استيقظت ذكريات الطفولة لدى حنان بمجرد أن وقع بصرها على حذاء لامع، لتعود بها إلى سنواتها الخوالي الجميلة التي لم تتلاشى بعد، حيث كانت طفلة مفضلة في أسرتها، تتمتع بمزايا ومواهب عالية، تفتح جعبتها الحافلة بالذكريات بأصابعها الطفولية دون أن تعيها ذاكرتها الشمّية الرهيفة.
تقلب حنان ذكرياتها بعشوائية، تنقش أحداثاً عرفت فيها لين العيش في بيت أهلها، حيث كان والدها عطوفاً يرق لها ويغدق عليها حنانه، لكنها مع ذلك ألفت نفسها عاجزة عن مغالبة حلمها في الثراء، وكان يحدوها الأمل والرجاء في الفوز ولو ببعض القروش.
صوت الأم من الماضي السحيق
يهزها صوت أمها من الماضي السحيق البعيد وهي تغني “الدلعونا”: “الشّايب ما ألوشُه الشّايب ما ألـــــــوشُه، لو حطّـــــــــولي الدّهب مـــــــــلاة طربـــــوشُـــــــه، يـــلــــــــــعــن الشــــّــــايب ويلــــــــعـــــــــــــــــن قروشُـــــــــــــــه، شـــــــــــــــوفــــــة حبــــــيــــــــــبي تســــــوى مليـــــــــــــونـــــا”.
شاهد ايضاً
فكرة طارئة وانفراج الأسارير
لكن حنان عنيدة، لم تنطو على أحلامها الغافية ولم يكف رجاؤها، فهل تعجز عن كسب بعض قروش تلمع وهي ذات بديهة حاضرة وسريعة، وفجأة انداحت في خاطرها فكرة طارئة، فانفرجت أساريرها وتهتفت في نفسها: “نعم هو.. هو ولا غيره.. إنه كامل الأهلية، نعم.. هو.. بقوامه الرشيق.. بثيابه الأنيقة.. بوجهه الوسيم المشرق، يتألق بشراً ويفيض حيوية.. هو .. بابتسامته الرقيقة الجذابة التي تتلاعب على شفتيه.. فرخ شاب هو، يبحث عن ريش، حلو الحديث والتغريد.. نعم.. هو .. وقد دخل في فرن المراهقة.. ياااه.. كم يروق لي..”.
يخرج أشرف باكراً جداً في ساعات السحر والفجر، ليركب بحر عكا مع الصيادين، يجدفون بالقوارب، يلقون الشباك في أعماق البحر، يلازمهم الحظ الغائم، وفوق الأزرق الممتد ينتظرون الرزق العائم، يسحبون الشباك، يجمعون ما يصيبونه من صيد، يشقون بطون الأسماك، ويضعونها فوق ألواح خشبية.








