كاتي مارتنلا تزال أسواق السندات تتعرض لضغوط بيع حادة، ويلعب ارتفاع أسعار النفط دوراً رئيسياً في هذا التدهور، وكان وصول عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى مستوى 5.27% يوم الاثنين حدثاً لافتاً في الأسواق الدولية.

والآن، وبعد شهر عصيب، هل حان الوقت لاغتنام الفرصة وشراء السندات عند انخفاض الأسعار؟

يبدو أن السوق يسبق توقعات الاقتصاديين بشأن المسار المحتمل لأسعار الفائدة الفيدرالية هذا العام والعام المقبل. بالنسبة للمستثمرين القادرين على تحمل هذه التقلبات، تبدو هذه الأسعار فرصة استثمارية مغرية.

هل سيكون قرارهم بالشراء وسط ضجيج المدافع، أي في خضم الأزمات، أم محاولة للإمساك بسكين ساقط، أي المخاطرة بشراء أصل ينهار سعره؟

محللو الأسواق عموماً، ومحللو البنوك الاستثمارية خصوصاً، هم في الغالب أشخاص طيبون، لكنهم جميعاً تقريباً مذنبون بارتكاب «خطيئة كبيرة».

وهي عدم الاعتراف بأخطائهم عندما تجانب توقعاتهم الاستثمارية الصواب. ويكتفون بنشر تحديثات جديدة لتوقعات الأسهم أو عوائد السندات، دون الإشارة إلى التوقعات السابقة أو الإقرار للعملاء بأن تقديراتهم اصطدمت بالواقع العملي.

لطالما أزعجني هذا الأمر. صحيح أن الأمر ليس غشاً في حد ذاته، ولكنه يغفل عملية مهمة قد تكون قيّمة جداً للعملاء: وهو شرح أسباب الخطأ.

كما أنه يرسخ الاعتقاد الخاطئ بأن المحللين ذوي البدلات الأنيقة دائماً على صواب، بينما في الواقع، كلنا نخوض غمار المجهول إلى حد ما. وكما كتب دان ديفيز على موقع «ألفافيل» أخيراً، لا بأس بالاعتراف بالجهل.

لذا، كان من الجيد أن أرى أخيراً تقريراً من «مورجان ستانلي» بعنوان لقد «أخطأنا بشأن ضعف الدولار». وحالياً يتوقع البنك أن ينهي مؤشر الدولار الرئيسي (DXY) العام عند مستوى 102 نقطة، مقارنة بتوقعه السابق عند 96 نقطة، والمستوى الحالي عند 101 نقطة، مع تراجع سعر صرف اليورو إلى 1.12 دولار، مقابل 1.20 دولار في التوقع السابق، و1.13 دولار حالياً.

وهبوط الاسترليني إلى 1.30 دولار، مقارنة بتوقع سابق عند 1.38 دولار، و1.32 دولار حالياً، إلى جانب تعديل طفيف بالرفع لسعر صرف الين الياباني باعتباره حالة خاصة.

كان بنك «مورجان ستانلي» يفترض سابقاً أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيبقي على أسعار الفائدة دون تغيير، بينما تبدأ البنوك المركزية الكبرى الأخرى في تضييق الفجوة عبر رفع الفائدة، وهو ما كان ليشكل ضغطاً تلقائياً يهوي بقيمة الدولار ويقلل تكلفة التحوط ضد مخاطره. لكن فريق الاستراتيجيات في البنك أقر صراحة: «لقد كنا مخطئين».

بدلاً من ذلك، تراجعت مستويات التحوط ضد مخاطر الدولار بشكل ملحوظ. ولم يقتصر الأمر على التحول في العوامل الأساسية للدولار، بل امتد إلى حالة القلق المتزايد لدى المستثمرين تجاه الأوضاع المالية في فرنسا، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية، ما أضاف عامل مخاطرة جديداً يضغط على اليورو خلال الأشهر المقبلة. نتيجة لذلك، عدل البنك نظرته للدولار من النظرة السلبية إلى موقف محايد يميل إلى الإيجابية.

وأوضح البنك في مذكرته التحليلية: «لا يسعنا إلا استحضار حركة الأسعار خلال الثمانية عشر شهراً الماضية؛ إذ تعرض الدولار في محطات مختلفة لصدمات سلبية غير متوقعة كلياً، مثل التطورات التي أعقبت «يوم التحرير»، ومراجعة أسعار الفائدة في يناير، والمخاوف المتعلقة بتشكيل لجنة السوق المفتوحة بالفيدرالي، وأخيراً الإعلان عن عمليات إعادة شراء لسندات الخزانة بأكبر من المتوقع.

ورغم أن هذه الزيادات في علاوة المخاطر السلبية لم تدم طويلاً، إلا أنها تشكل خطراً رئيسياً على مراكز الشراء الآجلة للدولار.

ونخشى أن تتأثر مراكز الشراء بصدمة غير متوقعة تؤدي لإغلاقها تلقائياً، حتى وإن كانت العوامل الأساسية تدعم قوة الدولار على المدى الطويل».

ويتوافق هذا الطرح مع رؤية خبراء العملات، ومنهم ستيف إنجلاندر من بنك «ستاندرد تشارترد»، الذي أشار إلى أن التحول نحو التشديد من قبل الفيدرالي مثّل نقطة تحول جوهرية بددت الشكوك حول العملة الأمريكية، دون أن يعني ذلك خروجها الكلي من منطقة المخاطر.

وستظل عوائد السندات هي المحرك الرئيسي لقيمة الدولار في الوقت الحالي، شريطة غياب المخاوف المتعلقة بهيمنة السياسة المالية على السياسة النقدية أو مخاطر التخلف عن السداد.

وحتى اللحظة، تثبت نظرية «ابتسامة الدولار» نجاحها في الأسواق؛ إذ ترتفع قيمة العملة الأمريكية في حالتين رئيسيتين: عندما يقود الاقتصاد الأمريكي النمو العالمي، أو عندما يتعرض الاقتصاد العالمي لأزمات حادة ودورات تقلب شديدة، بينما ينخفض في المراحل الانتقالية بينهما.

أما المحور الرئيسي الآخر في سوق الصرف الأجنبي حالياً فهو حالة الهدوء والركود القياسي في تداول العملات، وفق البيانات الصادرة عن بنك «جولدمان ساكس». وتعود هذه الظاهرة إلى التزامن الملحوظ في معدلات النمو بين الاقتصاديات الكبرى، ما يلغي التباينات والاختلافات الهيكلية التي تغذي حركة الصرف عادة.

وأشار بنك «جولدمان ساكس» إلى صعوبة تبني موقف حاسم ومباشر اتجاه السوق حالياً: «فمن ناحية، تنبع مخاطر هبوط الدولار أساساً من المخاطر المرتبطة بالسياسات داخل الولايات المتحدة وخارجها، والتي كانت المحرك الرئيسي للتراجعات خلال الـ 18 شهراً الماضية.

ومن ناحية أخرى، تبرز مخاطر الصعود نتيجة ضغوط التضخم الحادة أو امتداد دورة الإنفاق الرأسمالي، ما قد يتطلب اتخاذ خطوات سياسية أكثر صرامة لتشديد الأوضاع المالية».

وفي ظل حالة عدم اليقين والتوازنات الحالية في أسواق الصرف، يبقى التريث والالتزام بالهدوء الاستراتيجي الخيار المفضل لكبار المتعاملين في الأسواق الدولية. لذا حافظ على هدوئك وواصل المضي قدماً.