من القصب إلى المعنى: رحلة الكتابة من السومرية إلى العربية
دفعت فقرة للباحث عبدالمنعم المحجوب في كتابه “ما قبل اللغة” إلى إثارة أسئلة عميقة حول طبيعة اللغة العربية وجذورها، حيث شرح المحجوب كيف طوّر السومريون الكتابة المسمارية حوالي 2900 ق.م، فانتقلوا من التصوير إلى المرحلة المقطعية، مختزلين العلامات في أصواتها بغض النظر عن دلالاتها الأصلية، ومثل لذلك باستخدام علامة “القصب” (gi) لتمثيل فعل “أعاد ديناً” أو “عوّض” لأن الكلمة ذاتها كانت تعبر عن الميزان أو وحدة قياس.
هذا المثال لا يسلط الضوء على عبقرية التطور اللغوي القديم فحسب، بل يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للعربية، فهي من هذه الزاوية ليست لغة معجمية جامدة تحمل كلماتها معاني ثابتة، بل هي لغة “حسابية” تُستخرج معانيها من سياق الكلام وعلاقات حروفها، وهو ما يجعلها مرنة وقادرة على استيعاب المعاني المتغيرة.
المعاجم والتعليم: بين الصون والتعجيم
يشير التحليل إلى إشكالية كبرى في تعاملنا المعاصر مع اللغة، حيث أدت الجهود الحماسية لحفظ العربية عبر المؤسسات التعليمية والمعاجم إلى نتائج عكسية، فتحولت هذه الأدوات من وسائل إيضاح للعجم لمساعدتهم على التعرب إلى “حواكم” تقيد حرية التعبير للعاربين وتدفعهم نحو “التعجم”، وأصبح الخروج عن المألوف اللغوي المقنن يُوصم أحياناً بالشذوذ أو الزندقة.
تتعمق الإشكالية مع الخلط بين مفهوم العروبة الحديث القائم على القومية والعرق، والمفهوم الأصيل الذي كان قائماً على اللسان والفصاحة، فالعربي تاريخياً لم يكن حتماً من ولد لأب عربي، بل كان من أَعْرَبَ عما في خلده، أي من أفصح وبين، معتمداً على حساب الكلام وإدراك دلالاته في سياقها.
شاهد ايضاً
فصحى اليوم: لغة حية أم سجن لغوي؟
يطرح السؤال الأخير عن ماهية “الفصحى” السائدة اليوم، فهي في هذه الرؤية ليست بالضرورة لغة القرآن ولا لغة السابقين بكل حيويتها، بل قد تكون شكلاً مقنناً “حُبس” فيه العربي حتى تعجم، مما قتل فينا “حساب الكلام” والقدرة على إدراك المعاني المتولدة من السياق والعلاقات الداخلية بين الحروف والكلمات.
يقع كتاب “ما قبل اللغة – الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية” ضمن مسيرة بحثية عربية تسعى لتجاوز النمط التقليدي في دراسة التاريخ واللغة، مستندة إلى البحث العلمي كما في أعمال أحمد سوسة وفراس السواح، بينما فتح باحثون آخرون مثل كمال الصليبي آفاق النقد تجاه المزاعم الاستشراقية وإن عبروا أحياناً إلى حقل التأويل.








