شهدت القاعدة العسكرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني في جيبوتي —وهي القاعدة العسكرية الخارجية الوحيدة التي تعترف بها بكين رسمياً— تحولاً نوعياً في بنيتها التحتية والتقنية. ونشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تقريراً تحليلياً يستند إلى صور الأقمار الصناعية التجارية، يوضح رصد تحديثات واسعة طرأت على المنشأة منذ منتصف عام 2024.

توضح المعطيات أن التغير الأهم لا يقتصر على التوسع العمراني التقليدي، بل يمتد إلى تعزيز القدرة على الاتصالات المتقدمة، وبناء الوعي الميداني، وربط القوات البحرية والجوية الصينية بمراكز القيادة المركزية داخل الصين.

أبرز المعطيات والأرقام الميدانية

الموقع والافتتاح: افتتحت القاعدة رسمياً في 1 أغسطس/آب 2017 عند نقطة التقاء خليج عدن بمضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 16% من التجارة البحرية العالمية.

القرب العسكري: تقع القاعدة الصينية على مسافة تقل عن 10 أميال من قواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان.

التحديثات الرأسية (2024–2026): رُصد ظهور منشأتين جديدتين للاتصالات في الركنين الجنوبي الشرقي والشمالي الغربي للقاعدة منذ منتصف 2024.

تجهيزات المنشأة الجنوبية الشرقية: تضم 3 هوائيات ثنائية القطب بطول 30 متراً للاتصالات عالية التردد (HF)، وهوائيين للاتصالات فائقة/عالية التردد، و3 هوائيات متنقلة للاتصال بالأقمار الصناعية، و4 أبراج يُرجح استخدامها لشبكات الجيل الخامس (5G)، إضافة إلى قبة رادارية تغطي أصلاً غير محدد.

تحديثات البنية التحتية: أضيفت خنادق كابلات معززة خلال عام 2025 في أجزاء أخرى من القاعدة، مما يُرجح التخطيط لإضافة مزيد من الهوائيات مستقبلاً.

التحول من “دعم اللوجستيات” إلى “منظومة القيادة والسيطرة”

يرى الباحثون في مركز (CSIS) أن المنشآت الجديدة تعمل كعقدة متكاملة للقيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ($C4ISR$).

المرونة والاتصال خلف الأفق: يمنح تنوع الترددات والقنوات (عالية التردد، والأقمار الصناعية) القاعدة قدرة على الاتصال بالسفن والطائرات الصينية العاملة في مسارح بعيدة خلف خط الأفق، مع توفير قنوات آمنة وبدائل احتياطية في حال التعرض للتشويش.

استخبارات الإشارات (SIGINT): على الرغم من أن الصور المفتوحة لا تؤكد إجراء عمليات جمع سلبية للإشارات، فإن طبيعة المعدات المضافة واتجاهاتها تدعم تقنياً قدرة القاعدة على رصد وتحليل الإشارات الصادرة في المنطقة.

تحليل الأنماط: تُتيح القدرات الجديدة تحليل اتجاه الإشارات العسكرية وترددها ووتيرة استخدامها لبناء صورة استخباراتية عن الانتشار والجاهزية النمطية للقوات الأجنبية، حتى وإن كانت الاتصالات مشفرة.

السياق الإقليمي والأهمية الجيوسياسية

يرتبط هذا التطوير التقني بالتحولات الأمنية والكثافة العسكرية المتزايدة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر منذ أواخر عام 2023:

ارتفاع القيمة الاستخباراتية: أدت هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية، إلى جانب تصاعد النشاط العسكري الأميركي والإسرائيلي المرتبط بإيران ومضيق هرمز، إلى جعل باب المندب بيئة كثيفة بالإشارات العسكرية.

الكثافة البحرية الدولية: أشار التقرير إلى تواجد أكثر من 20 سفينة حربية أميركية، بينها مجموعتا حاملات طائرات ومئات الطائرات في المسارح المرتبطة بالمنطقة بحلول يوليو/تموز 2026.

البعد الأفريقي وتتبع الفضاء: تتكامل القاعدة في جيبوتي مع شبكات ومصالح الصين الاقتصادية والأمنية في أفريقيا، وتدعم منظومتها الأرضية المرتبطة بالفضاء لتقليص فجوات نقل البيانات وتتبع الأقمار الصناعية.

تتحول قاعدة جيبوتي تدريجياً من مجرد محطة لوجستية لمرافقة السفن التجارية إلى مركز متقدم لإدارة القرار والوعي الميداني لجيش التحرير الشعبي الصيني. ولا يقتصر هذا التحديث على خدمة العمليات البحرية في خليج عدن فحسب، بل يوفر لبكين منصة استخباراتية ورقمية تتيح لها فهم البيئة العملياتية ومتابعة تحركات القوى الدولية في الشرق الأوسط وأفريقيا عن قرب.