لم يكن ممدوح محمد يتخيل أن رحلته إلى القاهرة بحثًا عن حياة أفضل ستتحول إلى معركة يومية لتدبير نفقات المعيشة، فالشاب الثلاثيني الذي جاء من محافظة الغربية طامحًا في الاستقرار، يجد نفسه اليوم عالقًا بين راتب محدود وأسعار تتصاعد بوتيرة لا ترحم في ظل موجة تضخم تتسارع مع تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الأسواق وأسهمت في مزيد من الضغوط على تكاليف المعيشة داخل مصر، حيث لم يعد المستهلك المصري بعيدًا عن دائرة التأثر، بل أصبحت تفاصيل الحياة اليومية أكثر قسوة وتعقيدًا خاصة على أصحاب الدخول المحدودة، وبين هؤلاء يبرز ممدوح محمد كوجه إنساني يعكس كيف تمتد تداعيات الصراعات الجيوسياسية إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية وموائد البسطاء.

لجأت الحكومة خلال مارس الماضي إلى رفع أسعار البنزين والسولار 3 جنيهات للتر الواحد ووقتها وصفت هذا القرار بالاسثتثنائي بسبب الصراع الإيراني الإمريكي وتبعاته السلبية على مضاعفة فواتير استيراد النفط بعد أن تخطى سعر البرميل 100 دولار.رغم تثبيت الحكومة أسعار الكهرباء للمنازل على أول 6 شرائح فإنها رفعت الحكومة أسعار الكهرباء للمحلات التجاري وهو ما يؤدي إلى زيادة معدل التضخم.ممدوح، شاب في أوائل الثلاثينيات، يعيش بمفرده في القاهرة بعد أن غادر محافظة الغربية بحثًا عن فرصة عمل أفضل. يعمل في إحدى شركات القطاع الخاص براتب لا يتجاوز 6500 جنيه، يتحمل منه إيجار مسكنه الذي يبلغ 2000 جنيه شهريًا، بخلاف فواتير المرافق، إلى جانب مصروفات يومية لا يمكن تجنبها، أبرزها المواصلات التي تستنزف نحو 50 جنيهًا يوميًا.

يقول ممدوح: “أنا مغترب وعايش لوحدي، بحاول أوازن بين المصاريف، لكن كل يوم الأسعار بتزيد، سواء أكل أو مواصلات. بقيت حاسس إن الأساسيات نفسها بقت رفاهية”.ومع تصاعد الأسعار، لم يعد راتبه كافيًا لتغطية احتياجاته الأساسية، ليجد نفسه مضطرًا للاعتماد على دعم شهري من أسرته حتى يتمكن من استكمال الشهر.لم يكن هذا هو الحلم الذي جاء من أجله إلى العاصمة.فالشاب الذي تجاوز الثلاثين، وأجل فكرة الزواج سعيًا لتحقيق الاستقرار أولًا، يجد نفسه اليوم عالقًا في دائرة من الضغوط الاقتصادية المتراكمة.فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالتقلبات العالمية، وصولًا إلى الحرب الإيرانية الحالية، تتزايد الأعباء بينما تظل قدرته على المواجهة محدودة.

ورغم محاولاته المستمرة للتأقلم، عبر تقليص إنفاقه على الطعام وتخفيض احتياجاته لأدنى حد ممكن، يبقى شعوره الأبرز أن المعركة اليومية لم تعد فقط من أجل تحسين مستوى المعيشة، بل للحفاظ على الحد الأدنى منها.

بدأت الحرب بين إيران وخصومها في المنطقة في سياق تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بملفها النووي ونفوذها الإقليمي، حيث تحولت المواجهات من حرب ظل عبر وكلاء إلى ضربات مباشرة واستهداف متبادل لمنشآت حيوية، خاصة في مناطق إنتاج ونقل الطاقة. ومع اتساع رقعة التصعيد، تأثرت حركة الملاحة في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، ما دفع بأسعار النفط للارتفاع الحاد وسط مخاوف من نقص الإمدادات عالميًا، قبل أن تشهد الأسواق موجات تذبذب حادة مع تدخلات سياسية ومحاولات لاحتواء الأزمة دون حسم كامل حتى الآن.

انعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، حيث زادت الضغوط على فاتورة استيراد الطاقة في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما يرفع تكلفة دعم الوقود أو يضغط نحو زيادات محلية في الأسعار.

اقرأ أيضًا: ضبابية قرار واشنطن وطهران تهز الاقتصاد العالمي بين القلق والتعافي

ارتفاع أسعار الطاقة والسلع يعيد ترتيب أولويات الأسر المصرية

وعلى بعد مئات الكيلومترات من صخب العاصمة، تبدو معاناة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها لا تقل قسوة. في إحدى قرى محافظة قنا، تروي نادية محمد، الأرملة الخمسينية وأم لابنتين، تفاصيل يومياتها مع الغلاء، حيث تحولت أبسط متطلبات الحياة إلى عبء يفوق قدرتها على الاحتمال.

