د. سالم بن محمد آل جفشر

تكاد البيانات التي تعلنها هيئة الرقابة ومكافحة الفساد بصورة دورية كل شهر بما تتضمنه من قضايا وتحقيقات وضبط لممارسات فساد أن تفتح أمامنا سؤالا مهما يتجاوز الأرقام والأسماء كيف كنا في السابق نواجه المفسدين داخل بعض الدوائر الحكومية وكيف أصبحنا اليوم نواجه الفساد في ظل منظومة رقابية وتشريعية أكثر قوة ووضوحا وانفتاحا على المواطن والمقيم.

في السابق قد يرى المواطن أو الموظف تجاوزا أو استغلالا للسلطة أو شبهة فساد ثم يتردد في الإبلاغ عنها وقد يسأل نفسه إلى من اتجه وهل ستصل المعلومة وهل ستبقى هويتي محفوظة وماذا لو كان من أبلغ عنه صاحب منصب أو نفوذ وهل يمكن أن أتعرض بسبب بلاغي لضغوط وظيفية أو شخصية وكانت مثل هذه المخاوف في بعض الحالات تمنح المفسد مساحة يتحرك فيها معتمدا على صمت من حوله.

أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بصورة واضحة فمكافحة الفساد لم تعد مسؤولية جهاز رقابي يعمل بمعزل عن المجتمع بل أصبحت منظومة تشترك فيها الجهات الرقابية والقضائية والأمنية إلى جانب المواطن والمقيم والموظف وكل من يمتلك معلومة جادة يمكن أن تسهم في حماية المال العام.

وقد أتاحت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد قنوات مباشرة للتواصل والإبلاغ عن شبهات الفساد المالي والإداري وهو تحول مهم نقل المواطن من موقع المتلقي لما تعلنه الجهات الرقابية إلى موقع الشريك في صناعة النزاهة فالمواطن قد يكتشف ممارسة غير نظامية أثناء حصوله على خدمة والموظف قد يلاحظ تجاوزا داخل إدارته والمقاول أو المورد قد يعرف تفاصيل مخالفة في مشروع أو عقد وكل هؤلاء يمثلون خطوطا إضافية لحماية المال العام متى عرفوا كيف وأين يبلغون.

وجاء تنظيم حماية المبلغين والشهود والخبراء والضحايا ليعزز هذه المنظومة ويجيب عن أحد أهم الأسئلة التي كانت تحول دون الإبلاغ وهو من يحميني إذا تكلمت فمكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد مطالبة الناس بالإبلاغ بل تحتاج إلى بناء الثقة وتوفير الحماية النظامية للمبلغ حسن النية وفق الضوابط والإجراءات المعتمدة.

وفي المقابل يجب أن تصل رسالة واضحة إلى المسؤول الأول في أي منظمة بأن مغادرة المنصب لا تعني مغادرة المسؤولية فالمنصب ينتهي لكن آثار القرارات تبقى وإذا ثبتت صلة مسؤول بتجاوز أو فساد أو استغلال للسلطة أو محاباة غير مشروعة فإن انتقاله أو تقاعده أو انتهاء تكليفه لا ينبغي أن يكون وسيلة للهروب من المساءلة عما ثبتت مسؤوليته عنه.

وهذه الثقافة في حد ذاتها من أقوى وسائل الوقاية من الفساد فحين يدرك المسؤول أن القرار الذي يتخذه اليوم قد تتم مراجعته غدا وأن وجوده في منصبه مؤقت بينما مسؤوليته عن قراراته وممارساته باقية فإنه يصبح أكثر حرصا على العدالة والشفافية والالتزام بالنظام وأبعد عن المحاباة وتعارض المصالح واستغلال النفوذ.

