائر الاقتصاد السوداني بنحو 6.5 مليارات دولار من الناتج المحلي في عام 2023 وحده، في واحدة من أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
ودفعت الحرب نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد، وهبط متوسط دخل الفرد إلى مستويات تعود إلى العام 1992، وشمل الدمار المصانع وشبكات الكهرباء والمياه والزراعة والتجارة والنقل، بينما تحول الذهب -أحد أهم مصادر النقد الأجنبي- إلى اقتصاد حرب تتداخل فيه التجارة الرسمية مع التهريب، ما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، يوضح التقرير أن عدد النازحين واللاجئين المرتبطين بالحرب تجاوز 11 مليون شخص حتى أغسطس/آب 2024 بحسب بيانات الأمم المتحدة، أما فاتورة الجوع فهي الأثقل، إذ يواجه أكثر من 19 مليون سوداني انعداما حادا في الأمن الغذائي، فيما يتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد خلال العام الجاري، في أزمة إنسانية تهدد مستقبل البلاد بأسره.
تراجع خادع للتضخم
وانسجاما مع هذا الطرح، اعتبر العميد السابق لكلية الدراسات الاقتصادية بجامعة النيلين الدكتور عوض أحمد سليمان الاحتفاء بتراجع التضخم قد يكون مؤشرا خادعا وغير حقيقي، بسبب أن التضخم يقيس وتيرة ارتفاع الأسعار ولا يقيس مستوى الأسعار بصورة عامة، وأوضح أن الأسعار ما زالت مرتفعة، وأن التباطؤ في وتيرة الارتفاع لا يعني انخفاضا في التكلفة الفعلية للمعيشة.
ورأى سليمان أن استحواذ الغذاء والمشروبات على النصيب الأكبر من إنفاق السودانيين -بنحو 50% من دخولهم- يعود إلى اعتماد السودان الكبير على الواردات من السلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج، وأشار إلى أن الحرب وارتفاع التكلفة والتراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية المرتبطة بالدولار، كلها عوامل تدفع الأسعار إلى الصعود في غياب إنتاج فعلي داخلي يبطئ من وتيرة الانهيار.
وأكد المحلل الاقتصادي أن الحل الجوهري يكمن في تحسين سعر صرف الجنيه السوداني، معتبرا أن أي تراجع في التضخم دون معالجة أزمة العملة لا يعكس تحسنا حقيقيا في الأوضاع، بل يعكس تراجعا في القدرة الشرائية وتكيفا قسريا من المواطنين مع واقع اقتصادي قاس، يحد من أولوية شراء احتياجاتهم الأساسية.
ويخلص التقرير إلى أن الحرب لا تدمر واقع السودان فقط، بل تستهلك رأس ماله البشري وتدفع اقتصاده سنوات طويلة إلى الوراء، وتحول كلفة الحرب اليوم إلى فاتورة تنمية قد يدفعها السودانيون لعقود قادمة، في مشهد يضع الاقتصاد السوداني أمام تحديات وجودية، بين انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، وسط أرقام رسمية لا تعكس حجم المأساة على أرض الواقع.
وأدت الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 إلى انقسام مالي عميق وأضرار هيكلية، تجلت في انهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار الصرف لمستويات غير مسبوقة، وتسبب الصراع في توقف الإنتاج الحيواني والزراعي وتنامي “اقتصاد الحرب”، مما أدى إلى تدمير 20% من الرصيد الرأسمالي للبلاد وتفاقم الأزمات المعيشية بنسب تضخم مرتفعة.







