Published On 29/9/202629/9/2026
تتوقف عند محطة الوقود فتجد السعر قد ارتفع، فتربط ذلك مباشرة بارتفاع سعر النفط عالميا. لكن العلاقة بين سعر النفط والوقود ليست بهذه البساطة، فبرميل النفط هو نقطة البداية التي ترتبط بها أسعار الوقود، لكن بين السعرين مسافة تجعل الصورة أكثر تعقيدا. فما الذي يحدد فعلا السعر الذي يدفعه المستهلك عند المضخة؟
تبدأ رحلة التسعير من سعر النفط الخام الذي يتشكل في الأسواق العالمية وفق العرض والطلب، ويعد مؤشر “برنت” من المراجع الرئيسية لتسعير الخام. لكن الخام ليس بنزينا أو ديزلا، وإنما مادة يجب تكريرها أولا، ولذلك يتأثر السعر النهائي أيضا بتكلفة التكرير وعوامل أخرى، وهنا تبدأ أول مسافة بين سعر البرميل وسعر اللتر.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تكلفة الخام مثلت نحو 51% من متوسط سعر الديزل الشهري بالتجزئة في الولايات المتحدة خلال الفترة من عام 2004 إلى عام 2024. وصحيح أن هذه النسبة تخص السوق الأمريكية، لكنها توضح لماذا لا يتحرك سعر الوقود دائما بالقدر نفسه الذي يتحرك به النفط.
كيف يغيّر التكرير سعر اللتر؟
لأن تكرير النفط يحتاج إلى مصفاة يدخلها النفط الخام ليتحول إلى مجموعة من المنتجات، فإن لكل مرحلة تكلفة، ولكل منتج قيمة مختلفة في السوق.
ومن هنا تستخدم الأسواق مقياسا يوضح ما يحققه التكرير مقارنة بتكلفة الخام، ويعرف باسم “فارق التكرير”، لقياس الفارق بين سعر المنتجات المكررة وسعر الخام. واتساع هذا الفارق يعني أن الوقود أصبح أعلى قيمة مقارنة بمادته الأساسية، لكنه لا يمثل ربحا صافيا، فالمصفاة تتحمل أيضا نفقات الطاقة والتشغيل والصيانة، وتنتج مجموعة من المشتقات التي تختلف أسعارها.
وقد تتوقف مصفاة لأن معداتها تحتاج إلى إصلاح، أو قد تكون سليمة لكن الخام لا يصل إليها، وفي حالة ثالثة ينتج الوقود بالفعل ثم يتعثر تصديره أو نقله. والنتيجة في الحالات الثلاث واحدة بالنسبة للمشتري، وهي تراجع الكميات المتاحة للتسليم.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم تراجع إنتاج المصافي، ففي أغسطس/آب 2024 تراجعت كميات الخام التي عالجتها المصافي عالميا إلى نحو 81.4 مليون برميل يوميا، بانخفاض 4.2 ملايين برميل عن أغسطس/آب 2023.
شاهد ايضاً
ومع تراجع صادرات المشتقات من الخليج بنحو 60% مقارنة بفبراير/شباط 2024، أصبح المعروض من الوقود أضيق، في وقت كانت فيه المصافي العاملة قرب طاقتها القصوى محدودة القدرة على تعويض النقص.
ولهذا فإن العثور على مصدر إضافي للخام لا يحل المشكلة وحدها، إذ ثمة حاجة إلى مصفاة قادرة على معالجة هذا الخام وتحويله إلى المنتجات المطلوبة في السوق.
ماذا يحدث بعد خروج الوقود من المصفاة؟
بعد مغادرة الوقود المصفاة وانتهاء مرحلة التكرير، يكون قد أصبح جاهزا للاستهلاك، لكن رحلته إلى السوق لم تنته بعد. فتراجع المخزونات، وتأخر الشحنات من الموانئ، وتعطل خطوط النقل وارتفاع تكلفتها، أو اضطراب حركة السفن، كلها عوامل قد تقلص الكميات المتاحة وتدفع الأسعار إلى التفاعل سريعا مع أي صدمة في الإمدادات.
تظهر أهمية الممرات البحرية التي تنقل الوقود من الموانئ إلى الأسواق، إذ كان نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية يمر عبر مضيق هرمز. ويعني ذلك أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر الممرات الرئيسية يمكن أن يؤثر في تدفق الإمدادات إلى الأسواق، بما ينعكس بدوره على الأسعار التي يدفعها المستهلك.
بعد وصول الوقود إلى السوق، لا يكون الرقم الذي يراه المستهلك عند محطة الوقود قد تحدد بالكامل، فالسياسات المحلية للدول تدخل في السعر النهائي، وتختلف هذه السياسات من دولة إلى أخرى. ففي أوروبا، تشكل الضرائب جزءا مهما من سعر الوقود، بينما تلجأ دول أخرى إلى دعم البنزين أو الديزل لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار.
ماذا تدفع فعليا عند المضخة؟
ولا تتوقف المعادلة عند جانب العرض، فالطلب نفسه يتغير حسب الموسم والطقس. ويرتفع استهلاك البنزين عادة خلال موسم السفر الصيفي، بينما قد يزيد الطلب على الديزل في الشتاء للتدفئة. كما يمكن للطقس القاسي أن يعطل الإمدادات ويرفع الأسعار، ما يعني أن تغير الطلب أو اضطراب المعروض يمكن أن يؤثرا في السعر حتى بمعزل عن حركة أسعار النفط الخام.
وهكذا، عندما تدفع ثمن الوقود عند المضخة، فأنت لا تدفع مقابل ارتفاع سعر النفط فقط، بل تتحمل أيضا كلفة التكرير والنقل، وتوافر الإمدادات، والضرائب والدعم، وتقلبات السوق، والأحداث الجيوسياسية، وتغيرات الطلب بين موسم وآخر.
وبذلك، فإن المسافة بين برميل النفط ومضخة الوقود أطول وأكثر تعقيدا مما قد يبدو للمستهلك، إذ يمر السعر عبر سلسلة من المراحل والتكاليف قبل أن يتحول إلى الرقم الذي يظهر في النهاية أمامه عند محطة الوقود.