إن البيانات التي تصدرها الجهات الرقابية بشأن قضايا الفساد ينبغي ألا تظل مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار بل ينبغي أن تتحول إلى وعي عام وسلوك يومي وموقف مجتمعي يرفض العبث بالمال العام واستغلال السلطة ويتطلب ذلك دورا فاعلا من الدولة يبدأ بتعزيز الرقابة وتطبيق العقوبات ولا ينتهي عند بناء منظومة متكاملة تتيح قنوات واضحة للإبلاغ وتحمي المبلغين وتؤكد أن المساءلة لا تنتهي بمجرد تغير المناصب.

ومن هذه المنظومة ينطلق دور الإعلام بوصفه حلقة وصل بين جهود الدولة والمجتمع فهو لا ينبغي أن يكتفي بنقل أخبار القضايا وأعداد الموقوفين بل يسهم في نشر الوعي وتعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم وتوضيح قنوات الإبلاغ والفارق بين البلاغ المسؤول والتشهير وكلما قدم الإعلام المعلومات بموضوعية وشرح الإجراءات النظامية ازداد وعي الأفراد بقدرتهم على المشاركة في حماية المال العام وتراجع التردد الناجم عن الخوف أو الغموض.

ونحن بحاجة إلى حملات إعلامية مستمرة عبر التلفزيون والإذاعة والصحافة والمنصات الرقمية تعرف المواطن والمقيم بطرق الإبلاغ وتشرح لهما متى تكون الواقعة شبهة تستحق الإبلاغ وما المعلومات التي تساعد الجهة المختصة على التعامل معها وما الحقوق التي يتمتع بها المبلغ كما يجب ألا تقتصر هذه التوعية على المناسبات السنوية بل ينبغي أن تكون جزءا مستمرا من الخطاب الإعلامي والاتصال المؤسسي في الجهات الحكومية والجامعات والشركات.

وعلى هذا الأساس لا يبقى المواطن والمقيم والموظف متلقين سلبيين بل يصبحون شركاء في ترسيخ النزاهة وخط دفاع أول عنها حين يبادرون إلى الإبلاغ عبر القنوات النظامية ويرفضون الصمت ويلتزمون بالدقة والمسؤولية ويتركون مهمة التحقق والحكم للجهات المختصة فنجاح المنظومة لا يعتمد على الدولة وحدها ولا على الإعلام منفردا بل على تفاعل المجتمع مع ما توفره الدولة من حماية وما يقدمه الإعلام من توعية وإرشاد.

لقد ولى الزمن الذي كان يستطيع فيه المفسد التعويل على الخوف أو الغموض أو ضعف المتابعة فهناك دولة تراقب وأنظمة تحمي وجهات تحقق وتحاسب وإعلام يرفع الوعي ومجتمع قادر على المشاركة.

وفي الختام فإن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة رقابية وحدها بل مسؤولية وطنية يشترك فيها الجميع ومن هنا فإن الدعوة موجهة إلى كل مواطن ومقيم وموظف يمتلك معلومة جادة أو قرائن على شبهة فساد ألا يجعل الصمت خيارا وأن يتقدم بما لديه عبر القنوات الرسمية بكل وعي ومسؤولية فالإبلاغ المسؤول ليس تشهيرا ولا تصفية حسابات ولا إصدارا للأحكام وإنما هو إيصال للمعلومة إلى الجهة المختصة لتتحقق منها وفق الأنظمة والإجراءات.

وفي المقابل فإن البلاغ الكيدي أو نشر الاتهامات عبر وسائل التواصل يسيء إلى مفهوم النزاهة ويضر بالأفراد والمجتمع وما نحتاجه هو مواطن واع يعرف متى يبلغ وكيف يبلغ ويحمي حقوق الآخرين كما يحمي المال العام؟

فكل بلاغ صادق ومسؤول قد يمنع فسادا أو يحفظ مالا أو يصون حقا أو يكشف استغلالا للسلطة وحين يصبح الإبلاغ المسؤول ثقافة مجتمعية فإن المفسد لن يواجه جهازا رقابيا فقط بل سيواجه مجتمعا كاملا يرفض الفساد ويحمي وطنه ومقدراته.