تعتمد نادية على معاش شهري لا يتجاوز 5000 جنيه، سرعان ما يتآكل بين فواتير المرافق واحتياجات المعيشة. تقول: “بقينا نوفر في كل حاجة، حتى الأكل، والطماطم من ساعة ما غليت مبقيناش نشتريها، وأي حاجة سعرها يزيد حتى لو أساسية بنضطر نسيبها”. كلماتها تختصر معادلة صعبة، حيث لم يعد التقشف خيارًا، بل ضرورة يومية.

ومن بين أكثر ما يرهق ميزانيتها، أسطوانة البوتاجاز التي وصل سعرها إلى نحو 320 جنيهًا، إلى جانب شحن عداد الكهرباء وباقي المصروفات الأساسية، ما يجعل دخلها غير كاف لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات.

توضح نادية أنها لا تزال تعيش في قرية لم يصلها الغاز الطبيعي بعد، ما يضطرها للبحث عن بدائل أقل تكلفة.

تقول إنها تلجأ أحيانًا إلى استخدام بقايا الحطب ومخلفات الزرع لتوفير ثمن الأسطوانة، في مشهد يعكس عودة اضطرارية لوسائل قديمة كانت قد اندثرت.

وتضيف أنها تقوم بخبز العيش في المنزل، وتسخين المياه والطهي بطرق تقليدية، محاولة التكيف مع واقع يزداد صعوبة يومًا بعد يوم. ورغم قسوة الظروف، تتمسك بأمل بسيط: أن تتغير الأحوال، وأن تنخفض الأسعار، لتستعيد قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية دون هذا القدر من المعاناة.

اقرأ أيضًا: تكلفة إنتاج برميل البترول في مصر تقل 74% عن السعر العالمي.. خبير يوضح السبب

كغيرها من مئات الأسر، وجدت مروة عبد الرحيم نفسها مضطرة إلى تقليص نفقاتها، مع تتابع موجات ارتفاع الأسعار التي فرضت واقعًا جديدًا على المواطنين، لم يعد فيه الإنفاق قرارًا مرنًا، بل حسابات دقيقة تدار وفق الأولويات، وما يمكن الاستغناء عنه أو تأجيله، في محاولة مستمرة لمجاراة دخل ثابت لا يواكب وتيرة السوق.

وشهدت الأسواق خلال الفترة الماضية موجة متصاعدة من ارتفاع الأسعار طالت مختلف السلع والخدمات، مما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.هذا الارتفاع المستمر في معدلات التضخم، مقابل ثبات نسبي في الدخول، دفع شريحة واسعة من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية والبحث عن بدائل لتقليل النفقات، حتى أصبحت إدارة الدخل عبئًا شهريًا يفرض نفسه على الكثيرين.

“في الأول كانت الدنيا ماشية شوية دلوقتي لا”، بهذه الكلمات اختصرت مروة عبد الرحيم، التي تعول أربعة أطفال جميعهم في مراحل التعليم المختلفة، واقعًا معيشيًا أصبح أكثر صعوبة خلال الفترة الأخيرة. وتقول مروة، التي تعمل في إحدى المدارس وتتقاضى الحد الأدنى للأجور، إنها مثل غيرها من مئات المواطنين تأثرت بشكل مباشر بالظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار في مختلف السلع، ما اضطرها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص نفقاتها في ظل تسارع وتيرة التضخم.

وتضيف الأم: “بقيت أشتري الحاجات الأساسية فقط”، مشيرة إلى أنها اضطرت للتخلي عن بعض الكماليات وعلى رأسها الخروج والترفيه مع أبنائها: “كنت بخرج الأولاد عشان يتبسطوا، لكن مع غلاء الأسعار بقى الحل هو الأكل في البيت وتوفير كل حاجة ممكنة”.

على نفس النهج، يواجه أحمد سعيد، الموظف في إحدى الشركات الخاصة، ضغوطًا مماثلة، رغم حصوله على راتب يبلغ 9 آلاف جنيه. يصف الأب لثلاثة أطفال التزامات أسرته الشهرية التي تتجاوز دخله، خاصة مع إيجار شقة يصل إلى 3000 جنيه، بالإضافة إلى فواتير الكهرباء والمياه والغاز التي تقترب من 1000 جنيه.

يقول: “بعد ما الأسعار زادت بقى الحمل تقيل”، موضحًا أنه كان يخصص في بداية كل شهر نحو 4000 جنيه لشراء احتياجات المنزل: “كنت أنا ومراتي بنجيب كل حاجة نحتاجها”، لكن هذا المبلغ لم يعد يكفي سوى جزء بسيط من المتطلبات الحالية.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار وثبات الدخل، اضطر أحمد وزوجته فاطمة “ربة منزل” إلى تقليص كميات السلع التي يشتريانها، بعدما كانا يحرصان على توفير اللحوم والدواجن والأسماك طوال الشهر. ويضيف: “قبل كده كنا بنجيب لحمة وفراخ وسمك للشهر كله دلوقتي بنكتفي بنوع أو نوعين بس”، مشيرًا إلى أن الظروف الطارئة أحيانًا تعيد ترتيب الأولويات: “ممكن أي ظرف صحي مفاجئ أو علاج لحد من الأولاد يغير كل الحسابات ويستهلك الفلوس كلها”.

