قال الدكتور مصطفى جاد، خبير سلاسل الإمدادات من دبي، إن ارتفاع أسعار الغذاء في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة يعكس تأثير سلسلة من الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد العالمي، موضحاً أن اضطرابات سلاسل الإمداد وأزمات الطاقة وارتفاع الطلب ساهمت في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين.


تفاوت كبير في أسعار الغذاء بين دول الاتحاد الأوروبي


وأوضح مصطفى جاد أن أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بنسب متفاوتة خلال الفترة من أغسطس 2021 إلى أغسطس 2026، مشيراً إلى أن بعض الدول سجلت ارتفاعات كبيرة في الأسعار، بينما كانت الزيادة أقل في دول أخرى.


وأشار إلى أن فرنسا وإيطاليا شهدتا ارتفاعاً في أسعار الغذاء في نطاق يتراوح بين 33% و34%، بينما وصلت الزيادة في دول أخرى إلى مستويات أعلى، في حين سجلت دول مثل رومانيا وقبرص ارتفاعات أقل.


كورونا كشفت حساسية سلاسل الإمداد


وقال إن ارتفاع الأسعار لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما جاء نتيجة سلسلة من الصدمات التي تعرض لها العالم خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب دخول تكاليف جديدة إلى سلاسل الإمداد.


وأوضح أن البداية كانت مع تداعيات جائحة كورونا، التي لم يكن تأثيرها صحياً فقط، وإنما كشفت مدى حساسية سلاسل الإمداد العالمية، بعدما شهدت المصانع والموانئ اضطرابات، إلى جانب مشكلات في النقل البحري وتوافر العمالة والحاويات والمواد الخام.


وأضاف أن عودة النشاط الاقتصادي بسرعة بعد فترة الإغلاق أدت إلى ارتفاع الطلب بصورة تجاوزت قدرة سلاسل الإمداد على الاستجابة والتكيف، وهو ما ساهم في زيادة تكاليف الإنتاج في ظل محدودية القدرات الإنتاجية والنقل خلال تلك الفترة.


وأشار خبير سلاسل الإمدادات إلى أن أزمة الطاقة كانت صدمة جديدة لسلاسل الإمداد، موضحاً أن الطاقة عنصر أساسي في تحديد تكلفة الغذاء، ولا تقتصر تأثيراتها على النقل فقط.


وأوضح أن المزارع تحتاج إلى الطاقة لتشغيل المعدات، كما تحتاج المخازن ومنشآت التبريد ومحال البيع إلى الكهرباء، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة الطاقة يؤثر في مراحل متعددة من سلسلة إنتاج وتوزيع الغذاء.


تفاوت تأثير الأسعار على القوة الشرائية


وأكد مصطفى جاد ضرورة التفرقة بين ارتفاع أسعار الغذاء والقوة الشرائية للمواطن، موضحاً أن القوة الشرائية لا تعتمد على الأسعار فقط، وإنما تتأثر أيضاً بمستوى الأجور والدخل.


وأشار إلى أن الحد الأدنى للأجور ارتفع بصورة قوية في عدد من الدول الأوروبية، بينما كان الارتفاع نسبياً في دول أخرى، موضحاً أن الفارق بين معدل نمو الأجور وأسعار الغذاء أدى إلى اختلاف تأثير الأزمة على القوة الشرائية من دولة إلى أخرى.


وأوضح أن ألمانيا شهدت ارتفاعاً في الأجور بنحو 46% خلال الفترة التي تناولها، مقابل ارتفاع أسعار الغذاء بنحو 34%، بينما ارتفعت أسعار الغذاء في المجر بنحو 57% رغم ارتفاع الحد الأدنى للأجور بصورة كبيرة.


وأضاف أن الحد الأدنى للأجور في فرنسا ارتفع بنحو 20%، مقابل زيادة أسعار الغذاء بنحو 25%، بينما ارتفع الحد الأدنى للأجور في إسبانيا بنحو 29%، مقابل زيادة الغذاء بنحو 35%.


التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة


وأوضح جاد أن هناك فرقاً بين التضخم وارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.


وقال إن ارتفاع سعر سلعة من 100 يورو إلى 120 أو 130 يورو يعني استمرار ارتفاع مستوى الأسعار، حتى إذا تراجع معدل التضخم لاحقاً، موضحاً أن زيادة الأجور قد تحد من سرعة ارتفاع الأسعار، لكنها لا تعني بالضرورة عودة السلعة إلى سعرها السابق.


وأشار إلى أن الدول تحاول خفض معدلات التضخم من خلال إجراءات مختلفة، بينها القروض والمنح وجذب الاستثمارات، إلا أن المؤثرات الاقتصادية العالمية أصبحت أقوى من قدرة الإجراءات المتخذة على احتواء الأزمات بصورة كاملة.


وأضاف أن المفوضية الأوروبية تشير إلى توقعات بارتفاع تكلفة الطاقة خلال عام 2026، موضحاً أن أي زيادة في أسعار الطاقة ستؤثر على سلسلة الإنتاج بداية من الزراعة والنقل والتوزيع، وصولاً إلى المستهلك.


ولفت إلى وجود مخاطر أخرى مرتبطة بالطاقة والمدخلات، إلى جانب تغيرات الطقس والمناخ والزلازل والتوترات التجارية والجيوسياسية.


الشركات تتجه إلى تنويع مصادر التوريد


وأكد مصطفى جاد أن الشركات والحكومات أصبحت أكثر وعياً بأهمية إدارة المخاطر، موضحاً أن الشركات بدأت في تنويع مصادر التوريد، وزيادة المخزونات الاستراتيجية لبعض المواد، والبحث عن موردين أقرب جغرافياً.


وأشار إلى أن الاعتماد لم يعد مقتصراً على دول شرق آسيا، وإنما اتجهت الشركات إلى دول أفريقية وتركيا ومصر، موضحاً أن مصر أصبحت متنفساً للاتحاد الأوروبي في الفترة الحالية.


وأوضح أن الشركات تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا في إدارة سلاسل التوريد، خاصة في التنبؤ بالطلب، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي لإدخال مختلف المؤثرات في الدراسات ومحاكاة الواقع بصورة أفضل.


وأشار إلى التوسع في بناء المخازن وزيادة أعداد الشاحنات لاستيعاب الضغوط على سلاسل التوريد العالمية، معتبراً أن ذلك يعكس تحولاً في فلسفة إدارة سلاسل الإمداد.


وقال إن التركيز قبل الأزمات كان بدرجة أكبر على الكفاءة وخفض التكلفة، بينما أصبح التركيز حالياً على التكلفة والمرونة واستمرارية التوريد.


تأثير اضطرابات الاقتصاد العالمي على مصر


وقال مصطفى جاد إن مصر تتأثر بالاتحاد الأوروبي وبالاقتصاد العالمي بشكل كبير، موضحاً أن الاقتصاد المصري مرتبط بالعالم، لكن هناك عوامل خاصة تؤثر في الأسعار محلياً، من بينها مستوى الأجور وسعر الصرف وهيكلة الاستيراد والدعم وتكاليف النقل والإنتاج المحلي.


وأشار إلى أن المواطن المصري يتأثر بصورة مباشرة بأي تحرك في سعر الدولار، موضحاً أن عدداً من المدخلات، مثل الحبوب والزيوت والأعلاف، إلى جانب أسعار الطاقة والأسمدة، يأتي مستورداً.


وأضاف أن أي اضطراب عالمي كبير يؤثر على الاتحاد الأوروبي ينعكس أيضاً على السوق المصرية والمنطقة، مشيراً إلى أن التوترات الجيوسياسية لها تأثير كبير على الأسعار.


وأوضح أن الدولة تحاول توفير سبل للحد من تأثير ارتفاع الأسعار، مؤكداً أن الأمن الغذائي لا يعني امتلاك مخزون فقط، وإنما يتطلب أيضاً توفير بنية تحتية قادرة على استيعاب الأزمات والتعامل مع الاضطرابات.