Published On 27/8/202627/8/2026

|

آخر تحديث: 11:46 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:46 (توقيت مكة)

يتعثر مسار التضخم في الاقتصاد الأمريكي عند مراحله الأخيرة، بعدما نجح في التراجع بصورة حادة من مستويات قياسية، لكنه لا يزال عالقا فوق هدف مجلس الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، وسط تساؤلات بشأن العوامل التي تعرقل استكمال انخفاضه.

وأوضح نديم الملاح عبر الشاشة التفاعلية للجزيرة، أنه مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى تداعيات أسعار الطاقة والتجارة على مسار التضخم الأمريكي، ولا سيما أن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار في وقت يحاول فيه الاقتصاد الأمريكي الاقتراب من هدف البنك المركزي.

وبلغ التضخم في الولايات المتحدة 9.1% في يونيو/حزيران 2022، قبل أن يتراجع إلى 3% في يونيو/حزيران 2023، أي بانخفاض قدره 6 نقاط مئوية خلال 12 شهرا فقط.

لكنّ وتيرة التراجع تباطأت بعد ذلك، وظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف للفدرالي، بعدما أصبحت المرحلة الأخيرة من خفض الأسعار أكثر تعقيدا وأبطأ من المرحلة الأولى.

ويطرح ذلك سؤالا أساسيا: لماذا تمكن التضخم من الانخفاض 6 نقاط مئوية خلال عام واحد، بينما أصبحت النقطة الأخيرة أكثر صعوبة واستغرقت سنوات؟

صدمات الطاقة والإمدادات

ويرتبط جزء كبير من الإجابة بأن الانخفاض الأول في التضخم لم يكن نتيجة السياسة النقدية وحدها. فقد رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس بين عامي 2022 و2023 في محاولة لكبح التضخم.

وبحسب دراسة لرئيس الفدرالي السابق بن برنانكي، فإن معظم موجة التضخم التي بدأت عام 2021 جاءت نتيجة صدمات في أسعار السلع والطاقة، إلى جانب اضطرابات ونقص في الإمدادات، وليس نتيجة ضغوط سوق العمل وحدها.

ومع انحسار تلك الصدمات، تراجع التضخم بصورة سريعة، لكنّ الجزء المتبقي أصبح أكثر ارتباطا بأسعار تتحرك ببطء، ما يجعل تأثير السياسة النقدية عليها يستغرق وقتا أطول.

ويصنف بنك الاحتياطي الفدرالي في أتلانتا أسعار المستهلكين وفقا لسرعة تغيرها، إذ يمكن أن يتغير سعر البنزين يوميا، بينما لا تتغير أسعار بعض الخدمات إلا مرة واحدة في العام، كما هو الحال في بعض عقود التأمين.

وارتفعت الأسعار البطيئة التغير بنسبة 2.8% على أساس سنوي حتى يوليو/تموز من العام الحالي، وهو ما يعكس طبيعة التحدي الذي يواجه السياسة النقدية في التعامل مع هذه المكونات.

فرفع أسعار الفائدة اليوم لا يعني ظهور أثره فورا على بعض هذه الأسعار، إذ قد يحتاج المستهلك إلى الانتظار حتى موعد تجديد العقد التالي، كما يحدث في عقود التأمين أو الإيجارات.

وتزداد صعوبة التعامل مع هذه الأسعار بسبب وزنها الكبير في سلة الاستهلاك، إذ شكل قطاع السكن وحده نحو ثلثي الزيادة الشهرية في أسعار المستهلكين خلال يوليو/تموز.

فعقود الإيجار غالبا ما تمتد لعام كامل، ولا تتغير فورا استجابة لقرار الفائدة الذي يصدره الفدرالي، الأمر الذي يجعل انتقال أثر السياسة النقدية إلى التضخم أكثر بطئا.

الطاقة تعرقل التراجع

لكنّ بيانات بنك أتلانتا تكشف تحولا مهمّا في مسار مكونات التضخم خلال العام الحالي. فقد وصلت الأسعار سريعة التغير إلى 4.7%، في حين تراجع معدل الأسعار الأساسية بطيئة التغير إلى 2.2%.

ويعني ذلك أن الجزء الذي كان يوصف بأنه الأكثر عنادا في التضخم بدأ بالفعل في الاقتراب من مستوى هدف الفدرالي، بينما أصبح العامل الأكثر تهديدا لمسار التضخم العام هو الطاقة.

وهنا تبرز المشكلة الأساسية في ما يمكن وصفه بـ”الميل الأخير” من معركة التضخم، إذ لا يتعلق الأمر فقط ببطء انخفاض الأسعار، وإنما باحتمال تحرك الهدف نفسه بعيدا نتيجة صدمات جديدة في أسعار الطاقة.

وتتزايد المخاوف مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وما قد يترتب عليه من تداعيات على أسعار الطاقة والتجارة العالمية. فبعدما اقترب التضخم الأمريكي من هدفه، أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاعه مجددا إلى 4.2% في مايو/أيار الماضي، لتكشف صدمة الطاقة عن هشاشة المسار الذي قطعه التضخم نحو المستوى المستهدف.

وبذلك، لا تكمن صعوبة المرحلة الأخيرة فقط في أن التضخم أصبح أكثر بطئا في التراجع، وإنما في احتمال أن تؤدي صدمات خارجية جديدة إلى رفع الأسعار مجددا، فتجعل المسافة المتبقية إلى هدف الفدرالي أطول.

ويواجه الاحتياطي الفدرالي بذلك تحديا مزدوجا: التعامل مع مكونات تضخمية بطيئة الاستجابة للسياسة النقدية، ومراقبة خطر ارتفاع أسعار الطاقة الذي يمكن أن يعيد إشعال الضغوط التضخمية.

وفي سباق التضخم الأمريكي، قد يكون “الميل الأخير” هو الأصعب، ليس فقط لأن الوصول إلى نسبة 2% يتطلب وقتا أطول، وإنما لأن الأحداث الخارجية، وفي مقدمتها اضطرابات الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، قد تدفع خط النهاية إلى مسافة أبعد من جديد.