Published On 30/8/202630/8/2026
دفعت الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها في نحو ثلاث سنوات، وسط مخاوف متزايدة بشأن سلامة موانئ التصدير وقدرة البلدين على مواصلة إمداد الأسواق العالمية.
وأنهت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو تداولات الأسبوع الماضي مرتفعة بأكثر من 3% عند نحو 7.84 دولارات للبوشل، بما يعادل قرابة 287 دولارا للطن، وفق معطيات عرضتها شاشة الجزيرة.
وسجلت أسعار القمح خلال الأسبوع الماضي قفزة تجاوزت 12%، في أكبر ارتفاع أسبوعي لها منذ نحو أربع سنوات، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الحبوب من منطقة البحر الأسود. ومنذ بداية العام، ارتفعت العقود الآجلة للقمح بنحو 54%، في ظل تزايد المخاطر التي تهدد حركة تصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا، اللتين تعدان من أكبر موردي القمح في الأسواق العالمية.
البحر الأسود.. شريان الحبوب العالمي
وتكتسب التطورات في منطقة البحر الأسود أهمية خاصة بالنسبة للأسواق العالمية، إذ تضم موانئ تستخدم في شحن نسبة كبيرة من صادرات أوكرانيا من القمح والذرة وبذور دوار الشمس، فيما تمثل روسيا وأوكرانيا معا نحو ربع صادرات القمح العالمية.
ويقول الدكتور نادر نور الدين، الأستاذ بكلية الزراعة في جامعة القاهرة والخبير في بورصات الحبوب العالمية، إن أهمية المنطقة تتجاوز القمح، مشيرا إلى أن روسيا وأوكرانيا تتحكمان في نحو 34% من إجمالي صادرات الحبوب عالميا، بما يشمل القمح والذرة الصفراء والشعير.
وأضاف نور الدين أن المنطقة تستحوذ كذلك على نحو 77% من صادرات زيت دوار الشمس، إلى جانب نحو 30% من صادرات بذور الصويا أو زيوت الصويا، وهي منتجات تدخل بصورة أساسية في صناعة الأعلاف وإنتاج الدواجن واللحوم والأسماك.
وأوضح أن أي تضرر في هذا المصدر الرئيسي للإمدادات ينعكس على أسواق الغذاء العالمية، مشيرا إلى أن إجمالي التجارة العالمية من القمح يتراوح بين 210 و220 مليون طن سنويا.
تراجع حاد في الشحنات الروسية والأوكرانية
وتشير تقديرات التقرير إلى أن شحنات القمح الروسي تراجعت بأكثر من النصف خلال الشهر الجاري مقارنة بمستوياتها قبل عام، بينما أدت الهجمات الروسية إلى انخفاض صادرات الحبوب الأوكرانية بنحو 75% خلال النصف الأول من الشهر على أساس سنوي.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه صادرات البلدين تحديات متزايدة بسبب المخاطر التي تحيط بالبنية التحتية والموانئ وطرق الملاحة في البحر الأسود. ويحذر نور الدين من أن اتساع نطاق استهداف البنية التحتية المرتبطة بتجارة الحبوب قد يهدد مزيدا من الدول المصدرة، مشيرا إلى أن كازاخستان، على سبيل المثال، دولة حبيسة تعتمد على الموانئ الروسية لتصدير جزء من حبوبها، ما يجعلها أيضا عرضة لتداعيات اضطراب حركة الملاحة في المنطقة.
أكثر من 55 مليون طن صادرات روسيا
وتظهر بيانات التقرير أن صادرات روسيا من القمح شهدت تقلبات كبيرة منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022. فقد بلغت صادرات القمح الروسي نحو 33 مليون طن في عام 2022، قبل أن ترتفع إلى 45 مليون طن في الموسم التالي، رغم العقوبات الاقتصادية الغربية.
وفي الموسم الزراعي الذي انتهى عام 2024، سجلت الصادرات الروسية مستوى قياسيا تجاوز 55.5 مليون طن، لكن هذا المسار لم يستمر في العام الماضي، إذ تراجعت الصادرات إلى نحو 42 مليون طن، وسط انخفاض الإنتاج وتجدد القيود على التصدير.
شاهد ايضاً
أما أوكرانيا، فتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن صادراتها من القمح اتجهت هي الأخرى إلى الانخفاض. فبعد أن بلغت نحو 19 مليون طن عام 2022، تراجعت إلى 17 مليون طن في الموسم التالي، متأثرة باضطرابات النقل والتصدير والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية.