اقرأ أيضًا: من الغذاء للطيران.. كيف يؤثر حصار مضيق هرمز على العالم؟

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسارع معدل التضخم على مستوى مدن مصر إلى 15.2% خلال مارس مقارنة بـ13.4% في فبراير تحت ضغط ارتفاع أسعار الأطعمة والمشروبات 5.8%.وبحسب البيان الشهري، فإن معدل التضخم الشهري على مستوى مدن مصر ارتفع إلى 3.2% خلال مارس مقابل 2.8% في فبراير.

وفي السياق نفسه، قال محمد حسن، موظف وأب لثلاثة أبناء، إن دخله الشهري لم يعد كافيًا لتلبية احتياجات أسرته الأساسية، في ظل الارتفاعات المتتالية في الأسعار خلال الفترة الأخيرة. وأوضح أنه بدأ في إعادة حساباته المالية بدقة أكبر، ومحاولة ترشيد الإنفاق على مختلف البنود، مشيرًا إلى أن ذلك انعكس بشكل مباشر على نمط معيشة الأسرة.

وأضاف أن الأسرة اضطرت إلى تقليل استهلاك بعض السلع الغذائية الأساسية مثل اللحوم والفواكه، والاعتماد على بدائل أقل تكلفة، مع إعادة ترتيب الأولويات بحيث تتركز المصروفات على الاحتياجات الضرورية فقط.

كما أشار إلى أن الجوانب التعليمية والترفيهية تأثرت أيضًا، حيث تم تقليص الإنفاق على الدروس الخصوصية، والتخلي عن بعض الأنشطة غير الأساسية بهدف تخفيف الأعباء المالية.

وبحسب الإحصاء سجلت أسعار عدد من السلع والخدمات زيادات متفاوتة خلال مارس الماضي، حيث ارتفعت مجموعة الحبوب والخبز بنسبة 1.5%، واللحوم والدواجن بنسبة 5.9%، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 0.4%، إلى جانب صعود الألبان والجبن والبيض بنسبة 0.7%، والزيوت والدهون بنسبة 1.0%، والفاكهة بنسبة 2.0%، فيما قفزت الخضروات بشكل ملحوظ بنسبة 21.8%، وارتفعت مجموعة السكر والأغذية السكرية بنسبة 0.2%، والمنتجات الغذائية الأخرى بنسبة 0.8%، والبن والشاي والكاكاو بنسبة 0.2%، والمياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية بنسبة 1.1%، فضلًا عن زيادة أسعار الدخان بنسبة 0.9%.

كما شملت الزيادات عددًا من السلع والخدمات غير الغذائية، حيث ارتفعت الأقمشة بنسبة 1.5%، والملابس الجاهزة بنسبة 1.7%، والإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 2.1%، وصيانة وإصلاح المسكن بنسبة 1.5%، والمياه والخدمات المرتبطة به بنسبة 0.5%، فيما زادت أسعار الكهرباء والغاز ومواد الوقود بنسبة 6.5%، والأثاث والتجهيزات المنزلية بنسبة 0.6%، والأجهزة المنزلية بنسبة 0.6%، كما ارتفعت خدمات النقل بنسبة 8.5%، ومعدات خدمات الهاتف والفاكس بنسبة 0.3%.

وفي سياق متصل، قال مصطفى محمد، شاب يبلغ من العمر 28 عامًا ويعمل في القطاع الخاص براتب شهري يبلغ نحو 12 ألف جنيه، إنه كان يعتمد على ادخار جزء من دخله بشكل منتظم قبل أن تتأثر خطته المالية بارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضح أنه كان يتمكن سابقًا من ادخار ما يقارب 6 آلاف جنيه شهريًا، إلا أن ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة قلص قدرته على الادخار بشكل ملحوظ.

وأشار إلى أن زيادة أسعار الوقود، التي تراوحت مؤخرًا بين 20.75 و22.25 جنيه للتر، انعكست على تكاليف المواصلات والاحتياجات اليومية، ما أدى إلى ارتفاع المصروفات الشهرية وإعادة توزيع أولوياته المالية.

وبين كل هذه القصص، يعود المشهد إلى ممدوح محمد، الذي لا يزال يحاول التمسك بخيط رفيع من التوازن وسط دوامة الغلاء. فبالنسبة له، لم تعد القضية تحسين مستوى المعيشة كما كان يخطط حين جاء إلى القاهرة، بل أصبحت معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة، في واقع اقتصادي تزداد ضغوطه مع كل موجة تضخم جديدة.

اقرأ أيضًا: الهدنة تهدئ الأسواق مؤقتًا.. هل تتحول رسوم هرمز إلى “ضريبة على النفط العالمي”؟