وسجلت الصادرات تحسنا طفيفا عام 2024 لتصل إلى نحو 18 مليون طن، قبل أن تنخفض بصورة ملحوظة العام الماضي إلى نحو 14 مليون طن، مع اتساع تداعيات الحرب على موانئ التصدير وسلاسل الإمداد.
البدائل أبعد.. والفاتورة أعلى
ومع اضطراب الإمدادات القادمة من البحر الأسود، بدأ المستوردون في البحث عن بدائل من مناطق أبعد، مثل أستراليا والأرجنتين وكندا والولايات المتحدة، وهو ما يرفع تكاليف الشحن والنقل ويضيف ضغوطا جديدة على أسعار الغذاء. ويرى الدكتور نادر نور الدين أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع سعر القمح، وإنما أيضا بارتفاع تكلفة نقله إلى الأسواق المستوردة.
وأوضح أن الدول العربية تعتمد بصورة كبيرة على واردات الحبوب من منطقة البحر الأسود، مشيرا إلى أن نحو 65% من احتياجات الدول العربية من الحبوب تأتي من هذه المنطقة، وفق تقديراته، وبقيمة تصل إلى نحو 75 مليار دولار سنويا.
وأشار إلى أن قرب البحر الأسود من الأسواق العربية يمنح وارداته ميزة مهمة مقارنة بالمناشئ البعيدة، إذ تستغرق الرحلات البحرية من أمريكا وكندا نحو 24 يوما، ومن الأرجنتين قرابة 28 يوما، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة النقل عند اللجوء إلى هذه البدائل.
أما أستراليا، فيشير نور الدين إلى أنها من أقرب البدائل الكبرى، لكن نقل القمح منها إلى المنطقة يستغرق نحو 7 إلى 10 أيام، كما أن أسعار القمح الأسترالي قد تكون أعلى من الأسعار المتداولة في البورصات العالمية. وقال إن القمح الفرنسي يمثل بديلا آخر، لكنه يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع نسبة الرطوبة، في حين يمكن لرومانيا والمجر أن تساهما بكميات محدودة، تصل إلى نحو 5 ملايين طن لكل منهما، وفق تقديراته.
الطاقة والتأمين
ولا تقف تداعيات الحرب عند تعطل الموانئ أو انخفاض الصادرات، إذ ترتبط أسعار الحبوب أيضا بتكاليف الطاقة والشحن والتأمين. ويقول نور الدين إن العلاقة بين أسعار الطاقة وأسعار الغذاء وثيقة، لأن عمليات نقل الحبوب تعتمد على السفن التي تعمل بالوقود، كما أن إنتاج الأسمدة والمبيدات ومنظمات النمو يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة.
ومع تحول البحر الأسود إلى منطقة عالية المخاطر، ترتفع كذلك تكاليف التأمين على الشحنات، فضلا عن علاوة المخاطر التي يفرضها الناقلون بسبب احتمالات تعرض السفن أو البنية التحتية للهجمات. وضرب الخبير في بورصات الحبوب العالمية مثالا على ذلك بإشارته إلى تعرض سفن محملة بالغذاء لأضرار في البحر الأسود، معتبرا أن استهداف سفن الغذاء يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الدول المستوردة.
285 دولارا للطن
وتنعكس هذه التطورات بصورة مباشرة على السعر النهائي للقمح، إذ يقول نور الدين إن سعر طن القمح كان في بداية العام عند حدود 250 دولارا، قبل أن يقترب حاليا من 285 دولارا، وهو ما يمثل ارتفاعا كبيرا في تكلفة السلعة الأساسية، مع ارتفاع مماثل في أسعار الذرة الصفراء.
ومع استمرار الهجمات على الموانئ والبنية التحتية في منطقة البحر الأسود، تواجه الأسواق العالمية معادلة صعبة: إمدادات أقل من أحد أهم مصادر الحبوب، وبدائل أبعد وأكثر تكلفة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والنقل.
وبالنسبة للدول العربية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الحبوب، قد يعني استمرار اضطراب البحر الأسود فاتورة غذاء أعلى، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال صدمة أسعار القمح إلى منتجات غذائية أخرى تعتمد عليه أو على الحبوب والأعلاف في إنتاجها.







